بين الإدعاءات الباطلة والحقائق التاريخية الدامغة
د. عامر حنا فتوحي
مقدمة
يؤكد الكتاب المقدس بأن لا نعول على النية والقصد حسب، وإنما على الأفعال التي لا جدال عليها، لذلك يوضح الكتاب بأن: “مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ.” (مت 7: 16). فمثلما تدل أعمال البر على الطيبين والأبرار، هكذا تدل على الشرير شروره، ومثلما تدل على العالمِ علومه، هكذا تفضح الجاهل جهالته!
من المؤسف حقاً أن يثير البعض بين حين وآخر تساؤلات يبدو ظاهرها بريئاً، مع أنها في الواقع لا علاقة لها لا بالموضوع المطروح ولا بالمنطق العلمي أو التوجه الأكاديمي، وإنما هدفها (حصراً) هو الإساءة لمصداقية شرعية الكلدان (سكان العراق الأصليين) وإلغائهم من معادلة مكونات الوطن الأم، وذلك من خلال إرباك العامة بإستخدام تعابير ومصطلحات لا يعرف الغالب الأعم ممن يطلعون عليها، بأنه رغم تداول هذه المصطلحات منذ عقود إلا أنها لا تمثل إلا حلولاً مؤقتة، وبأنها ماتزال قيد النقاش بين المتخصصين وعرضة للتبديل في الوقت المناسب، ولعل خير مثال على عدم دقة العديد من المصطلحات الأكاديمية، مصطلح (علم الآشوريات) الذي عارضه منذ البداية العلامة فرتز هوميل، هذا المصطلح المغلوط على الرغم من إستخدامه وشيوعه، إلا هنالك قيد الإستعمال العديد من البدائل الأقل شيوعاً، مثل علم السومريات (كريمر 1944م) وعلم (لرافديات 1988م (عامر حنا فتوحي)، وهنالك بدائل أخرى تم شرحها في الفديو الوثائقي التعليمي المرفق أدناه (حقيقة مصطلح (علم الآشوريات):
www.youtube.com/watch?v=GVsW90dQY-0
للأسف، ما يزال البعض ممن لا يميزون فداحة عدم معرفتهم بالتاريخ الرافدي وبخاصة من لا يلِمون بعلم الآثار، فيجرأون عن جهل أو تجاهل الإساءة للكلدان لأسباب لا مجال هنا للخوض فيها. أحد هؤلاء الموهومين بشرعية وعراقة أصله العربي، حاول مؤخراً الإنتقاص من تاريخ الكلدان وأصالتهم الرافدية، فقمتُ بتصحيح مغالطاته وتلقينه ما يجهله عن أصل المستعربة الذي يمكن تشبيهه بحصاة في فلاة!
أنظر الرابط أدناه: الكلدان 5300 ق.م – حتى اليوم، أصالة رافدية في مواجهة إدعاءات المحتلين المستعربة
https://kaldaya.me/2026/02/04/29358
منذ شلوتزر، الذي أشاع تسمية (الساميون) عام 1781م وأﭘيرت الذي أبتكر تسمية (السومريون) عام 1869م، تم إغراق المؤسسات التعليمية وسوق الكتاب ووسائل الإعلام (تلفزيون وسينما) وصولاً لعصر تكنولوجيا الإتصالات بملايين الدراسات والمقالات والأفلام التي تجير للسومريين دونما مسوغ جميع المنجزات الرافدية التي حققها الكلدان الأوائل (ﭘروتوكلدي) منذ الألف السادس قبل الميلاد.
الأنكى قيام البعض بحجة الأمانة العلمية بالتجاوز قصداً على الكتاب المقدس، أو التشكيك ببعض تفاصيله لدوافع مختلفة، منها ما طرحه أحدهم مؤخراً مدعياً، بأن أور لم تكن كلدانية وإنما سومرية!
علماً بأن هذا الطرح ليس بجديد، حيث بدأه في ثلاثينات القرن الماضي أحد المنقبين العاملين في فريق سير ليونارد وولي المدعو سايرس إتش. ﮔوردون الذي أقترح موقع أورفا القريب من حاران متصوراً بأن حاران هيّ أور الكلدان التي يذكرها الكتاب المقدس، وذلك لتصوره بأن اللغة الوحيدة المستخدمة في أور هيّ السومرية وأن السومريين بحسب تصوره هم أقدم المستوطنين في أور، لذلك لاتصلح أور أن تكون هيّ أور الكلدان التي يذكرها الكتاب المقدس! وهذا ما فندته المكتشفات الآثارية اللاحقة، مثلما فندت تصوره الساذج الذي يعتمد التقارب اللغوي حسب، متجاهلاً بأن تسمية أرفا/ أوروهوي هيّ تسمية لاحقة لتسمية أوديسا التي أطلقها الرومان على المدينة، وأن تأسيس مدينة أوديسا أصلاً، كان خلال عهد الملك السلوقي نيكاتور الأول في حدود 303 ق.م، بينما الأسم الكلداني اللاحق أورهوي (نبع الماء الفياض) قد أعتمد في عهد تأسيس مملكة أوشروين 132 ق.م – 244م ، أي بعد أبينا أبراهيم بما يقرب من 1800 عام، وهو ما يدعوني لإهمال هذا الإدعاء الساذج الذي تدحضه الوقائع التاريخية والمكتشفات الآثارية!
لذلك أكتفي هنا بتسليط الضوء على موضوع أكاديمي غاية في الأهمية، وهو (من هم السومريون) و(هل أن أور الكلدان، كانت حاضرة كلدانية أم سومرية؟)، وذلك لأن البعض من غير المختصين والمؤرخين التقليديين يدعون بأن (أور الكلدان) لم تكن كلدانية وإنما سومرية.
لذلك حري بنا قبل أن نناقش مسألة كلدانية أم سومرية أور، فنتفق مع هذا الرأي أو نفند ذاك، وفقاً للضوابط والمعايير العلمية، أن نلم برؤية واضحة عن (أور) و(الكلدان)، من أجل أن تكون مناقشتنا منصفة وشاملة.
أور أركيولوجياً وتاريخياً
من المعلوم أن مدينة أور قد تأسست في العصر الكلاسيكي لفترة العبيد، بينما يحدد بعض الآثاريين بأنها قد تأسست في العصر البطولي، بين 3800 و3500 ق.م، مع ذلك تؤكد المكتشفات التاريخية بأن أور مثل كل المدن في جنوب ووسط العراق القديم التي توصف بكونها سومرية (وفقاً لما هو شائع) بين العامة، قد أسسها في الواقع شعب غير سومري (أنا هنا أستخدم عبارة شعب سومري) إلتزاما بما هو مستخدم من معلومات متداولة، (مع أن هذا الإستخدام لا يمثل قناعتي).
من المعروف أن أسم أور يتألف من مقطعين (شش) بمعنى أخ أو أخت و(أونو) بمعنى بحر أو زرقة، يضاف لهما المقطع (كي) الذي يدل على (مدينة)، والمقطع الأخير، هو مقطع ﭘروتوكلدي قديم يرجع إلى فترة العبيد الكلاسيكية، لكنه تبادل عبر العصور في الإستخدام مع المقطعين (أورو) و(مات)، اللذان يدلان على الأرض أو البلاد، كما أنه يشبه في الإستخدام مع الكلمة (قلاما/ كلاما) الدالة على الإقليم.
جدير بالذكر، أن المكتشفات الآثارية والمدونات التاريخية تؤكد بكل وضوح وجلاء تواجد اﻟﭘروتوكلديين (الساميين بحسب شلوتزر) منذ عصر العُبيد في حدود 5300 ق.م، علماً بأن فترة العبيد المبكرة تمتد من 6500 إلى 5300 ق.م. حيث تؤكد المصادر التاريخية تواجد ااﻟﭘروتوكلديين في أور وأوروك وأريدو والذين يسميهم لاندزبيرﮔر (الفراتيون الأوائل)، وهيّ تسمية (جغرافية/طبوغرافية). علماً بأن أور قد بدأت بالتشكل كمستوطنة حضارية متميزة في فترة العبيد المسماة (عصر أريدو)، أي قبل إزدهار ما تسمى بالثقافة السومرية، بمعدل فارق زمني كبير يقرب من 2500 عام!
كما تؤكد القبور المكتشفة في أور والمشابهة ثقافياً لما تم إكتشافه في كيش السامية (بحسب شلوتزر)، وبأن معظم هذه القبور تعود إلى فترة جمدة نصر وعصر أولى دويلات المدن التي تتضمن عصر ميشالم ملك كيش الكلدي 2650 -2600 ق.م (بحسب) موسوعة البابلونكا التي يسميها طه باقر (كلدونيكا).
حول أسبقية الساميين (اﻟﭘروتوكلديين) يؤكد أيضاً الآثاري الشهير سيتون لويد الذي عمل لسنين طويلة في المتحف العراقي بأن الساميين قد توجدوا قبل السومريين في العراق القديم، وذلك في كتابه الشهير، (آثار وادي الرافدين)، وهو ما توصل إليه هنري فرانكفورت في كتابه الشهير (مولد الحضارة في الشرق الأدنى)، ويتفق معهما ديلاﭘورت، حيث يؤكد بأن الساميين (شلوتزر) أقدم من السومريين (أوﭘيرت).
من المثير أيضاً، أن تسميات ملوك سلالات أور تضمنت خليطاً من الأسماء الأكدية والسومرية، وفي كثير من الأحيان أكدية خالصة (ﭘروتوكلدية)! كما في أسم الملك الأول مس كلام دوﮒ (بطل الإقليم)ـ وأسم ﭘو-آبي (حكمة أبي) وآخر ثلاثة ملوك في سلالة أور الثالثة 2112 – 2004 قبل الميلاد.
