الجـزء الحادي والعشرون: قـراءة معـمقة للمشروع الخلاصي بناءاً عـلى نصوص الكـتاب المقـدس- يعـقـوب بن إسحـق

مقـدمة :

الصراع الأول بـين يعـقـوب وعيسو في موضوع سرقة البكـورية ، يؤدي إلى صراع ثاني أكـبر هـو صراع إخـتلاس البركة ، الـذي يأخـذ حـيـزاً كـبـيراُ من سفـر التكـوين الـفـصل 27 بأكمله . هـذا يـدل عـلى أن للموضوع أهمية كـبرى في تأريخ إسرائيل.

قـرأنا الكـثير من الـتـفسيرات الكـتابـية واللاهـوتية حول موضوع يعـقـوب وإخـتلاس البركة من أخـيه عيسو ، جميعها تـتكلم عـن حيلة يعـقـوب ومساندة اللـه له . لو نظرنا إليها بإمعان نراها ليس من العـدل ــ لا إلهـياً ولا بشرياً ــ أن يعـقـوب يستحـق كل هـذه الإنعامات . وحاشى للـه أن يقـف بجانب يعـقـوب حتى يلعب لعـبته في إخـتلاس البركة من أبـيه إسحق ويجعل من أخيه الأكـبر محل سخـرية بين عشيرته ، تحـت تـفسير كـتابي ( اللـه يخـتار الأصغـر ) . إذن ، للحـدث وجهة أخـرى تجعـله مقـبـولاً منطـقـياً وفكـرياً ، وإلهـياً وبشرياً.

يعـقـوب يخـتـلس بركة إسحـق :

نلاحظ في نص ( تك 27/1-5) توجهات إسحـق العشائرية في تـوَلي مَن ينـوب عـنه في رئاسة العشيرة ، بعـدما طعـن في السن وإقـتـرب من نهايته . يريد أن يسلم المسؤولية إلى إبنه الأكـبر عـيسو كما هـو متعارف في الأعـراف العشائرية إلى يومنا هـذا ، بالرغم من حـياد عيسو عـن النظام العشائري الذي أسسه جـدهم الأول أبراهيم (سلامة النسل الأصيل ، الإيمان ، ميراث الآباء) في موضوع زواجه من بنات الحـثيـين.  رفـقة زوجة إسحـق لم تستجـب لرغـبته العشائرية ، فـبعـدما طعـن بالسن ، نظمت إستعـداداتها لتحـضير الإبن الأصغـر يعـقـوب ليكـون الوريث أمانةً لأصالتها العـرقـية ، وحـفاظاً على ميراث أجـدادها ، تصدّت بكل قـوتها لتجعـل من يعـقـوب قائـد عـشيرة اللـه في أرض كـنعان . صنعـت له الطعام الطيب حتى يقـدمه لأبـيه ، وألبسته حلة أخـيه حتى يظهـر كأنه عيسو أمام إسحـق لكي يأخـذ بركـته . إسحـق لم يغـضب ولا يوبخ ، لا رفـقة ولا يعـقـوب عـلى فعـلتهم ، بل يفهم من هـذا الـفعـل ، أن جـوهـر الأمانة لدى رفـقة ويعـقـوب أهم من القانون العشائري ، وهنا الإرادة الإلهـية تصطف مع الأمانة البشرية وأصالتها لكي تحـقـق الخلاص ، وتـثبت وُجـودها بيـن العالم البشري.

إنّ غـضب الأخ الأكـبر عيسو من أخيه يعـقـوب جعـلته يهـرب إلى أرض أجـداده لمدة 14 سنة ، هي فـرصة للتهيء والإستعـداد لتولي مسؤوليته الجـديدة لـقـيادة عـشيرة الـله في أرض الموعـد.

خاتمة:

الكـثير يعـتـقـد أن روح اللـه تسانـد رأي الأغـلبية ، أو تطبيق الأسلوب الديمقـراطي ، أو القانون ، حتى تجعـل لعملهم شرعـية تسري عـلى الآخـرين ويطبقـونها في مؤسساتهم ، أو مجـتمعاتهم ، دون النظر إلى جـوهـر محـتواها . هل تعـتـقـدون أن الـله يسانـد ، أو يأخـذ جانب هـؤلاء ؟ حاشى للـه .

في العالم البشري هناك أشخاص منـفـردون كما يقـول الـقـديس بولس : ( للذين وهـبوا ) يكـتـشفـون ويكـشفـون جـوهـر القـضايا التي تخـدم الإنسان والإنسانية جمعاء ، لكي تجعله ينعـم بالخـيرات ، ويعـيش بحُـرية إنسانية تـفـتح أمام الآخـرين سبلاً جـديدة يرفـضها المتسلطون أصحاب الشرعـية لأنها تكـشف زيف محـتوى شرعـيتهم.

رفـقة إمرأة في مجـتمع ذكـوري ، تـقـلب موازين عشيرتها وقانونها ، حتى رئيس العشيرة إسحق ينصاع لثورتها لأجل إثبات الحق . هـذه الـقصص من الكـتاب المقـدس ، والأحـداث من التأريخ الـقـديم ، ما هي إلّا نفخة روحٍ إلهـية تجعـلنا نغـتـني منها ونـتجـدّد بها حتى نـفهم مثل إسحق ، توجّهات مسيرة حياتـنا التي تسانـدها الإرادة الإلهـية في الحـفاظ على أصالتـنا ، وإيمانـنا ، وميراث آبائـنا.

 

الاب پـيتر لورنس

Comment التعليق

Click here to post a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

  • شلاما أبونا بيتر
    شرح عميق جدا وواقعي لفهم المشروع الخلاصي…. بالاخص في قولك : ” وهنا الإرادة الإلهـية تصطف مع الأمانة البشرية وأصالتها لكي تحـقـق الخلاص…”,,, هذه هي بالحقيقة المرحلة التي يجب ان يصلها ويقتنع بها الانسان لكي يسير في طريق الخلاص.. فجوهر الانسان يتجسد بأمانته بالحفاظ على اصالته وايمانه وميراثه رغما عن كل المعوقات والتحديات التي تواجهه في مسيرته الخلاصية إن كانت من المجتمع الذي حوله او بالاكثر من اقرب الناس اليه