Articles Arabic

أكيتو، هل هو رأس السنة الكلدانية البابلية حصراً ولماذا؟

د. عامر حنا فتوحي

إبتداءَ أؤكد بأن الهدف من مقالتي هذه ليس تسليط الضوء على التفاصيل التقنية لمناسبة عيد أكيتو “رأس السنة الكلدانية البابلية” أو مراسيمه وطقوسه التي سبق لي وأن شرحتُها في كتابي “الكلدان منذ بدء الزمان” بطبعته الأمريكية لعام 2004 وطبعته العراقية لعام 2008م. للإطلاع على تفاصيل عيد أكيتو (الكلداني البابلي) أقرأ الصفحات 208-211 و 266-269 المتوفر مجاناً على الرابط أدناه:

http://kaldaya.me/2016/06/27/2579

جدير بالذكر أيضاً، أنني قد تناولت عيد أكيتو تفصيلياً باللغة الإنكليزية في كتابي لعام 2012م القصة اللا مروية عن سكان العراق الأصليين – الكلدان، الصفحات 274-278 والصفحات 353-355، مثلما تناولت الأعياد والطقوس الدينية البابلية في كتابي الموسوم كالدين ﻟﻴﮕﺎسي الصفحات 55-92 وأيضاً191-216.

www.NativeIraqis-Story.com |  www.ChaldeanLegacy.com

قبل ما يزيد على العقدين بدأ النساطرة الكلدان المستوردون عام 1918م من مناطق تقع ضمن المناطق الجبلية في تركيا وأيران الحاليتين وتأشوروا عام 1976م، يحتفلون بمناسبة عيد أكيتو بصفته عيداً آشورياً خاصاً بهم، متوهمين بأنهم قومياً آشوريين، علماً بأنه لم تكن هنالك على طول التاريخ الرافدي (قومية أو لغة آشورية)!

كما أن إقليم آشور التابع ثقافياً لإقليم بابل منذ تأسيسه عام 1318 قبل الميلاد، كان شعبه ذو الأغلبية الكلدانية (عرقياً) يحتفل بعيد رأس السنة الذي يدعى (شاتو إيشيتو) ومختصره (إيششو) الذي يكتب بالعلامة المسمارية ﮔيبيل وأيضاً ﮔيبيل 4 ، كان عيداً معروفاً بين كلدان إقليم آشور بصفته “عيداً محلياً” منذ عهد شلمنصر الأول والد توكلتي ننورتا الأول الذي سرق تمثال مردوخ من بابل.

بديهي، أن عيد راس السنة (شاتو إيشيتو) في مملكة آشور الفتية كان مختلفاً في تفاصيله عن عيد أكيتو (البابلي)، لاسيما طقوسه ومراسيمه المتواضعة، التي كانت تتناسب مع مكانة ومساحة المملكة المحدودة التي لم تكن لتزيد في بداية عهدها عن شريط ضيق من الأرض لا يكاد يبلغ طوله مائة ميل وعرضه خمسين ميلاً.

لذلك، فأن أدعاء متأشوري عام 1976م (الكلدان النساطرة)، بأن أكيتو هو عيد آشوري، بمعنى أن أكيتو هو مناسبة تم إبتكارها والإحتفال بها رسمياً في إقليم آشور من قبل شعب قومي وهمي (آشوريين)، هو إدعاء باطل ومغالطة فاضحة لا يمكن السكوت عليها، كما أنها علمياً وتاريخياً مغالطة خاطئة تماماً، يشبه خطئها مغالطة من قد يدعي بأن بابا الفاتيكان ليس كاثوليكياً وأن الشمس تشرق من الغرب!

مما يثير السخرية أيضاً، أن بعض الكتاب السوريين ممن تأثروا بأكاذيب متأشوري عام 1976م، بدأوا يروجون إلى أكيتو هو عيد سوري، مع أن مفهوم سوريا القديمة هو مفهوم وطني، لا يرجع لأكثر من 123 عاماً قبل الميلاد، كما أن حدود سوريا القديمة لم تكن لتتجاوز آنذاك حدود الساحل السوري، بل أن المدن التاريخية الشهيرة التي تقع ضمن حدود سوريا الحالية كانت أصلاً مدناً بابلية، وعلى سبيل المثال ماري وقرانا وإيبلا، علاوة على أن ثقافة سوريا القديمة التي كان مركزها أوﮔﺎريت، كانت هيّ الأخرى أسوة بثقافات أخرى مثل عيلام تابعة تماماً للثقافة الرافدية ومُشبعة بالثقافة الرافدية حد النخاع.