من الملفت للنظر أيضاً أن أول تأسيس عمراني في أور، كان في العهود اﻟﭘروتوكلدية القديمة التي تسبق ما تسمى بفترة الثقافة السومرية (مرة أخرى، أستخدم هنا التعابير الشائعة)، كما أن آخر تحديث عمراني لمدينة (أور) كان على يد الملكين البابليين نبوخذنصر الثاني والملك نبونائيد، (الكلدانيين)، كما أن العديد من المباني القديمة تعود للفترة الأكدية (ﭘروتوكلدية)، مثل معبد ﮔيك ﭘﺎركو أو اﻟﮕﻲ ﭘﺎرو المخصص لسكن الكاهنة العليا ومساعداتها، حيث أعاد أعماره الملك عمار سِن ومن ثم جعله الملك نبونائيد ديراً لأبنته بيل شالتي ننار (كلدانية وأسمها سومري)، وكذلك مباني فترة سلالة بابل الثانية (سلالة القطر البحري الكلدانية) القريبة تاريخياً من عصر أبينا أبراهيم الكلداني، ومن بين أهم تلك المباني الكلدية معبد ﻨﻨﮕﺎل (السيدة العظيمة)، زوجة الإله القمر (ننار/ سِن) إله الحكمة، الذي أعيد بنائه في عهد الملك الكلداني نبونائيد، ناهيكم عن معبد الميناء من عهد الملك نبوخذ نصر الثاني، ولعل من أهم المكتشفات في أور، (لوح الحروف الهجائية) الذي أكتشفه السير ليونارد وولي في معبد أي-نن-ماخ (الربة المهابة) الذي يحتوي على (الألف باء الكلداني) من عهد الملك نبوخذنصر الثاني وهو أصل حروف (الإسطرنجيلي والمدنحا والمعروا) التي نستخدمها اليوم.
حول هذه الحروف الكلدانية أنظر ص 340 من كتاب كالدين ﻟﻴﮕﺎسي، أنظر أيضاً دراسة ويليم إف. ألبرايت،
مما يؤكد تواصل اﻟﭘروتوكلديين في أور منذ عصر العبيد الوسيط، حتى أختفاء أور من المشهد الرافدي في حدود القرن الخامس ق.م جراء تغير مسار نهر الفرات، وهذا ما يؤكده الأستاذ طه باقر. يؤكد هذا أيضاً الباحث الأمريكي ألبرخت ﮔوتزة: “أن هنالك دولة مدينة كبيرة من الساميين (اﻟﭘروتوكلديين) كان مركزها في ﻟﮕش أثناء عصر فجر السلالات الثاني 2800-2600 ق.م.”
كما يؤكد أنطون مورﺗﮕﺎت التوأمة الثقافية لمدينتي أور وﻟﮕش على النحو التالي: “يتضح ان هناك تشابها في النواحي الفنية والحضارية بين سلالة ﻟﮕش الثانية في عهد ﮔوديا وسلالة اور الثالثة في عهد اور – نمو في نحت التماثيل والملابس، وكذلك التشابه في بعض التفاصيل في مسلة اور – نمو مقارنة مع تماثيل ﮔوديا، اذ ان الالهة في المسلتين تظهر كأنهما صنعتا بيد نحات واحد، حيث شمل التشابه شكل الشعر وطيات الملابس. ان هذا التشابه في اسلوب النحت لكل من المسلتين يشير الى تقارب الحقبة الزمنية بين السلالتين، كما ان هناك قطعا من تمثال شوﻟﮕﻲ ووالده أور- نمو عثرت عليها البعثات التنقيبية، حيث يبدو هذا التمثال مشابهاً لتمثال (اور- ﻨﻨﮕرسو) بن ﮔوديا، لاسيما في تفاصيل الاجزاء العارية من الجسم.
أخيراً يوضح الآثاري سبيزر في كتابه الشهير (الأصول الرافدية)” لا يمكن أن يمثل السومريون أقدم سكان العراق، لأن هنالك مدناً ترجع إلى عصور أقدم تحمل أسماءً غير سومرية”، وهو ما يؤكده بينو لاندزبيرﮔر الذي أتعض من تجربة كريمر فتحاشى أن يطلق على هؤلاء الأوائل تسمية قومية مثل (اﻟﭘروتوكلديين)، فأطلق عليهم تسمية طبوغرافية (الفراتيون الأوائل).
وعن أور (تحديداً وحصراً)، يقول السير ليونارد وولي”أن تواجد الساميين كان قبل نزوح السومريين إلى هذه المنطقة -أور-“، وهو ما يؤكده الأستاذ طه باقر في أكثر من موقع من كتابه الشهير (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة)، لاسيما النص المقتبس من كريمر والمنشور في مجلة الآثار الأمريكية لسنة 1948.
يتبين مما أوردت من مجموع عشرات بل مئات الإفادات التي أدلى بها الآثاريون والمؤرخون، بأن مدينة أور قد تم تاسيسها في فترة العُبيد من قِبل سكان محليون غير سومريين، يسميهم شلوتزر وكريمر وسبيزر وكوتزة وهاندكوك وجاكوبسن والعشرات من كبار الآثاريين الأجانب ساميين، فيما يسميهم لاندزبيرﮔر فراتيون أوائل، مثلما أسميهم منذ كتابي لعام 1988م (أور الكلدان رؤية عراقية) ﭘروتوكلديين الذي يتم تداوله منذ تسعينات القرن الماضي.
وفق ذات السياق الذي سار عليه ملوك المدن الرافدية الجنوبية منذ عصر ما قبل الطوفان، فقد دأب الملوك منذ فترة إزدهار الثقافة السومرية في حدود 2900 ق.م على حمل تسميات خليطة، كما تسمى أفراد العائلة الواحدة بتسميات زاوجت ما بين السامية والسومرية، إذ لم تكن أوروحدها من حمل ملوكها تسميات (سامية وسومرية) بل كان ذلك سياقاً متداولاً، بدليل أن أوروك ثاني أكبر مدن وادي الرافدين، ومدينة (البطل الشهير ﮔﻟﮕﺎمش) التي تتألف من مدينتين هما (أي-أنا) التي جاءت منها ثاني السلالات التي حكمت بعد الطوفان، حيث كان أسماء ملوكها خليطاً من الساميين والسومريين، و(قولابا/كولابا) مسقط رأس ﮔﻟﮕﺎمش، التي أتحدت مع (أي-أنا) في عهد حكم سلالة أوروك الثانية، أشتهرت هيّ الأخرى بتسمياتها المزدوجة.
وهذا ما أتسمت به أيضاً سلالة أوروك الثالثة، حيث حمل ملوكها أسماءً مختلطة بل أن أسم والد مؤسس السلالة البطل لوﮔﺎل زاﮔيزي كان ﭘروتوكلدياً (سامياً) هو (بوبو)، وقد تواصل خليط الأسماء هذا حتى أختفاء أوروك من المشهد الرافدي بعد الغزو الإسلامي في القرن السابع للميلاد.
جدير بالذكر أن الملك الشمس نبوخذنصر الثاني هو من مواليد مدينة أوروك، حيث كان جده الذي يحمل ذات الأسم نبيلاً معروفاً في أوروك، وكان الملك نبوبلاصر من أشهر أمراء مدينة أوروك وبطلها الذي لا يضاهى.
الخلاصة: أن مؤسسو أور ومدينتها المجاورة ﻟﮕش كانتا تتحدان أحياناً وتتنازعان أحياناً أخرى على السيادة، ناهيكم عن توأم أور الشهيرة كيش، التي كانت مقر أول سلالة ﭘروتوكلدية (سامية) تحكم بعد الطوفان. كما أن وأوروك وإيشن وغيرها من مدن وسط وجنوب الرافدين ديلمون/ تيلمون (تيلما-جرة الماء) وقطرا (مذبح النذور أو الصخرة الكبيرة) باللغة الكلدانية، إنما يؤكد دونما جدال، بأن أور مجاوراتها من دويلات المدن الجنوبية لم تكن سومرية، كما يدعي من يتبنون مصطلح أوﭘيرت عن السومريين. هذه الحقيقة، (عدم سومرية المدن الجنوبية) هيّ ما تمثل حجر زاوية هذه الدراسة.
أور وفقاً للكتاب المقدس
بعد أن بينت بأن أور وفقاً للمكتشفات الآثارية والمدونات التاريخية كانت مدينة بقلب ﭘروتوكلدي (سامي) وغلالة رقيقة ظاهرها ثقافة سومرية- سامية مزدوجة ، لاسيما في عهد إزدهار الثقافة السومرية الأول 2900-2650 ق.م، ومن ثم في عهد الإنبثاق الثاني 2112 – 2004 ق.م، فأن من الجدير بالذكر أيضاً، الإشارة إلى أن بلاد ما بين النهرين هي أرض الفردوس الأول (جنة عدن) بدلالات الكتاب المقدس (“وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس. أسم الواحد فيشون.. وأسم النهر الثاني جيحون… وأسم النهر الثالث حداقل (إدﮔنا بمعنى نهر دجلة) … والنهر الرابع الفرات” – تك 10:2-14). ولو بحثنا في تسمية (جنة عدن) لوجدنا جذرها اﻟﭘروتوكلدي واضحاً، حيث أن أصل جنة هو الكلمة اﻟﭘروتوكلدية ﮔونّا وهيّ تماماً ما نستخدمه في اللغة كلدانية اليوم، أما كلمة عدن فتتألف من مقطعين، هما (عِد) اﻟﭘروتوكلدية الدالة على الأنهار، وبطبيعة الحال (حيث تكون الأنهار تزدهر الحقول)، أما المقطع الثاني (إن) فيعني (الرب)، فتكون ترجمة عبارة جنة عدن (جنة الرب الخضراء). للمزيد حول هذا الموضوع أنظر كتاب (يهود بابل – ماضياً وحاضراً) ص 12-15.
www.JewsofBabylon-book.com
ترى ما هو رأي الكتاب المقدس في أور وأهلها؟
يؤكد الكتاب المقدس بكل وضوح وجلاء، بخاصة في سفر التكوين على حقيقة وجود الكلدان وقدميتهم في وادي الرافدين من خلال كم من الآيات الصريحة والواضحة منها:
في سفر التكوين” 8وَكُوشُ وَلَدَ نِمْرُودَ الَّذِي ابْتَدَأَ يَكُونُ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ، 9 الَّذِي كَانَ جَبَّارَ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ. لِذلِكَ يُقَالُ: «كَنِمْرُودَ جَبَّارُ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ». 10 وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَمْلَكَتِهِ بَابِلَ وَأَرَكَ وَأَكَّدَ وَكَلْنَةَ، فِي أَرْضِ شِنْعَارَ. 11 مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ خَرَجَ أَشُّورُ وَبَنَى نِينَوَى وَرَحُوبُوتَ عَيْرَ وَكَالَحَ 12 وَرَسَنَ، بَيْنَ نِينَوَى وَكَالَحَ، هِيَ الْمَدِينَةُ الْكَبِيرَةُ. ” تك 10: 8 – 12، وكذلك الأصحاح 11 :28 – 31 , 15 : 7
28 ومَاتَ هَارَانُ قَبْلَ تَارَحَ ابِيهِ فِي ارْضِ مِيلادِهِ فِي اورِ الْكِلْدَانِيِّينَ. 31 وَاخَذَ تَارَحُ ابْرَامَ ابْنَهُ وَلُوطا بْنَ هَارَانَ ابْنَ ابْنِهِ وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَاةَ ابْرَامَ ابْنِهِ فَخَرَجُوا مَعا مِنْ اورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا الَى ارْضِ كَنْعَانَ. فَاتُوا الَى حَارَانَ وَاقَامُوا هُنَاكَ. 7 وَقَالَ لَهُ: «انَا الرَّبُّ الَّذِي اخْرَجَكَ مِنْ اورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هَذِهِ الارْضَ لِتَرِثَهَا.”