من المؤسف حقاً أن أشير إلى أن ما شجع على تبني هذه الطروحات الكاذبة، هو عدم أمتلاك الغالب الأعم من قيادات كلدان اليوم للشجاعة والكفاءة التي تؤهلها لأن تدافع عن حقوق الكلدان (سكان العراق الأصليين)، كما أن خنوع هذه الرئاسات وترددها في الحفاظ على تراثنا الكلداني، مرده هزالتها التي تبررها بالتسامح!

لذلك لا يتردد الكثيرون عن التجاوز على حقوقنا وتراثنا الرافدي العريق، كما لا يتوانون عن السطو على مناسباتنا الكلدانية البابلية وينسبونها دون وجه حق لثقافاتهم التي ولد بعضها بعد ما يزيد عن خمسة آلاف عام من تأسيس أسلافنا اﻟﭘروتوكلديين (الكلدان الأوائل) لأولى لبنات الحضارة الإنسانية، وفي مقدمة تلك المناسبات المهمة التي تم السطو عليها أو تبنيها، عيد رأس السنة الكلدانية البابلية (أكيتو)، حيث بدأ الفرس يحتفلون به تحت تسمية (نوروز) منذ القرن الخامس قبل الميلاد، بعد سيطرتهم على بابل، كما صار الكورد ينسبونه لهم ويحتفلون به أيضاً تحت مسمى (نوروز) وهيّ تسمية فارسية تعني (اليوم الجديد).

على الرغم من الأصل الفارسي لعيد نوروز، إلا أن الكورد بسبب تمكنهم السياسي ووكثرتهم العددية في محيط إسلامي، صاروا يبالغون في الأمرمن خلال الإدعاء بأن عيدهم قد بدأ قبل الفرس أي في حدود 701 قبل الميلاد، أي في زمن لم يكن هنالك فيه شعب كوردي أصلاً!

الأنكى أنهم يربطونه بقصة كتاب الملوك (الشاهنامة) والبطل الشعبي (كاوا الحداد)، وهيّ قصة كُتبت عام 1010م، مما يناقض تماماً إدعاء الكورد بقدمية أحتفالهم، علماً بأن الشاهنامة لم تكتب باللغة الكوردية (خليط لغوي) وإنما بالفارسية الدارية الحديثة التي أعقبت الفارسية البهلوية. للعلم أيضاً، فأن الدارية هيّ اللغة الشائعة اليوم في إيران وأفغانستان، لاسيما بين غالبية الهزارة من شيعة أفغانستان علاوة على الطاجيك!

للإنصاف، فأن الفرس والأكراد لا يدعون بأسبقيتهم على الكلدان في الإحتفال بمناسبة الإنقلاب الربيعي، أو أن أكيتو هو من بنات أفكارهم. مع ذلك فأن حكومة إقليم  كوردستان العراق تتبع سياق اللياقة السياسية لكي لا تتورط في الإنتقاص من أي مكون عراقي أو تتدخل في الصراعات التي أختلقها المستوردون النساطرة:

www.youtube.com/watch?v=j-8GMCgxkYw

من هم النساطرة الكلدان متأشورو القرن العشرين؟

مع ذلك، فأن عائلة البارزاني تدعم علناً أغجان والأقلية النسطورية، علماً بأن أصل عائلة أغجان من نساطرة هكاري التركية، الذين أنتقلوا إلى روسيا ثم وإيران، قبل أن يستوردهم البريطانيون للعراق عام 1918م. في المقابل تتحفظ عائلة بارزاني عن دعم الكلدان (سكان العراق الأصليين) ولغتهم الأم (الكلدانية)، لأن الكلدان هم سكان بلاد الرافدين الأصليين وأصحاب الأرض التي تسمى اليوم إقليم كوردستان العراق.

لذلك، فإن الأوان قد آن لوضع النقاط على الحروف، ومطالبة الحكومة العراقية وحكومة الإقليم ضمناً، بتمييزنا في الدستور بصفتنا (سكان العراق الأصليين)، وأيضاً بالإحتفال رسمياً بعيد أكيتو الكلداني البابلي. أن حقوقنا بصفتنا سكان العراق الأصليين، بما في ذلك الأرض والحكم الذاتي والحقوق المنصوص عليها في المعاهدات، هي حقوق متأصلة، لكن غالباً ما يتعين المطالبة بها وتأكيدها والدفاع عنها بنشاط من خلال الطعون القانونية والضغط السياسي والاحتجاجات حتى تعترف بها الدولة بالكامل وتدعمها.

آخذين بنظر الإعتبار بأن الحقوق تتطلب من يطالب بها، وباللغة الكلدانية (زودقه باعي لا ﭘوميه)، كما أن من يطالب بحقوقه بقوة وحكمة ينالها كاملة، وباللهجة العراقية (اﻟﮕوي ياكل مستوي) المشابهة للقول الكلداني (حيلاّنا آخِل حَيّا)!

قبل أن أخوض في شرح شرعية أكيتو كلدانياً ، يهمني أن أشير إلى حقيقة لا غبار عليها، وهيّ أن الإحتفال بمناسبة أكيتو، عيد رأس السنة الرافدية (الموحدة في الأول من نيسان)، قد أبتدأ في الإقليم البابلي، وتواصل في الإقليم البابلي حتى توقفت ممارسته في العراق القديم إبان الإحتلال الفرثي، ثم توارى في غياهب النسيان بسبب فقدان سكان العراق الاصليين (الكلدان) لسيادتهم على وطنهم الأم، حتى أعاد القوميون الكلدان إحيائه مجدداً عام 2000م.

جدير بالذكر أيضاً، أن السنة المالية العراقية كانت حتى أواخر العقد التاسع من القرن العشرين تبدأ في الأول من نيسان وفقاً للتقويم البابلي الذي يؤشر بداية الإحتفال بعيد أكيتو، وقد تواصل هذا التقليد حتى عام 1988م، عندما قام حزب البعث بإلغائه، وإستبدال موعد بدء السنة المالية العراقية من الأول من نيسان إلى الأول من كانون الثاني.

أن تأكيد عائدية أكيتو للكلدان البابليين (حصراً)، تدعمه العديد من العوامل والثوابت التي لا يمكن المساس بها، وفي مقدمتها المكتشفات الآثارية والمدونات التاريخية.

لذلك ينبغي أن يفهم المجاملون والمساومون من الرئاسات الكلدانية (مدنية ودينية)، بخاصة من يجهلون أهمية هذه الخصوصية المتميزة لعيد أكيتو، بأن عليهم قبل يدخلوا في مساومات سياسية أو يتبرعوا بحقوقنا التاريخية للقوى المهيمنة على القرار العراقي حفاظاً على مصالحهم وأمتيازاتهم الشخصية، أن يستوعبوا ويحترموا تاريخ الكلدان الذي لا يضاهى، ذلك أن هزالة الرئاسات تضيع الحقوق، يؤكد ذلك القول الكلداني الشهير “من ربيوثا دأكاريي هويا حقلاثا لذياشا”.

لذلك على رئاسات الكلدان غير الكفوءة إما أن تترك سدة الرئاسة لمستحقيها، أو أن تنهض من غفلتها وتضع حداً لتجاوزات المتجاوزين على حقوقنا، وبضمنها التأكيد على عائدية أكيتو للكلدان (سكان العراق الأصليين).

فذلكة تاريخية

من الجدير بالذكر أن الإحتفال بعيد أكيتو، لم يبدأ كما يتصور البعض في مدينة أور، وإنما كان هنالك مناسبتان يَحتفل بهما الرافديون القدماء (اﻟﭘروتوكلديين) منذ الألف السادس قبل الميلاد إحتفاءً برأس السنة، لاسيما في مدن أريدو وبابل وكيش وأوروك، علماً بأن أصل أسم عيد (أكيتو) مستمد من اللغة الأكدية، أما التسمية السومرية فأنها ترجمة حرفية لها، لأن البابليين كانوا يكتبون بالقلمين الأكدي والسومري بدليل أن ملحمة ﮔﻟﮕﺎمش وأسطورة إينمو إيليش، إضافة إلى قصائد أنخيدونا أبنة الإمبرطور سرﮔون (الكلداني عرقاً) تسبق تاريخياً عهد سلالة أور الثالثة التي أحتفلت بعيد رأس السنة (أكيتو) مع تخصيص الطقوس الإحتفالية للإله ننار (سِن)، الإله القمر وإله الحكمة في معبده المسمى بيت النور “إيه ﮔش ﻨﻨﮕﺎل”، فيما كان أكديو إقليم بابل، يقدسون بابل والإله مردوخ.