وفي سفر أشعيا 6 : 13 “الأصحاح 13: وَتَصِيرُ بَابِلُ بَهَاءُ الْمَمَالِكِ وَزِينَةُ فَخْرِ الْكِلْدَانِيِّينَ …” .
وفي سفر أرميا المتعلق بالكلدان 5 : 15 “هَأَنَذَا أَجْلِبُ عَلَيْكُمْ أُمَّةً مِنْ بُعْدٍ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ. أُمَّةً قَوِيَّةً. أُمَّةً مُنْذُ الْقَدِيمِ.
وفي سفر أعمال الرسل 7: 4 “فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ. وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هَذِهِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمُ الآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا.”
كما جاء في أعمال الرسل 8: 4 ومن خطبة لأسطفانس أن ” ابراهيم طعن في السن في أرض الكلدان وذهب ليسكن في حران”.
يتضح وفقاً للتراث اللغوي الرافدي ونبوءات إرميا النبي في كتاب العهد القديم بإن الكلدان (قومياً) أمة منذ القدم “(أمة قوية عريقة .. إر 15:5)، وأمة لا تقهر: إرميا 7 : 24 (إن حاربتم الكلدانيون لا تنجحون)”.
وفي سفر حبقوق، العهد القديم تتعزز هذه الحقيقة الكتابية بكل وضوح وجلاء كما في الآيات 6-8 من الأصحاح الأول: “6 – فَهأَنَذَا مُقِيمٌ الْكَلْدَانِيِّينَ الأُمَّةَ الْمُرَّةَ الْقَاحِمَةَ السَّالِكَةَ فِي رِحَابِ الأَرْضِ لِتَمْلِكَ مَسَاكِنَ لَيْسَتْ لَهَا . 7- هِيَ هَائِلَةٌ وَمَخُوفَةٌ. مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا يَخْرُجُ حُكْمُهَا وَجَلاَلُهَا. 8- وَخَيْلُهَا أَسْرَعُ مِنَ النُّمُورِ، وَأَحَدُّ مِنْ ذِئَابِ الْمَسَاءِ. وَفُرْسَانُهَا يَنْتَشِرُونَ وَفُرْسَانُهَا يَأْتُونَ مِنْ بَعِيدٍ، وَيَطِيرُونَ كَالنَّسْرِ الْمُسْرِعِ إِلَى الأَكْلِ.
هذه الشهادات الكتابية التي هيّ غيث من فيض تأكدت آثارياً عندما كشفت المدونات الرافدية بأن ما يعرف اليوم بالخليج الفارسي – العربي، أو خليج البصرة (من بصرياثا الكلدانية)، كان يسمى قبل عصر الأمبراطورية البابلية الكلدانية أو كما تُعرف بسلالة بابل الحادية عشر بألف عام ويزيد بأسم: تام – تي – شا- مات – كلدي بمعنى (بحر الكلدان) وبالكلدانية المعاصرة (يم دكلدايي).
الدليل العلمي الآخر، هو أن أول حضارة إنسانية أزدهرت في وادي الرافدين قبل الطوفان نشأت في مدينة أريدو (توأم بابل) على يد أسلاف الكلدان الفراتيين الأوائل (ﭙروتوكلدي) وفقاً لجداول أثبات الملوك، بينما نشأت في بابل وفقاً لبيروسس في موسوعته الشهيرة بابلونيكا، ولعل مبرر هذا الإزدواج التاريخي، إنما يعود إلى أن كلتا المدينتين حملتا ذات الأسم (نون-كي) بمعنى (موطن الحياة)، كما أن أسم الحارة المقدسة في بابل كان (أريدو)!
حري بالذكر أيضاً، تأكيد المدونات التاريخية بأن اﻟﭘروتوكلديين قد أنتشروا شمالاً إلى نينوى بمفهومها الجغرافي الواسع وجنوباً حتى أقاصي بحر الكلدان منذ فترة العبيد، بدليل أن تسمية نينوى مستمدة من مدينة نينا التي أزدهرت في عهد فجر السلالات، والتي هيّ جارة ﻟﮕش وأور.
كما أن أول سلالة حكمت وادي الرافدين بعد الطوفان العظيم، كانت سلالة كيش اﻟﭘروتوكلدية التي بينتُ عمق توأمتها الثقافية مع مدينتي أور وﻟﮕش في قسم (أور أركيولوجياً وتاريخياً)، ناهيكم عن أن الملك ميشالم كان أول ملك ﭘروتوكلدي يحمل لقب ملك كيش أي ملك العالم، وهو اللقب الذي أستخدمته جميع السلالات اللاحقة سامية وسومرية!
أور ومكانة اللغة الكلدانية
إستناداً إلى تعريفات ميريام-ويبستر وقاموس ويبستر لعام 1828، تُعَرَّف اللغة الكلدانية أو (الكلدية) بأنها لغة سامية قديمة، كما أن المعتقدات التاريخية (غالباً ما تُشير إليها في مناقشات القواميس القديمة) بأن (اللغة الكلدانية) بمعنى (اﻟﭘروتوكلدية) هي اللغة الأصلية للبشرية!
بهذا الصدد، سادت بعض النظريات في القرن التاسع عشر (ربما بتأثير سفر التكوين) بأن اللغة الكلدانية كانت اللغة التي تحدث بها الإنسان في جنة عدن. يؤكد ذلك أيضاً د. سوسة في ص 37 وأيضاً ص 565 من كتابه الموسوعي (تاريخ حضارة وادي الرافدين)، موضحاً بأن الكتابة الصورية (السامية وفقاً لشلوتزر) قد أكتشفت في كيش السامية منذ الألف الخامس قبل الميلاد وبأنها هيّ أصل الكتابة المسمارية التي نسبت للسومريين. مما يثبتُ بأن سلالات أور، منذ سلالتها الأولى كانت سلالة ﭘروتوكلدية تنوعت أسماء ملوكها وملكاتها وأميراتها بين السومرية والأكدية وكلتاهما تسميتان مناطقية تم إشتقاقهما من ضاحية شومر في نيبور وأكد عاصمة سرﮔون، أما عرقياً فأنهم يرجعون ﻟﻟﭘروتوكلديين أي (الكلدان الأوائل).
وهذا ما قمتُ بشرحه مفصلاً في العديد من كتبي ودراساتي المنشورة منذ عام 1988م، مؤكداً بأن ساميي فترة العبيد هم من اﻟﭘروتوكلديين، بناءَ على الدلالات اللغوية والمكتشفات الآثارية، مما دفعني لأن أستعرض نتائج بحوثي المكثفة في دراستي الموسومة (كيف يحسب الكلدان تقويمهم القومي 5300 – حتى اليوم)، حيث بينتُ وبما لا يقبل الشك تواجد الكلدان (اﻟﭘروتوكلديين) في عاصمتي الكلدان التاريخيتين (التوأم) أريدو وبابل منذ الألف السادس ق.م. أي فترة العبيد. لقراءة متعمقة والإطلاع على تفاصيل الأثباتات المادية الثمانية التي تضمنتها الدراسة الموسومة (كيف يحسب الكلدان تقويمهم القومي؟)، أنظر الرابط أدناه:
https://kaldaya.me/2026/01/11/29241
الكتابة الرافدية من الصورية إلى المسمارية
يؤكد الكثير من الآثاريين أمثال وولي وباقر ولويد وسبينزر ولاندزبيرﮔر ومورﺗﮕﺎت وروو وأوتس وهومل وحتى كريمر، بأن الكتابة المسمارية هيّ أبنة الكتابة الصورية التي ترجع إلى فترة سحيقة في القدم، مما يجعل أكثر المروجين لفكرة أن الكتابة هيّ إبتكار سومري يفكرون أكثر من مرة قبل تجييرها لشعب لم يكن إلا في زمن يتراوح ما بين 3500 إلى 2900 قبل الميلاد (بحسب قناعة مدرسة أوﭘيرت)، بمعنى أن هنالك فارق زمني هائل يقرب من خمسة آلاف عام بين حضور اﻟﭘروتوكلديين التاريخي الذين أزدهرت ثقافتهم ما بين سامراء (شومرا) وكيش وبين من أطلق عليهم أوﭘيرت تسمية السومريين بناءً على الألواح المسمارية المكتشفة في أور من عصر سلالة أور الثالثة 2112 – 2004 قبل الميلاد.
تطورت الكتابة المسمارية من نظام الكتابة الصورية في الألف الرابع قبل الميلاد، حيث أستخدمت هذه الكتابة لحفظ السجلات الاقتصادية والتبادل التجاري الذي يشمل بيع وشراء القطعان والحبوب، إلى نظام كتابة مجرد ومبسط عبر مراحل زمنية طويلة أمتدت من أواخر الألف الرابع قبل الميلاد حتى القرن الأول الميلادي. في البداية، كانت الصور تُرسم على الحجر (كيش) والطين (أوروك) بأداة مدببة، ثم تطورت لتصبح علامات على شكل مسامير تُصنع بواسطة قلم من القصب، وذلك لتسريع الكتابة وتبسيطها.
أتاح نظام الرموز (منذ الألف التاسع حتى الرابع قبل الميلاد)، إبتداءً بحبات قطع السبح (السبحة) المحززة إلى إستخدام قطع صغيرة من الحجر والطين بأشكال مجسمة (ثلاثية الأبعاد) وترسم عليها علامات تبين كمية البضاعة أو عدد رؤوس الحيوانات، تسمى (كلي توكنس)، من أجل ضبط كمية البضائع والتبادل التجاري، وكانت هذه القطع (كلي توكنس) في العادة تغلف بمغلفات طينية (مجففة أو مفخورة) تحتوي على نبذة مختصرة لما هو موجود داخل المغلف وأحياناً دون كتابة.