أنظر صفحة 137 من المصدر المهم “آلهة وشياطين ورموز وادي الرافدين القديم” للأستاذين جيرمي بلاك وأنثوني ﮔرين، أنظر أيضاً ملحمة ولادة سرﮔون الأكدي المعنونة باللغة الأكدية (شرّو كين).

لذلك فأن من ينسب عيد أكيتو دون وجه حق للسومريين، عليه أن يُلم بحقيقة مفادها، أن مفهوم (السومريين) في العراق القديم كان يشير إلى قلم مسماري وثقافة لغوية (إيمي سال) حسب، أما مفهوم السومريين العرقي، فأنه إبتكار حديث أبتكرته مخيلة الفرنسي جوليوس أوﭘيرت عام 1869م وأشاعه صامويل نوح كريمر.

لذلك على من يربط بين مناسبة أكيتو وبين السومريين، أن يفهم إبتداءً، بأنه لم يكن في العراق القديم ثمة من وجود لعرق (سومري) على أرض الواقع.

لفهم أعمق لهذا الموضوع المعقد بعض الشيء على غير المختصين، ومن أجل الإطلاع على الأدلة الآثارية والتاريخية والكتابية التي تشرح هذا الموضوع بشكل مفصل وسلس، يمكنكم قراءة دراستي الموسومة (أور الكلدان أم السومريين) على الرابط أدناه:

https://kaldaya.me/2026/02/25/29547

السؤال المهم هنا هو، إذا لم يكن عيد أكيتو سومرياً بل بابلياً كما أوضحت، فلماذا يحاول البعض تنسيبه باطلاً إلى إقليم آشور؟

الإجابة سهلة تماماً، لأنه في الوقت الذي كان فيه حكام إقليم آشور معترفين كلياً بالثقافة والحضارة البابلية بمعنى الجوانب الحضارية لأقليم وسط وجنوب العراق، وكانت اللغة البابلية والقلم البابلي يهيمنان على المؤسسات الإدارية للدولة والشارع على حد سواء منذ عهد مؤسس مملكة آشور الملك شمشي أدد الأول (البابلي الأصل) 1813-1781 ق.م حتى عهد آشور دان الثاني 935-912 ق.م، لم يحدث  أي تغيير يذكر في نظام الكتابة أو لغة الإقليم، كما واصل تأثير القلم البابلي عملياً حتى القرن السابع ق.م بحسب د. إيريكا سي. دي. هنتر وآن كوبيه  وباتريك بويسكر ومايكل روف وغيرهم.

بالمقابل، تجاوزت ثقافة وسط وجنوب العراق القديم وبشكل تام الثقافة الشمالية (غير الناضجة) التي أنعكست عليها بصمات العديد من المحتلين الأجانب من شوباريين وحوريين وحيثيين وغيرهم، لهذا يقول نيكولاس بوستيكت  في كتابه الشهير (الأمبراطوريات الأولى) صفحة 117: “لم تكن المشكلة سهلة (مع البابليين) فقد كانت بابل تمثل حضارة بلاد ما بين النهرين. مما أدى لأن يعترف إقليم آشور بالثقافة البابلية وكبير الآلهة مردوخ.”، إلا أن محاولة ملوك آشور في العهد الإمبراطوري القصير العمر للهيمنة على بابل قد أنطوى على محاذير كثيرة ومنها طقس مسك يد مردوخ إله بابل الوطني!

لذلك نرى، أنه في الوقت الذي عبد فيه سكان أقليم الشمال آلهة جنوب ووسط العراق القديم منذ تاريخ نشأة مملكة آشور عام 1813 قبل الميلاد، فإن البابليين رفضوا كلياً فكرة إدخال الإله آشور في طقوس العبادة البابلية أو حتى في تصويره على المسلات التي أنجزت في الأقليم البابلي، ولعل وخير مثال على ذلك، عدم توفر إشارة واحدة إلى مشاركة الإله آشور في عيد رأس السنة لسكان وادي الرافدين (الأكيتو)، وهو العيد الذي كان يتم الإحتفال به رسمياً في بابل من الأول حتى الحادي عشر من شهر نيسان (وهو أول شهور السنة الرافدية)، فيما كان يحتفل بعيد الأكيتو وبشكل أدق (عيد رأس السنة) في المدن الأخرى من وادي الرافدين بعد أنتهاء الأحتفالات المركزية في بابل.