عندما بدأ الرافديون بالإنتقال من الأشكال المجسمة إلى رسم صور واضحة ومفصلة (كتابة تصويرية) للأشياء مثل الحبوب أو الأغنام على الحجارة وألواح الطين، ما بين منتصف الألف الخامس ومنتصف الألف الرابع قبل الميلاد، (4500 -3500 ق.م)، كان الهدف محدداً بالتسجيلات الإقتصادية، أي الأملاك والقطعان والمواد المخزونة، علاوة على بعض المعاملات الحسابية غير المعقدة. وكانت هذه العلامات الصورية تكتب عمودياً من الأعلى إلى أسفل ومن اليسار إلى اليمين، ويستطيع أي شخص يعرف معنى هذه الرموز أن يقرأها ويفهمها بلغته، ذلك أن الصور هيّ لغة عالمية لا تنتمي إلى قوم أو شعب محدد، ذلك أن صورة (سمكة، طير، ثور، شجرة) يفهمها البابلي والإغريقي والهندي الأحمر دون عناء.
لكن في حدود العام 3000 قبل الميلاد، أي مرحلة الإنتقال من الثقافة السامية الرافدية إلى فترة إزدهار الثقافة السومرية الأول (بحسب مقترح أوﭘيرت)، بدأ الكتبة بتدوير الكتابة التصويرية بمقدار 90 درجة وتبسيطها إلى خطوط مجردة مستقيمة وسهلة الرسم مع الحفاظ على كتابتها من اليسار إلى اليمين. في تلك المرحلة كانت الكتابة ما تزال تحتوي على بعض الرموز المستخدمة من عصر الكتابة الصورية، مما جعل الكتابة إلى حد ما مزيجاً من النظامين الصوري والمسماري.
أما القلم المسماري الذي ترسخ حضوره منذ عهد ميشالم ملك كيش، فقد أعتمد على الخطوط المستقيمة بدلاً من رسم الخطوط المنحنية، كما أستخدم الكتبة قلم القصب ذو الطرف المثلث للضغط بعلامات مسمارية على الطين، مما أدى إلى تسمية الكتابة بـ “المسمارية” (من الكلمة اللاتينية cuneus وتعني “مسمار”)، وذلك كما أسلفت في عهد ميشالم السامي ملك كيش (اﻟﭘروتوكلدي)، حيث أصبحت العلامة المنفذة بالقلم المسماري أكثر عملياً، لاسيما بعد توجه الكتبة إبان فترة توحيد دويلات المدن إلى التأكيد على تقليص عدد العلامات المسمارية من ما يقرب من ألفين علامة (2000) إلى ما بين ستمائة وأربعمائة (600 -400) علامة في مرحلة السلالة البابلية الأخيرة وما بعد سيطرة الأخمينيين النهائي عام 482 قبل الميلاد، مما جعل الكتابة المسمارية أكثر طوعية وأسهل فهماً.
جدير بالذكر أن الكتابة المسمارية مرت بمرحلة تطورية أساسية أخرى تمثلت في الإنتقال من الرموز التصويرية (لوﮔوﮔرامك) إلى الرموز الصوتية، حيث أنتقلت الرموز من تمثيل محاكاة أصل الأشياء فقط (صور/ رموز تصويرية) إلى تمثيل الأصوات (مقاطع صوتية/فونتك)، مما أتاح كتابة المفاهيم المجردة والمشاعر. حيث مكن هذا التحول الخطير الكتبة في جميع أنحاء بلاد ما بين النهرين للإنتقال من تسجيل واردات وموجودات المعبد والمخازن، إلى التعبير عن المشاعر وكتابة الأدب والقوانين والتاريخ.
المهم هنا، أننا بتنا نعرف بأن الكتابة قد بدأت قبل العهد المنسوب للسومريين وأنها تواصلت بإستخدام القلمين الأكدي والسومري حتى بعد إنقراض السومريين (المفترضين) بأكثر من ألفي عام!
مرة أخرى، بدأت الكتابة رافدية سامية (ﭘروتوكلدية) وأنتهت رافدية سامية (ﭘروتوكلدية).
لإستيعاب الموضوع بشكل أفضل، يمكنكم الإطلاع على جدول تطور القلم الرافدي من الصورة إلى المقطع والحرف الهجائي، وذلك من خلال مراجعة الجدول المنشور على الصفحة 340 من كتاب كالدين ﻟﻴﮕﺎسي.
جدير بالذكر، أنه منذ أكتشاف حجر بهستون أو (نقش بيستون) على يد الضابط البريطاني هنري رولينصون، الذي يعود نقشه تاريخياً إلى عام 520 ق.م تقريباً ومن ثم فك رموزه بشكل علمي دقيق في الفترة ما بين 1835 و1847، واجه المختصون معضلة حل الرموز المسمارية التي حملها الحجر بثلاث لغات هيّ الفارسية الأخمينية والعيلامية الحديثة والبابلية (التي كانت اللغة الدبلوماسية للشرق القديم آنذاك). حيث تمكن علماء الرافديات من ترجمتها، علماً بأنه في عام 1621م أستنسخ الرحالة ﭘيترو ديلا فالي خمسة مقاطع من كتابات ﭘرسي ﭘولس من المراحل البابلية الحديثة التي ساعدتنا على فهم أكبر للقلم المسماري الرافدي.
في عام 1877 أُكتشِفت نصوصاً مسمارية غير معروفة في تلو/ ﻟﮕش التي شغلت معظم تاريخها سلالة ﭘروتوكلدية! حيث يؤكد بهذا الصدد الباحث الأمريكي ألبرخت ﮔوتزة “أن هنالك دولة مدينة كبيرة من الساميين كان مركزها في ﻟﮕش أثناء عصر فجر السلالات الثاني 2800-2600 ق.م.”
لكن ما ساعدنا على فهم تلك الكتابة المسمارية الغامضة هيّ مجموعة القواميس الثنائية التي كانت مكتوبة بحسب مفاهيم ذلك الزمان بالبابلية مرفقة بهذه الكتابة المجهولة.
أجتهد فريقان الأول بقيادة جوزيف هاليفي والآخر بقيادة جوليوس أوﭘيرت من أجل إيجاد تسمية ملائمة لهذه الكتابة الجديدة بالنسبة لهم، فتم تسميتها أول الأمرمن قبل رولنصن وهنكس بأسم اللغة الأكدية لأن الجداول المكتشفة في آشور كانت بابلية الأصل، ومن ثم أطلق عليها هنكس تسمية اللغة السكيثية، لكن بعد أن تبين عدم علاقتها بالسيكثين، أقترح جوليوس أوﭘيرت عام 1869 تسميتها بأسم اللغة السومرية، وذلك في محاضرة ألقاها في الجمعية الملكية للمسكوكات، موضحاً أنه طالما كانت اللغة البابلية وفرعها الآشوري مشابهين للأكدية، (اللغة الأولى المكتشفة في المعاجم الثنائية)، فأن من المقبول إعتبار اللغة الجديدة سومرية، وذلك بناء على عبارة يتضمنها لوح مسماري ترد فيه تسمية (ملك سومر وأكد). برغم ذلك، يؤكد د. نائل حنون بأنه كان من الأصح أستخدام تسمية (الكتابة السومرية) وليس اللغة السومرية.
حري بالذكر، أن تلك المعاجم الثنائية القلم (البابلية) التي أكتشفت في نينوى، كان جلها منهوبات من بابل في عهدي سنحاريب وحفيده آشوربانيبال. ولأن تلك الكتابات قد أكتشف في شمال الرافدين دفع المؤرخين لأن يقترحوا إطلاق تسميات إختيارية مختلفة على هذه الكتابة من (سيثية) و(طورانية) إلى (أكدية)، حتى أستقر المقام بهذه الكتابة المجهولة أن تصير آخر الأمر كتابة (سومرية).
أن ما دعا أوﭘيرت لأن يقترح تسمية (سومرية) لهذه الكتابة المجهلة وبالتالي تعميم هذه التسمية لتكون تعريفاً بالقدماء الذين أبتكروها، الذين تم تسمية كتابتهم بالسومرية، هو تصور أوﭘيرت، لأن الأتفاق قد تم على تسمية الكتابة (سومرية)، فلا بد وأن تكون هنالك لغة مبتكريها (سومرية) أيضاً، وبالتالي، لأن هنالك كتابة ولغة (سومرية)، لا بد وأن يكون هنالك شعب (سومري) يتحدث بها!
لذلك أطلق أوﭘيرت على تلك اللغة وذلك الشعب الوهمي تسمية (السومريين)، بناء على تحليله الشخصي المجرد حسب، وذلك أثناء محاضرة ألقاها عام 1869م في الجمعية الفرنسية للمسكوكات والآثار، حيث شرح أوﭘيرت سبب إختياره لأسم (السومرية) تعريفاً بتلك الكتابة، بناءً على وجود لوح أكدي يحمل لقب ملك سومر وأكد.
وهذا يشبه تماماً ما فعله شلوتزر عام 1781م عندما أشاع تسمية (الساميين) و(اللغات السامية)، برغم وجود العديد من الهنات في مقترحه، الذي تم دعمه حتى صار اليوم واقعاً معترفاً به.
الخطوة الأخرى كانت في ترسيخ مغالطة تسمية (سومر) التاريخية، التي تتمثل في مبادرة صامويل نوح كريمر في أربعينات القرن الماضي، حيث ألف العديد من الكتب، نسب فيها كل منجزات الرافديين القدماء (اﻟﭘروتوكلديين)، منذ عصر العبيد وصولاً إلى العصر البابلي القديم للشعب (السومري) الخرافي الذي أخترعه جوليوس أوﭘيرت وفريقه عام 1869م!
من البديهي، أن مقترح أوﭘيرت قد واجه معارضة عنيفة حتى أواخر القرن التاسع عشر، قادها فريق (جوزيف هاليفي) الذي أعترض على تسمية (السومرية ) و(السومريين)، حيث برر فريق هاليفي رفضهم لإعتماد أوﭘيرت لتسمية (السومريين)، لأنها تعتمد على مجرد وجود نص مسماري حسب، ترد فيه عبارة (ملك سومر وأكد)، وهيّ تسمية قد تكون (مجازية )، لأنها تربط ما بين الجانب المادي، أي أرض الملك الفعلية (البلاد/ أكد) وبين الجانب الروحي، حيث كانت شومر ضاحية ﻨﻴﭘور التي ترمز للقداسة والأزلية. كما عارض فريق هاليفي مصطلح (سومر) للدلالة على وجود (لغة وشعب)، كما كان في مقدمة المعترضين أيضاً على محاولات كريمر لتجيير الحضارة الرافدية للسومريين المزعومين ،عالم الآثار الأمريكي اﻟﭘولندي الأصل أﮔنس جاي ﮔيلب والمجري أنتوان ديفد في بحثه المنشور عام 1945 في مجلة الآثار الشرقية في بودابست، وكان مبرر هؤلاء الآثاريين الرصينين هو أن مثل هذا الشعب الخرافي (السومريون) لم يرد ذكره على الإطلاق في التسجيلات الخاصة بهذه اللغة!
الإعتراض الآخر كان، أن وجود كتابة لا يدل بالحتم على وجود (لغة) أو (شعب). وهو منطق تسنده الأدلة العلمية، بدليل وجود العديد من اللغات العلاماتية، أي (رموز وعلامات) عصرية لم تستخدم من قبل شعب ما كلغة حوار يومية، لعل خير مثال على ذلك، لغة (شفرة المورس) التي تكتب وتفهم أما عن طريق (النقطة والشارحة) أو(بالنقر أو التقطيع الضوئي)، وأيضاً لغة ترقيم الدجتال العالمية بإستخدام كود (صفر واحد) في برامج الكومبيوتر.
من المفيد أيضاً، الإشارة إلى أنه كان معروفاً بين المختصين، إمكانية وجود كتابة (عملية) عبر العصور من دون الحاجة إلى وجود شعب قومي يتحدث بها، على سبيل المثال (لغة الإشارات، وإستخدام الدخان والنار، والحصا) عند الشعوب البدائية، كما أن هنالك العديد من المؤسسات الحديثة التي عمدت إلى إبتكار (لغة لا شعب لها) لسبب أولآخر. أذكر أنني عندما كنت في مرحلة الدراسة المتوسطة عملتُ على (إبتكار لغة تواصل بدائية) بإستخدام حروف خاصة تستند للأشكال الهندسية (المثلث والمربع والدائرة)، وذلك من أجل أستخدامها مع فريقي الكشفي المدرسي كلغة سرية للتواصل فيما بيننا!
بعيداً عن محاولتي البدائية في فترة الفتوة تلك، فأن هنالك العديد من الممارسات الناضجة في العصر الحديث التي تؤكد إمكانية (وجود لغة دون شعب)، ومن أهم هذه الممارسات على صعيد ناضج وشبه مكتمل وشائع، إعتماد عدد من مخرجي الأفلام ومسلسلات الخيال العلمي –SciFi– على لغويين من أجل إبتكار لغات مبتكرة لفضائيين مُتخيلين يعيشون في كواكب مأهولة وشعوب وهمية تعيش في عوالم فنتازية على سبيل المثال: لغة الكلينغون –Klingon– التي أبتكرت عام 1979م من أجل فلم (ستارترك) ولغة (دورثكي) –Dorthki– التي أبتكرت من قبل المؤلف George R. R. Martin– وطورها اللغوي ديفد ﭘترسون Ddavid J. Peterson-– حتى أصبحت عام 2011 لغة متكاملة لها قواعدها وقاموسها الخاص، كما تم إبتكار لغة نافاي –Na’vi– لفلم (أفتار) في عام 1994م وأصبحت لغة قائمة بحد ذاتها لها قاموسها ومفرداتها وقواعدها بحدود العام 2009م، وهيّ من إبتكار المخرج جيمس كامرون –James Cameron– واللغوي د. ﭘول فورمير-Dr. Paul Frommer-.
مما يؤكد شرعية الإعتراض على مقترح هاليفي ويفند نظريته بوجود شعب خرافي لا تشبه لغته أي شعب على الكرة الأرضية، إلى حد أن خرافية منطق أوﭘيرت قد جعلت زكريا سيتجن يتبنى هو الآخر نظرية أن السومريين الخرافيين هم مخلوقات فضائية (أنوناكي) قادمة من كوكب يكمل دورته حول الشمس كل 3600 عام أسمه نيبيرو!
بعيداً عن الأسطورة والأنوناكي ومقترح أوبيرت الذي كان وما يزال يقف على ساق واحدة (تسمية ملك سومر وأكد)، دعونا نتناول بأسلوب علمي وبالحجة والقرينة مسألة تحديد هل كانت (أور) في عهد أبينا أبراهيم (كلدانية أم سومرية)، وبالتالي هل كانت (أور) هيّ أرض ميلاد أبراهيم (أبو الأنبياء) قبل خروجه بدعوة إلهية إلى أرض الميعاد، وكذلك مناقشة الإدعاءات الباطلة الأخرى التي يشيعها حاسدو الكلدان، ممن يعملون ليل نهار على إشاعة معلومات مغلوطة تشكك في شرعية وجود الكلدان بصفتهم (سكان العراق الأصليين)، جاهلين أو متجاهلين تأكيد (المدونات التاريخية وبيانات الكتاب المقدس والمكتشفات الآثارية) بأن الكلدان كانوا متواجدين منذ أول ملك حكم مدينة موطن الحياة -NUN-KI- سواء كانت (أريدو) أم (بابل)، وبأن (الكلدان) سكان العراق الأصليين، كانوا وما يزالون متواصلين في الوجود حتى الآن، وبأنهم باقون ما شاء الرب.
مع ذلك لأن موضوعنا اليوم يهدف إلى إستبدال شك المشككين باليقين وتساؤلاتهم البعيدة عن المنطق بالحجة الدامغة، فأنه ينبغي إبتداءً أن يستوعب الجميع بكل وضوح وجلاء، تاريخ وأصل مصطلح (السومريون)، وبالتالي أن يميزوا ما بين ما هو واقعي ومدعم بالإثباتات الآثارية والمكتشفات المادية التاريخية وبين المصطلحات التي (يقترحها) المؤرخون من أجل تيسير فهم مرحلة تاريخية ما.
في الغالب الأعم تكون المصطلحات مفيدة وقريبة من الواقع، لكن في أحيان كثيرة تجانب مقترحاتهم الصواب، ولعل في مقدمة هذه المقترجات الخاطئة (علم الآشوريات) الذي فرضته جمعية الآسيويات الملكية (البريطانية)، علاوة على مصطلحات عديدة أخرى لا مجال هنا للخوض فيها.
أنا على يقين بأن موضوعي هذا لن يقرأه اليوم إلا بضعة آلاف، وبأنه لن يغير ما تمت إشاعته على مدى 157 عاماً من المعلومات المكررة والمضلِلة عن (السومريين)، ذلك الشعب الذي أبتكر تسميته أوﭘيرت عام 1869م، من أجل أن يحل معضلة تقنية، لكنه دونما قصد خلق معضلة أكبر، ساهمت بتجيير منجز الكلدان الأوائل الشعب الأصلي لوادي الرافدين إلى شعب وهمي.، لاسيما بعد أن أستخدم كريمر مواهبة الفذة في ترجمة الكتابات المسمارية ليعكس عليها دون وجه حق عشقه لمصطلح السومريين.
أعلم أيضاً بأن غالبكم الأعم لا يعرف بحكم عدم التخصص إلا ما تشيعه كتب الغربيين والترجمات العربية ومواقع الويكيبيديا التي تجتر ما تُلقن به هيّ الأخرى، من معلومات توحي بأن السومريين هم أصل الحضارات ومكتشفوا النجوم وصناع الكتابة وكل المعارف الرافدية. أنتم لا تلامون على ذلك، إذ كيف لكم أن لا تصدقوا هذا بوجود مئات الألوف من الكتب والأفلام التي تروج لهذه المغالطة التاريخية ليل نهار، ومنذ ما يزيد على (قرن ونصف القرن)، على الرغم من تعالي أصوات معارضة جاهدت من أجل تصحيح هذه المعلومات المضلِلة، لاسيما وأن قادة المعارضة يعدون من ثقاة المؤرخين الأجانب الذين أوردت أسماء بعضهم آنفاً، علاوة على العراقيين وبضمنهم د. نائل حنون وطه باقر.
هنا لن أناقش مغالطة أوﭘيرت متوقعاً أن يتم تصحيحها غداً من قِبل وسائل الإعلام والجامعات والمتاحف على مستوى العالم كله، لكنني سأبين هنا فقط (حقيقة دامغة) وهيّ عدم وجود شعب (سومري)، وبأنه مجرد إبتكار مخيلة غربية، ذلك إنه لم يكتشف حتى اليوم (لوح مسماري واحد) يرد فيه إشارة لشعب (سومري) أو دولة مدينة (سومرية)، كما لم يذكر الكتاب المقدس أسم (سومر) أو (السومريين) ولو لمرة واحدة!
الأنكى، أن أساتذة كبار في حقل التاريخ والآثار أمثال د. أنطون مروﺗﮕﺎت وهنري فرانكفورت، وألكساندر شارف (الذي أثبت قدمية وتأثير بلاد الرافدين على مصر)، وبينو لاندزبيرﮔر وكلود هيرمان وألتير جونز و دي. إي. ريس أكدوا، بأن ثقافة العُبيد، وبضمنها مرحلة (أريدو) و(أور) لا علاقة لها من قريب أو بعيد بمن أطلق عليهم أوﭘيرت عام 1869م أسم السومريين. لذلك أطلب منكم جميعاً أن تسألوا أنفسكم، إذا لم يكن هنالك ثمة شعب سومري أصلاً، فكيف يمكن أن تكون (أور) سومرية؟
الأصل والمعنى الدقيق لكلمة سومر| شُوميرو
يذكر الأستاذ طه باقر وأيضاً د. جورج رو : جاء أسم (سومر) من الأسم القديم للقسم الجنوبي من العراق (سومر) وإن توخينا الدقة (شوميرو) التي تكتب بالأكدية -šumēru- فيما تكتب باللغة السومرية مقطعياً كي إن ﮔﻲ(إر) -Ki en ge (r)-، أما طه باقر فيستخلص في ذات المصدر: أن المعنى الحرفي لأسم سومر كي إن ﮔﻲ (إر) هو (أرض سيد القصب) ولعل المقصود هنا بسيد القصب هو الإله إنكي / أيا، كما يُعتقد أن تسمية شوميرو هي إشتقاق من أسم أحد الأحياء الدينية في مدينة نفر (ﻧﻴﭘور)، يؤيد ذلك الأستاذ الدكتور فوزي رشيد فيشير: “إلى أن سومر وبالأكدية (شُوميرو) كان أسم موقع (ضاحية) يحيط بمدينة ﻧﻴﭘور وذلك قبل عام 2450 ق.م، ثم صار بعد ذلك التاريخ يطلق على كامل القسم الجنوبي من العراق القديم”.
علماً بأنه في العهد الأكدي الذي ظهرت فيه تسمية (سومر)، كانت التسمية تذكر مقرونة بأكد، بصفتهما إقليماً واحداً وليس إقليمين منفصلين إذ لم ترد في تسميات الملوك مطلقاً بصيغة منفصلة، كما في صيغة ملك إقليم سومر وأكد، الذي يكتب مقطعياً بصيغة شارمات شوميري أو أكادي – šar mat šumerim u akkadim- وهذا يؤكد بأن منطقة سومر لم تكن منفصلة عن إقليم أكد، لكنها كانت تُذكر أو تُربط بأسم أكد بسبب ما تمثله من قداسة (مكانة دينية سامية)، لكونها مدينة كبير الآلهة (إنليل)، الإله الجبار والمسؤول الأول عن الطوفان العظيم، كما يرد ذلك بشكل واضح في اللوح الحادي عشر من ملحمة ﮔﻟﮕﺎمش في نسختها البابلية القياسية.