إلى هذه الحقيقة يشير جورج روو في كتابه الموسوم العراق القديم: “كان يحتفى بمراسيم عيد السنة الجديدة في مدن أخرى خارج بابل في آشور ونينوى وأربيل وحران ودلبات وفي أوروك، لكن في تواريخ مختلفة.” بمعنى تواريخ لاحقة، لأنه من غير الجائز الأحتفال بعيد رأس السنة قبل اليوم الأول من نيسان وهو موعد الأحتفال الرسمي الذي يجرى في بابل، كما لا يمكن الإحتفال به شعبياً في إقليم آشور في الأول من نيسان، بسبب تواجد آلهة المدن الرئيسة في بابل.

أن ما يؤكد مسألة عدم إعتراف الأقليم البابلي بربوبية آشور الأسيوي – الأنضولي الأصل، ومعاملته بصفته إله أجنبي (شوباري)، أن حمورابي لم يذكره في مقدمة مسلته الشهيرة مع أنه قدم  شكره إلى 25 إلهاً من مختلف مدن العراق القديم، بل أن حمورابي على الرغم من إشارته لإصلاحاته المعمارية في مدينة آشور التي كانت وقتذاك جزءاً من الأمبراطورية البابلية، فأنه لم يذكر أسم إله مدينة آشور.

الأهم من كل هذا وذاك، هو أن أي ملك من الإقليم البابلي يسعى لحكم كامل بلاد الرافدين لم يكن بحاجة لمراسيم أخذ يد الإله آشور لكي يُعترف به ملكاً شرعياً على البلاد، في المقابل، فأن أي ملك من إقليم آشور لا يؤدي طقوس مسك يد الإله مردوخ، لا يعتبر ملكاً شرعياً على وادي الرافدين، وإنما كان يُنظر إليه بصفته ملكاً محلياً على أقليم الشمال وحده حسب.

لهذا عمد جميع الملوك الكبار إلى أخذ يد الإله مردوخ في اليوم الثامن من عيد رأس السنة البابلية الأكيتو لكي يتم الإعتراف بهم كملوك شرعيين للبلاد، وهذا يؤكد دونما شك، بأن شرعية البلاد كان مصدرها بابل وليس آشور، كما يؤكد أيضاً بأن أكيتو كان عيداً بابلياً حصراً، لأن من أهم متطلبات العيد تواجد الإله الشرعي الذي يقوم بتنظيم الكون، ولا شرعية وقتذاك في وادي الرافدين إلا شرعية بابل وإلهاها مردوخ القادر وحده على منح الشرعية للملوك الرافديين، كما هو موضح في النقاط التالية:

أولاً – تؤكد المكتشفات الآثارية والمدونات المسمارية وترجماتها العديدة التي تتناول طقوس العبادة والآلهة الرافدية حقيقة عائدية أكيتو إلى بابل والكلدان حصراً، بخاصة ترجمات القرن العشرين الأكثر دقة والمعتمدة في اللغات الحديثة، مثل الألمانية والإنكليزية والفرنسية والروسية، وفي مقدمتها ترجمات وولي وجاكبسون ولويد وهاليفي ورولنصن وهنكس وﮔروتفيند وساﮔز ودياكونوف وأوتس وﭘوبل وبدميد ولاندزبيرﮔر وسمث ورعيل طويل من الأركيولوجيين والمترجمين (ديسايفرس) الأوربيين والأميريكان، علاوة على العراقيين، أمثال طه باقر وفؤاد سفر وبهيجة خليل أسماعيل وفوزي رشيد ونائل حنون وغيرهم من ثقاة المترجمين الملمين بالقلمين الأكدي والسومري.