أما بالنسبة للغة، فلم يعرف أو يستخدم الرافديون على الإطلاق لغة بأسم (اللغة السومرية)، وإنما كانوا يطلقون على ما تمت تسميته عام 1869م من قبل أوبيرت بأسم (اللغة السومرية)، تسمية كو- كي إن ﮔﻲ(را) التي تكتب مقطعياً -ku-k i-en-gi(ra)- وتلفظ إيمي-سال، وهذه اللغة كانت بعدة لهجات وفقاً لمستواها اللغوي، حيث كانت اللغة الأكثر شيوعاً تدعى كما أسلفت إيمي سال -eme-sal- أي لغة النساء، بحجة أن النساء يؤثرن الإسهاب في الحديث، أما باللغة الأكدية فتدعى لشانا صليطي -lišani ṣilti-، فيما كانت لغة الضليعين بالكتابة تدعى إيمي ﮔﺎل em-gal–، بمعنى اللغة الكبيرة، كما كانت هنالك لهجة الإيمي-سوكود-دا -em-sukud-da- أي لهجة النخبة، علاوة على لهجات مرتبطة بالحرف (المهن)، وجميع هذه التسميات أستُخدِمت للتمييز بين لغة الإستخدام اليومي وبين اللغة المستخدمة في المعبد واللغة الأدبية.
بهذا الصدد، تتفق العديد من المعاجم السومرية والأكدية وبضمنها معجم رينيه لابات وكتاب قواعد اللغة الأكدية وتاريخ تدوينها للدكتور عامر سليم، الذي يؤكده الأستاذ طه باقران بأن كلمة (شوميرو) لا تدل على (عِرق) بل تشير لمنطقة محددة، وأيضاً نوع من اللغات. كما يؤكد بعض المختصين إلى أن كلمة سومري بحسب إرتباطها اللغوي قد تشير إلى تخصص ممتهني (حرفة) الكتابة، وبأنها كانت تطلق فقط على الضليعين بالكتابة المسمارية، لذلك فأن المعنى الدقيق لمفردة (سومر) كانت تعني تحديداً (لغة الإيمي سال)، وأيضاً أحدى ضواحي مدينة ﻧﻴﭘور التي أعتبرت بعد تراجع أهمية أريدو بصفتها (مركز جنوب الرافدين الديني)، ثم تم تعميم أسم المنطقة المقدس على نطاق أوسع، كما يشير البعض إلى أمكانية تعبيرها عن ممتهن الكاتبة بالقلم المسماري، وجميع هذه التوصيفات لا علاقة لها بالجنس (العرق).
يوضح ذلك الأستاذ د. نائل حنون وبما لا يقبل الجدال، بأن التسمية (السومرية) وفقاً لمعارضة مدرسة (هاليفي) الواقعية النقدية، بأن (السومرية) هيّ تسمية غير دقيقة علمياً وبأنها لا تشير إلى وجود شعب قومي، لأنها وفقاً للبيانات الواقعية التي طرحتها مدرسة (هاليفي)، وما أستخلصه د. نائل حنون علاوة على آخرين عن دراسة طويلة وعميقة ، فأن تسمية (سومر) هيّ مجرد (تسمية موقعية) و(صفة ثقافية) تشير إلى (لغة) وبالأحرى (نظام كتابة) وليس إلى (شعب أو عرق)، وبأن صامويل نوح كريمر الذي أتبع مدرسة (أوﭘيرت) التجريبية، قد أقحم بدوافع شخصية أسم (سومر) ومصطلح (اللغة السومرية) في ترجماته رغم عدم وجودها في الأصل المسماري، ثم تناقلها المؤرخون غير الملمين بالكتابة المسمارية وعامة الكتاب والمتحفيون من غير المختصين بحقل الكتابة المسمارية كبديهية وأشاعوها رغم خطلها علمياً.
ومما يؤدي خطل هذه التسمية، أضافة كريمر دون وجه حق كلمة (سومر) و(سومري) في ترجماته دون أن يكون لها أي وجود في النص المسماري
وعلى سبيل المثال تسميته للوح (الملوكية) أو (أثبات الملوكية) الذي أكتشفت منه عدد من النسخ أهمها النسخة التي اكتشفت في لارسا في أوائل القرن العشرين، بحدود العام 1922م، مع ذلك لو سألت اليوم أي مختص في حقل الرافديات عن معنى عبارة نام-لوﮔﺎل التي تكتب بالقلم المسماري بصيغة -NAM-LUGAL- فأنه سيجيب فوراً (جدول الملوك السومريين)، وعندما تسأل هذا المختص، لكن أسم الجدول بالقلم المساري يحتوي على كلمتين فقط هما (نام) بمعنى (أسم) و(لوﮔﺎل) بمعنى (ملك) وأن دمجهما في عبارة واحدة يعني (الملوكية) أو (أسماء الملوك) حسب، فمن أين أتيت بأسم السومريين وألصقته بأسم اللوح؟
فأنه سيجيبك، لأننا نعتمد ترجمة كريمر، ولأنه الأسم الشائع الذي يعرف به هذا اللوح تمييزاً عن ألواح ملوكية أخرى!
مع معرفته الأكيدة بأن اللوح يغطي في مجمله سلالات ﭘروتوكلدية (سامية) بحسب (شلوتزر) وليست سومرية (بحسب أوﭘيرت).
جدير بالذكر أيضاً، أن صامويل نوح كريمر أبدل دون وجه حق وبشكل قصدي معنى عبارة ذوي الرؤوس الداكنة -SAG-GIG- أو – ùĝ saĝ gíg ga- وفق الكتابة السومرية المقطعية، علماً بأن هذا المقطع يكتب لفظياً بصيغة – uŋ saŋ gi ga- ويقرأ باللغة الأكدية – ṣalmat-qaqqadim- التي تعني أصحاب (شعر الرأس الداكن) أي (الذين لون شعرهم ما بين البني والأسود)، مع ذلك ترجمها كريمر إلى (سومريين) على هواه، مقتدياً بمدرسة أوﭘيرت الذي أبتكر تسمية (سومري) و(سومريين) عام 1869م، وأشاعهما كريمر في مؤلفاته منذ أربعينات القرن الماضي، ومن أشهر مؤلفاته، كتابه لعام 1944 (الأساطير السومرية)، الذي كرر فيه ترجمة (ساﮒ ﮔﮒ) أي ذوي الرؤوس الداكنة إلى (سومريين)، في حين أن -SAG-GIG- كما أسلفت، كانت تدل حصراً على الشخص المفرد أو مجموع الأشخاص بشكل عام، من دون تحديد للعِرق.
من أجل أن لا يتوهم البعض بأن (ساﮒ ﮔﮒ) تعني أسود البشرة كما يلوح إلى ذلك بعض الأفارقة، فأن التسمية تستخدم اللون هنا (مجازاً) لتعني به أعلى الرأس (تحديداَ) أي شعر الرأس، وهذا أمر شائع للإشارة لشيء ما، حيث يشبه ذلك إستخدام الحجازيين الغزاة من أبناء الصحارى القفراء لتسمية (أرض السواد) إشارة لوادي الرافدين، لا لأنه أسود، ولكن بسبب حقوله الخضراء الشاسعة، التي كانت تبدو لهؤلاء الصحراويين من مسافات بعيدة داكنة كاللون الأسود.
للأسف، أن كريمر بناء على تبنيه لمقترح أوﭘيرت، قد أقحم عنوة، أسم (سومري) على الأرض فيترجمها بلاد سومر، والإشارة للناس يترجمها سومريين! حتى أنه أضاف كما أسلفت، دونما مسوغ على اللوح المعروف بأسم الملوكية أو أسماء الملوك (نام-لو-ﮔﺎل)، فأشاع تسميته الخاطئة المعروفة اليوم (جدول الملوك السومريين)، مع أن الأسم الصحيح للوح هو -Nam-Lu-gal- المتأتِ من كلمتي (نام) أسم و(لو-ﮔﺎل) الملوك أو (الملوكية) حسب. مع ذلك لم يتردد كريمرعن إقحام أسم (سومر) في ترجماته التي لا توجد فيها تسمية (ساﮒ-ﮔﮓ) أصلاً، مما يفقد ترجماته المصداقية العلمية، رغم (تمكنه اللغوي الذي لا غبار عليه)، ورغم براعة ترجماته التي لا تضاهى.
للعلم أيضاً، فأن كريمر في طبعة كتابه لعام 1944م أورد إشارات مفادها، أن السومريين قد لا يكونوا من أبتكر القلم المسماري، لكنه في طبعة كتابه لعام 1961م حذف تلك الإشارات، بعد أن تعرض لحملة توبيخ من جهات في موقع القرار الأكاديمي، لعلها كالعادة (جمعية الأسيويات الملكية لبريطانيا العظمى وأيرلندا) التي فرضت المصطلح الخاطيء (علم الآشوريات). هذه الجمعية الأكاديمية المتسلطة أنشأها عام 1823 هنري توماس كوليبروك.
لذلك فأنني أتفق هنا تماماً مع فريق البروفيسور (جوزيف هاليفي) ومع ما طرحه أساتذة كبار ومن بينهم من العراق الأستاذ نائل حنون الذي أرجح طروحاته الواقعية وأتفق معها تماماً، ومفادها: أن من يطلق عليهم تسمية السومريين هم نخبة ﭘروتوكلدية (أكدية/سامية)، بدليل أن الكتابة قد بدأت قبل ظهور ثقافة من أطلق عليهم تسمية (السومريين) بأكثر من خمسة آلاف عام، وأن ما تسمى بالثقافة السومرية لم تزدهر إلا خلال الأعوام 2900 -2650 قبل الميلاد وأيضاً في الأعوام 2112 – 2004 قبل الميلاد في محيط جله من اﻟﭘروتوكلديين (الساميين بحسب شلوتزر).
كما أن القلم المسماري السومري (مجازاً) كان بدائياً ومرتبطاً بالإقتصاد حصراً، لكنه تحول إلى قلم متطور بقواعد لغوية متطورة خلال الألفي عام من حكم البابليين وفرعهم (الآشوري) في شمال الرافدين، وذلك بعد الإنقراض الإفتراضي (للسومريين) الذين أبتكرهم أوﭘيرت عام 1869م. والسؤال هنا ثانية، إذا لم يكن هنالك ثمة شعب (سومري) أصلاً، فكيف يمكن أن تكون (أور) سومرية؟!
الكلدان سكان العراق الأصليين وشعب الرب العصي على الفناء!
تؤكد المكتشفات الآثارية والمدونات التاريخية بكل وضوح وجلاء تواجد اﻟﭘروتوكلديين (الساميين بحسب شلوتزر) منذ عصر العُبيد في حدود 5300 ق.م علماً بأن فترة العبيد المبكرة تمتد من 6500 إلى 5300 ق.م. حيث تؤكد المصادر التاريخية تواجد ااﻟﭘروتوكلديين الذين يسميهم لاندزبيرﮔر (الفراتيون الأوائل) وهيّ تسمية جغرافية قد تميزت بشكل مستوطنة حضارية في فترة العبيد المسماة (عصر أريدو)، أي قبل شيوع ما تسمى بالثقافة السومرية بما يقرب من 1800 عام، حيث تؤكد العديد من المصادر التي يتبناها المختصون في حقل التاريخ الرافدي بأن إبتكار اللغة المتعارف عليها اليوم بأسم (اللغة السومرية) قد أبتكرت من قبل (نخبة أكدية) علماً بأن التسمية الأكدية كانت مستخدمة في النصوص البابلية، لكن إستخدامها الحديث بشكل (لغة شعب قومي) كان في القرن التاسع عشر، حيث يعني المصطلح (أكدي) جميع المنحدرين عن الكلدان الأوائل (ﭘروتوكلدي)، أما سبب إبتكار (السومرية) من قبل اﻟﭘروتوكلديين كلغة رمزية تجريدية، فقد كان من أجل أن تخدم إحتياجات مجاميع النُخب في المجتمعات الرافدية الأولية، لاسيما على الصعيد الإقتصادي البعيد عن الأحاسيس والمشاعر، ثم تطورت منذ العصر الأكدي بدليل قصائد أنخيدونا أبنة سرﮔون الأكدي وكذلك قصائد شوﻟﮕﻲ أبن أورنمو كتبا بالسومرية، علاوة على ملحمة ﮔﻟﮕﺎمش/ شا نَقبَ إمورو (هو الذي رأى) وأسطورة الخليقة/ إينمو إيليش (عندما في العلى) باللغة الأكدية، وذلك لكي تتسيد حاجة المجتمع الرافدي القديم للكتابة في مجالي (الإسطورة والأدب)، قبل أن يتوفر التعليم للعامة الذين أعتمدوا ما يتعارف عليه باللغة الأكدية المتداولة منذ 2310 ق.م بدليل أن أنخيدونا أبنة الإمبراطور الأكدي سرﮔون والكاهنة العليا لمعبد الإله ننار (سِن) في أور، قد كتبت قصائدها باللغتين السومرية والأكدية.
الأهم من هذا وذاك أن ما تسمى بالثقافة السومرية لم تزدهر كما أسلفت إلا في مرحلتين من تاريخ وادي الرافدين لا تتجاوز 350 عاماً، وذلك في عصر فجر السلالات من الأعوام 2900 إلى 2650 ق.م، أي تنتهي بالعهد الذي يبدأ فيه حكم الملك ميشاليم اﻟﭘروتوكلدي وموحد إقليم وسط وجنوب الرافدين)، علماً أن بعض المصادر تشير إلى أن فترة حكم ميشالم (مي-سالم) قد بدأت في حدود 2600 ق.م. أما المرحلة الثانية فقد تمثلت في عصر سلالة أور الثالثة 2112 إلى 2004 ق.م.
المثير هنا، أن البابليين الكلدان هم من قاموا بتطوير هذه اللغة وزادوا في مفرداتها وتقليص مقاطعها وتحويلها من مقاطع مرتبطة بمفهوم الصورة إلى مقاطع لفظية، علاوة على تحسين قواعدها، وذلك منذ العصر البابلي القديم، كما ساهم بهذا التحسين كلدان إقليم آشور، منذ تأسيس مملكة آشور عام 1813 ق.م. على يد الملك اﻟﭘروتوكلدي شمشي أدد الأول، الذي لم يستخدم إلا القلم واللغة المستخدمة في بابل!
كما أن الكتابة التي آثر وضعها الملك الكلداني الشهير نبوخذنصر الثاني على بوابة عشتار لتخليد مآثره في بناء البوابة وأسوار بابل، كانت بالقلم المسماري (السومري) مجازاً.
كما أن أخر نص مسماري (بابلي- كلداني) وصلنا كان نصاً فلكياً مدوناً بذات القلم المسماري من أوروك، دونه أحد الكهنة الكلدان الذين ظلّ على وثنيته على ما يبدو، أو ربما كان قد قبل البشارة المسيحية لكنه كان يفضل كتابة النصوص الفلكية وفق التقليد البابلي، وكان ذلك في حدود العام 80م، أي بعد أنقراض ما أصطلح عليه بمصطلح (الثقافة السومرية) بأكثر من ألفي عام!
تصويب قراءة التاريخ الرافدي القديم واقعياً، بمعنى عدم وجود شعب سومري، وفق ما يلي:
1- رغم وجود ما يزيد عن (مليون لوح مسماري) في حوزتنا اليوم، علاوة على آلاف المسلات والنصب الحجرية سواء تلك التي أكتشفت في وادي الرافدين أو الأقاليم المجاورة أو أرشيف تل العمارنة في مصر، مع ذلك لم يرد في أي واحد من هذه المكتشفات الآثارية أسم شعب يدعى (سومري)، كما لم ترد تسمية شعب بأسم (سومري) ولو مرة واحدة في الكتاب المقدس.
2- عدم وجود أي مكتشفات مادية تؤرخ نشوب نزاع قومي بين السومريين (المفترضين) والأكديين على مدى 896 عام من العيش المشترك (الإفتراضي) 2900 -2004 ق.م، برغم الإختلاف العرقي المزعوم (حسب إدعاء المؤرخين التقليديين)، وهذا ما يتنافى مع المنطق التقليدي لطرق العيش في المجتمعات القديمة، التي غالباً ما تحسم خلافاتها وإختلافاتها بالعنف.
3- على العكس من ذلك، تؤرخ حوادث مدونة حدوث نزاعات بين تحالف مدن أكدية مع مدن سومرية (مفترضة) ضد مدن أكدية وسومرية (مفترضة) تحديداً! وهذا ما يتنافى مع العقل والمنطق.
ومما يؤكد عدم وجود هكذا نزاعات عرقية، أن المدونات التاريخية التي توثق تلك النزاعات، تؤكد بما لا يقبل الشك بأن تلك النزاعات ما بين المدن السومرية-السومرية (المفترضة) والأكدية-الأكدية، كانت نزاعات من أجل زيادة مساحات الأراضي الزراعية أو للحصول على حصص أكبر من المياه، ولعل أشهر تلك النزاعات كان النزاع بين مدينتي ﻟﮕش وأوما حوالي 2600-2350 ق.م، الذي يعد أقدم نزاع (حدودي ومائي) مسجل في التاريخ، وقد تركز النزاع حول منطقة “ﮔو إيدين” الخصبة والوفيرة المياه.
أستمر النزاع أجيالاً بسبب مطالبات متنافسة على الموارد، حيث وثّق ملوك ﻟﮕش مثل (إياناتوم) انتصاراتهم في نصب يدعى “مسلة النسور”، ومع أن هاتين المدينتين يفترض بهما وفقاً لتصنيفات المؤرخين والكُتّاب التقليديين أن تكونا مدينتان سومريتان، فأن من أقام الصلح بينهما ووضع (كودور) أي (حجر ترسيم الحدود)، هو الملك ميشاليم حاكم كيش اﻟﭘروتوكلديي، في حدود 2550 ق.م. مما يؤكد خطأ مزاعم المؤرخين التقليديين، لأن صراعات الرافديين كانت محددة بمشروعية السيادة على الأرض ومصادر المياه، ولم تكن لها أي علاقة لها بأي تنوع ثقافي أو عرقي مفترض. وهو ما يدعم تواجد الرافديين اﻟﭘروتوكلديين منذ فترة العصر الحجري الحديث في الألف الثامن قبل الميلاد إلى 5600 قبل الميلاد، بدليل توافق حبات السبح المحززة ومجسمات الكلي توكنس وتطورها التقليدي الممتد من شومِرا إلى عصر الكتابة الصورية في كيش.
4- إستخدام ملوك سلالات أكدية تسميات سومرية وبالعكس، مما يؤكد بأن السومريين (المفترضين) والأكديين هما (شعب عرقي واحد)، إذ لا يعقل أن تكون أول سلالة حاكمة بعد الطوفان ﭘروتوكلدية (سامية) لتليها سلالة أي-أنا السومرية (المفترضة) وملكها الأسطوري مشكي-أنگاشر (والد البطل ﮔﻟﮕﺎمش) في حدود 3200 قبل الميلاد حيث كانت الكتابة ما تزال صورية، مع ذلك وبرغم هذه الحقيقة الدامغة، يدعي المؤرخون التقليديون بأن السومريين (المفترضين) سباقيين على اﻟﭘروتوكلديين!
كما لا يعقل أن يكون الأب في سلالة ما أكدي والأبن سومري والحفيد أكدي. ولعل خير مثال على الخليط العرقي الظاهري، هو حكم الملكة اﻟﭘروتوكلدية ﭘو-آبي التي حكمت في حدود 2550 ق.م، ملكة على سلالة أور الأولى التي يفترض أن تكون (سومرية) دون إرتباطها بملك. يتبين من أسمها الذي يعني (حكمة أبي) بأنه أسم أكدي/ ﭘروتوكلدي وليس سومري، لأنه في السومرية يلفظ (كا-آد).
لذلك حاول البعض (حل هذا الإشكال العرقي) بإفتراض أنها كانت الزوجة الثانية للملك (ميس كلام دوﮒ)، متجاهلين، بأنه حتى لو كان ذلك الإقتراح الحديث صحيحاً، فأن هذا يدل على تواجد اﻟﭘروتوكلديين وتمازجهم مع السومريين (المفترضين) إجتماعياً وثقافياً منذ عهدذاك.
ذات الخليط العرقي (الإفترضي) كان الغالب على جميع السلالات الرافدية قبل نهاية الألف الثالث ق.م. حيث نجد هذا الخليط في سلالات يعتبرها الغربيون سومرية، مع أن ملوكها الذين ينتمون لنفس العائلة يحملون خليطاً من أسماء سومرية وأكدية، مثال على ذلك سلالة أور الثالثة حيث تبدأ بالملكين أور-نمو وأبنه شوﻟﮕﻲ، يليهما الأحفاد عمار-سن وشو-سن وآبي-سن.