ثانياً – تؤكد المكتشفات الآثارية أيضاً، بأن اﻟﭘروتوكلديين (الكلدان الأوائل) قد أحتفلوا منذ عصر (ما قبل الثقافة السومرية 2900-2650 ق.م)  ولاً بعيد رأس السنة الجديدة، أكيتو/ آ-كي-تي-شي-ﮔورو10 في شهر نيسانو، عندما تتساوى معدل ساعات ضوء النهار مع الظلام، مؤشرة “الإنقلاب الموسمي” الجديد.

حيث بدأ أسلافنا اﻟﭘروتوكلديين الإحتفال بعيد رأس السنة (زﮔموكو | شاﮒ خول زاﮒ موك) بشكليه القديمين (أكيتو) و(زﮔموك) منذ منتصف فترة ثقافة العبيد الوسيطة، عصر أريدو (أو دور أريدو) في حدود 5300 ق.م. الذي يمثل الجزء الأقدم والأكثر أصالة في حضارة العبيد (حوالي 6500 – 3700 قبل الميلاد)، التي نشأت في جنوب بلاد الرافدين.

كيف يحسب الكلدان تقويمهم القومي؟

https://kaldaya.me/2026/01/11/29241

يعتبر هذا الدور (المتمثل في الطبقات 15-19 في مدينة أريدو) المرحلة التأسيسية التي ظهرت فيها المعابد الأولى، وتطور الفخار الملون، وبدايات التمدن في المنطقة. كما تعتبر أريدو المدينة التوأم لمدينة بابل وأحدى عاصمتي الكلدان الأوائل اللتين تحملان ذات التسمية المقدسة (نون-كي) أي (موطن الحياة)، كما تحتوي المدينتان (بابل وأريدو) على ذات التفاصيل المقدسة (الزقورة، معبد الإيساﮔيلا وتمثال أسرولوخي/ أسلوخي الخاص بالإله مردوخ). هذه التفاصيل تعتبر محرمة على المدن الأخرى، بضمنها ﻨﻴﭘور مدينة أنليل المقدسة، العاصمة الدينية وأرشيف بلاد ما بين النهرين.

لكن ما جعل عيد أكيتو مناسبة بابلية حصراً، هو أن توحيد عيدي رأس السنة الرافدية أكيتو وزﮔموك قد تم في عهد السلالة البابلية الأولى التي أشاعت تسمية أكيتو وحددت طقوسه التي تضمنت مراسيم زﮔموك، مما جعل هذه الطقوس والمراسيم واجبة الإحتفال بها رسمياً في الإيساﮔيلا، وبيت الأكيتو-حاشادو خارج أسوار المدينة القديمة، وتحديداً على بعد حوالي 200 متر إلى الشمال من بوابة عشتار، كما جعلها سمة خاصة بالإقليم البابلي وبمدينة بابل حسب.

ثالثاً – من البديهي أن الإحتفال بعيد أكيتو مرتبط بوجود تمثال مردوخ الرئيس (أسرولوخي/ أسلوخي) في معبد إيساﮔيلا المخصص لإحتفالات أكيتو وهو أحد سبع تماثيل للإله مردوخ التي تتواجد في بابل.

في كل أكيتو تبدأ آلهة المدن الكبيرة والمهمة بزيارة بابل في مواكب مهيبة، ليستقر تمثال الإله الزائر في معبد الإيساﮔيلا إبتداءً بإرسال وفد ديني إلى معبد إيزيدا في بورﺴﻴﭘﺎ لدعوة نابو أبن الإله مردوخ وإستقدام تمثاله.

يتبين من هذه التفاصيل المهمة بخصوص قدوم ومساهمة آلهة المدن الرافدية في إحياء أكيتو في بابل (مركز الكون) وفقاً للقناعة الدينية الرافدية، عدم إمكانية إجراء إحتفال أكيتو في أية مدينة أخرى غير بابل، بسبب تواجد آلهة المدن الرافدية في بابل للمساهمة في طقوس تمجيد الإله مردوخ.

جدير بالذكر أن الآلهة الزائرة تلعب دوراً رئيساً في إستكمال الطقوس الدينية المدونة في أسطورة الخلق الإينمو إيليش، حيث تتنازل الآلهة الزائرة عن أسمائها (مصدر قوتها) للإله مردوخ في اليوم السابع من أحتفالات أكيتو الذي يشهد تمجيد مردوخ ودحره لقوى الموت والفوضى، قبل أن يقوم بتنظيم العالم في طقوس بيت الأكيتو.

بعد أن تُعرِب آلهة المدن عن ولائها المطلق للإله مردوخ، تشارك الشعب أفراح بابل، حيث تبقى في بابل حتى اليوم الحادي عشر من نيسان، ثم تغادر مدينة بابل في اليوم الثاني عشر، بعد أن تكون قدرة الإله مردوخ قد نظمت مسار الكون، وأحلت السلام والأمان والأزدهار على البشر.

ن طقس التنازل عن أسماء الآلهة للإله مردوخ مرتبط بفكرة أن الأسم هو مصدر الكينونة كما أن الأسم يحدد صفة المخلوق أي قدرته، لذلك يدعى أيا / أنكي (والد مردوخ) الإله صاحب الكلمة القادرة، بمعنى أن يقول للشيء كن فيكون، وبتنازل أيا عن أسمه (قدرته) في اللوح الثالث من ملحمة الخليقة لأبنه مردوخ علاوة على تنازل بقية الآلهة في مساء اليوم السابع يتمكن مردوخ في اليوم الثامن من إعادة خلق العالم وتنظيمه.

أن فعل تأسيس وتنظيم العالم لا يمكن أن يتم إلا في (نون-كي) موطن الحياة في بلاد الرافدين، أي مدينة بابل (مدينة الإله مردوخ) وتوأم مدينة بابل، أي مدينة أريدو (مدينة الإله أيا والد مردوخ).

أنظر كتاب كالدين ليكاسي الصفحات 55-92 وأيضاً191-216.

www.ChaldeanLegacy.com

بسبب معرفة أعداء بابل والطامعين بمدينة فخر الكلدان (بابل)، بأن تواجد الإله مردوخ في بابل يعني إمكانية إداء طقوس أكيتو، التي تضمن حماية (بابل) المدينة المقدسة، كما توفر هذه الطقوس السنوية الأمان والأزدهار والقوة.

لذلك حاول أعداء بابل أسر تمثال الإله مردوخ من أجل السيطرة على البابليين، حيث تمت سرقة تمثال مردوخ أكثر من مرة، بدءاً بقيام الملك الحيثي مورشيلي الأول بنهب مدينة بابل حوالي عام 1595 ق.م.، ثم أعيد من قبل الملك الحيثي سابيليوليوما الأول كبادرة حُسن نية. كما نهب العيلاميون إقليم بابل حوالي عام 1150 ق.م في عهد ملكهم شوتروك ناخونتا، الذي سرق التمثال وحمله إلى موطنه عيلام.

تم أسترجاع التمثال بنجاح وجلبه إلى بابل بعد أن شن الملك الكلداني البابلي نبوخذ نصر الأول 1125 إلى 1104 ق.م حملة ضد العيلاميين بقيت أثرها في الذكرة الرافدية حتى عصر نبوخذنصر الثاني.

بالنسبة لملوك آشور (البابليي الأصل) و(الكلدان قومياً)، منذ عهد مؤسس مملكة آشور (شمشي أدد الأول، 1813-1781 ق.م)، فأن صراع ملوك آشور مع بابل كان صراعاً على السلطة حسب.

أنظر الفصل المعنون: شرعية الملوكية في العراق القديم بين بابل وآشور، الصفحات 185 – 187 من كتاب الكلدان منذ بدء الزمان.

لهذا السبب أيضاً، قام ملوك آشور بنقل تمثال الإله مردوخ من بابل إلى آشور عدة مرات عبر التاريخ، كرمز لإنتقال السلطة من بابل إلى آشور في بعض الفترات التي كانت بابل تعاني فيها من ضعف القادة المحليين، لاسيما خلال بعض سنوات فترتي الحكم الوسيط والحديث لمملكة آشور من ناحية، ومن ناحية أخرى أخذ ملوك آشور وشعب آشور (الذين هم كلدان عرقاً) بركات الإله مردوخ وحمايته للمدن التي تستضيفه، مما يعد تمجيداً للإله مردوخ ومكانته في البانثيون الرافدي، الذي كان أساس عبادة الكلدان في إقليمي بابل وآشور.

أن أول محاولة قام بها أحد ملوك مملكة آشور لسرقة تمثال مردوخ، تمثلت في نقل تمثال مردوخ إلى كلخو عاصمة آشور في حدود العام 1243 ق.م على يد توكولتي نينورتا الأول الذي نجح في سرقة التمثال رغم تمكن البابليين من ملاحقته وكسر جيشه وهروبه، وقد تكرر ذلك في عهد سنحاريب حيث بقي التمثال في آشور لمدة تقرب من عشر سنوات، حاول سنحاريب أن يستغل وجود تمثال مردوخ من أجل إقامة عيد أكيتو لمدة عامين، فثار غضب كهنة الإله آشور، وأدى إلى قيام كهنة آشور بإعادة كتابة أسطورة الخليقة (إينمو إيليش) جاعلين من آشور بطلها الرئيس، ولأن آشور كان إلهاً أسيوياً-أنضولياً (دخيلاً) لا شجرة عائلة له، قام كهنة المعبد بجعل زوجة مردوخ (صارﭘﺎنيتم) زوجته، وجعلوا نابو أبن مردوخ، إبناً للإله الأجنبي آشور.

لكن الأمور لم تسر وفق هوى سنحاريب، حيث ثار شعب آشور وجلهم من الكلدان بسبب هذه الإهانة لإله وادي الرافدين الرئيس مردوخ، وأنتهى الأمر بإغتيال سنحاريب على يد أبنيه أردا موليسو ونابو شار أوصر عام 681 ق.م، وكان ذلك هو مصير كل من سرق تمثال الإله مردوخ، أنظر الفصل المعنون (لعنة بابل) صفحة 86 – 87 من كتاب الكلدان منذ بدء الزمان على الرابط أدناه:

http://kaldaya.me/2016/06/27/2579

أنظر أيضاً الفلم الوثائقي: جنائن بابل المعلقة في بابل – تفنيد مغالطات دالي

www.youtube.com/watch?v=WcOB0X3uVi4

أن محاولة سنحاريب اليتيمة لفرض (أكيتو) على مملكة آشور لبضع سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وبنائه لبيت الأكيتو أو بيت الحشادو، المخصص للزواج المقدس، أدى إلى ردود فعل عنيفة أستهجنها كلدان بلاد آشور، مثلما رفضها الكهنة، وأدت إلى إعادة أسرحدون لتمثال مرودخ الرئيس إلى معبد الإيساﮔيلا، وأشتراك أسرحدون في طقوس مسك يد الإله مردوخ في بابل وليس في مملكة آشور، وذلك أثناء الأحتفال بعيد أكيتو (رأس السنة الكلدانية البابلية)!

أن قيام سنحاريب بفرض إحتفال أكيتو على مملكة آشور لبضع سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، لا يجعل من أكيتو عيداً خاصاً بمملكة آشور، لأن هذه المغالطة تشبه في مجانبتها للصواب إدعاء البعض بأن إكتشاف أختام مسطحة وأسطوانية في وادي السند (مثل هارابا وموهينجو دارو) وأفغانستان ومصر (جراء التبادل التجاري) مع وادي الرافدين، قد يعني بأن تلك الدول ربما تكون هيّ أصل إبتكار الأختام؟!

علماً بأن إبتكار الأختام المسطحة والإسطوانية في وادي الرافدين التي تؤكدها المكتشفات الآثارية ترجع للعصر الحجري النحاسي، أي الألف السابع قبل الميلاد، بمعنى أن أختام وادي الرافدين تسبق أختام وادي السند وأفغانستان ليس بمائة أو مائتي أو ثلاثمائة عام، وإنما تسبقها بما يزيد عن ثلاثة آلاف عام، كما أن أختام وادي الرافدين تسبق أختام تل العمارنة في مصر بما يزيد عن 4250 عام!

الخلاصة، بعيداً عن الإدعاءات الباطلة التي أختلقها النساطرة الكلدان المتأشورين عام 1976م حول هويتهم القومية الكاذبة، علاوة على إدعائهم الكاذب وتروجيهم الساذج بعائدية أكيتو إلى إقليم آشور من أجل مبررات سياسية مستهجنة ومنافية للعقل والمنطق، قمتُ بتفنيدها وفقاً للمعايير العلمية التي تدعمها المكتشفات الآثارية والمدونات التاريخية الرافدية، لذلك، فأن عيد (أكيتو) شاء من شاء وأبى من أبى، كان وسيبقى عيداً كلدانياً بابلياً خالصاً حسب.

Follow Us

Calendar

April 2026
S M T W T F S
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930