ينطبق هذا أيضاً على أمبراطورية أكد (الكلدية) بحسب بيروسس والمؤرخين الكلاسيكيين أمثال ديودروس وميكاسثينس وأبيدينوس ويوزبيوس والمؤرخ الروماني الشهير ﭘوليهستر، مع ذلك نرى أن أبنة الإمبراطور سرﮔون (شرو- كين) أي الأميرة (أنخيدونا) تحمل أسماً سومرياً، فيما يحمل حفيده الأمبراطور نرام سين (محبوب الإله سن/ ننار) أسماً ﭘروتوكلدياً، نرى ذلك أيضاً في أسم أبنة آخر أمبراطور بابلي (كلداني) نبونائيد، حيث كان أسم أبنته (بيل-شالتي-ننار) وهو أسم سومري، فيما كان أسم أبنه وولي العهد (بيل-شاصر) ﭘروتوكلدي، مما يؤكد بأن مزاعم الغربيين بوجود عرق (سومري) هو من إبتكار مخيلاتهم، ذلك أن ثقافة وادي الرافدين في إقليمي بابل (سومر وأكد) وآشور كانت وحدة روحية ولغوية وعرقية واحدة رغم ريادة بابل وتقدمها الفكري، تماماً مثلما كان أهل بغداد متقدمون على أهل الجنوب حتى تسعينات القرن الماضي، رغم أن ثقافتهم ولغتهم واحدة.
5- إستمرار الأكدين / الكلدان على تطوير اللغة السومرية وإضافة مفردات سومرية جديدة من أجل الإستخدام اليومي بعد ما يقرب من ألفي عام على (الإنقراض الإفتراضي) للسومريين، الذين لا يوجد هنالك دليل مادي واحد يؤكد وجودهم أصلاً، بل أن آخر نص كلداني (فلكي) وصلنا كما أسلفت في حدود العام 80 م، كان مكتوباً وفقاً للنصوص المسمارية السومرية!
السؤال هنا، ما الذي يدعو شعب (أكدي / كلدي) ثبت وجوده منذ عصر العُبيد، على إستخدام وتطوير لغة شعب (إفتراضي) منقرض (سومري) لما يزيد على ألفي عام؟ إلا إذا كان كلا الشعبين الواقعي والمفترض شعب واحد.
6- حمل الملوك السومريين والأكديين تسمية ملك الجهات الأربعة وتسمية ملك سومر وأكد، بما فيهم ملوك آخر سلالة بابلية (كلدية) حكمت بلاد الرافدين، وبضمنهم أحد أعظم أباطرة العراق القديم الملك الشمس نبوخذنصر، الذي تؤكد حولياته بأنه ينحدر من الإمبراطور نارام-سِن حفيد الإمبراطور سرﮔون الأكدي، حيث تبين مدونات نبوخذنصر إستخدامه في لقبه تسميات ملك بابل / ملك أكد / ملك سومر وأكد، وذلك بعد الإنقراض المفترض للسومريين بما يقرب من ألف وخمسمائة عام، فيما لم نجد ملكاً واحداً يفترض به أن يكون سومرياً يطلق على نفسه لقب (ملك سومر) حسب!
والسؤال هنا ما الذي يدعو هؤلاء الملوك الأكديين/ اﻟﭘروتوكلديين المختلفين عرقياً كما يفترض (المؤرخون التقليديون) إلى تضمين أسم إقليم (سومر) في ألقابهم الملكية، رغم مرور ما يزيد على ألف وخمسمائة عام على إنقراض السومريين الإفتراضي، فيما لم يلقب ملكاً واحداً من ملوك سومر (المفترضين) نفسه بأسم ملك (سومر) حسب، وإنما أستخدم الملوك السومريين (الإفتراضيين) ذات الألقاب الشائعة في عهد الإمبراطورية الأكدية (اﻟﭘروتوكلدية)؟!
7- تدل المكتشفات الآثارية والمدونات التاريخية، على أن تسمية سومر كانت تدل على الضاحية الدينية في ﻧﻴﭘور إبتداءً، كما كانت تشير ضمناً للغة المعروفة بأسم (إيمي-سال). كما أن هنالك إشارات تفترض بأن سومر كانت تدل أيضاً على الكتّاب المتمكنين بالكتابة المسمارية، علماً بأن التسمية العامة للكتّاب والمعلمين كانت بالقلم السومري دوب-سار-DUB-SAR- وبالأكدية طبشارو -ṭupšarru- وأيضاً مُعلميدو.
أن من المنطق إعتبار الأكديين الذين أخذوا تسميتهم المناطقية من أسم العاصمة (أكد) أي الكلدان الأوائل (اﻟﭘروتوكلديين) والسومريين (المفترضين عام 1869م بحسب أوﭘيرت)، شعب واحد متواصل عرقياً، مع تباين واضح في المستويات الثقافية، كالتباين الواضح بين ثقافة المدن وثقافة البادية، أو بين ثقافة المدينة وثقافة الريف كما أسلفت. حيث ما زال سكان المدن، لاسيما أهل بغداد ينظرون للجنوبيين على أنهم (شروﮒ) مع أن كليهما شعب واحد لغة وثقافة ودماً وتاريخاً.
يتبين من خلال المصادر التاريخية واللغوية والمكتشفات الآثارية بأن مصطلح (السومريين) الذي تم تعميمه منذ اربعينات القرن المنصرم للإشارة إلى لغة وشعب (مفترضين)، إنما هو (مصطلح حديث) أبتكره أوﭘيرت عام 1869م، وبأن الأسم الحقيقي لما تسمى باللغة السومرية، هو إيمي سال، التي هيّ إبتكار أكدي (ﭘروتوكلدي) يتوافق تماماً مع طروحات البروفيسور جوزيف هاليفي وسلسلة من ثقاة المختصين بينهم من العراق الأستاذ د. حنون. كما أن مصطلحي (سومري) و(لغة سومرية) إنما يدلان تحديداً على ثقافة (أكدية نخبوية)، لا علاقة لها بالعرق السومري الذي أخترعه الغربيون في القرن التاسع عشر.
علماً بأن هذه ليست أول مرة يخطأ فيها الأكاديميون الغربيون، بدليل تبنيهم للمصطلح الخاطيء (الساميين) الذي أستمد منه مصطلح (اللغة السامية)، اللذين أشاعهما شلوتزر عام 1781م برغم ما في هذا المصطلح من هنات لا مجال هنا للخوض فيها.
ناهيكم عن ترويج التشيكي بيدريش هورزني -Bedřich Hrozný- لمصطلحي اللغة الحيثية والحيثين عام 1915م رغم أعتراض الكثيرين عليه، ثم تأكد لاحقاً بأن أسم اللغة الصحيح هو (النيساتية)، علاوة على الخطأ الذي لا يغتفر عندما أطلقت الجمعية الآسيوية الملكية (البريطانية) -The Asiatic Society- على عِلم الكتابات المسمارية، التسمية التي أشاعها البريطانيون (علم الآشوريات) وذلك في حدود العام 1857م، وهو ما تم شرحه بشكل واضح ومبسط في الفديو الوثائقي أدناه:
www.youtube.com/watch?v=GVsW90dQY-0
حقيقة مصطلح (علم الاشوريات)
الحق، شتان ما بين الحقائق العلمية وما هو شائع خطأً على أرض الواقع، لذلك يتبين لكم من خلال الكم الهائل من الأدلة الآثارية والوثائق التاريخية واللغوية التي أعتمدتها في هذه الدراسة وقمتُ بعرضها ومناقشتها وإثباتها، بأن مدينة (أور) كانت مدينة ﭘروتوكلدية، وهو ما يتوافق أيضاً مع بيانات الكتاب المقدس، الذي لم ترد فيه كلمة سومر أو سومريين ولو لمرة واحدة.
الخلاصة: يتبين أن التسمية الأصلية (شوميرو) والحديثة (سومر) لم تكن تدل في العصور الرافدية القديمة أصلاً، إلا على ضاحية (دينية) صغيرة تابعة لمدينة ﻧﻴﭘور، وتعني مقاطعها المسمارية حرفياً (أرض سيد القصب)، أي الإله (أنكي| أيا). وبأن مصطلح (سومر) كان يستخدم من قبل الملوك الرافديين (الساميين بحسب شلوتزر) للإشارة إلى منطقة جغرافية محددة تقع جنوب بابل لها خصوصية دينية متميزة، وأيضاً إشارة لنظام الكتابة المسماة (إيمي-سال) ،التي يؤكد الأستاذ طه باقر بأن إستخدامها الرئيس “قد أنحصر تداوله بين كهنة المعابد”
يؤكد الكتاب المقدس على أن بلبلة الألسن كان في بابل، وأن الكلدان هم سكان بابل وأمة منذ القدم. كما يؤكد المؤرخون الكلاسيكيون أمثال ديودروس، ” الكلدان هم الأقدم بين البابليين” وهو ما يردده العديد من الآثاريين والمؤرخين القدامى والمحدثين من بيروسس حتى برﻨﮕﻣﺎن وأوتس ومارﮔريت روثن التي خصصت كتابها عن علوم ومعارف وادي الرافدين على طول التاريخ الرافدي تحت عنوان (علوم الكلدان) الذي أوضحت فيه أيضاً، بأن الكلدان هم قدامى البابليين، علماً بأن الأب د. يوسف حبي قد ترجمه تحت عنوان (علوم البابليين) والمعنى واحد.
جدير بالذكر، أن ما يدل على قدمية بابل، أن أسمها الرمزي هو (نون-كي) أي موطن الحياة، كما تؤكد ذلك حوليات سرﮔون أول أمبراطور في التاريخ، حيث يفتخر بأنه قد بنى عاصمته أكد ومقرها (دور – شروكين) بتراب بابل المقدسة، ذلك أن بابل على مدى بضع آلاف من السنين وقبل تأسيس سلالتها الملكية الأولى، كانت مثل ﻨﻴﭘور (مدينة دينية مقدسة) محفوظة المقام، ليس من خلال وجود سلالات حاكمة ولكن بسبب مكانتها الدينية. مما يؤكد ذلك أيضاَ أن سبب ثورة سرﮔون على ملك كيش أور-زبابا، كان بسب إهانة الملك أور-زبابا لآلهة بابل!
جدير بالذكر أيضاً، أن أستخدام مصطلح (السومريين) الحديث بصفة (شعب أو قوم)، فأنه لم يرد في النصوص المسمارية أو الكتاب المقدس، ذلك أنه إبتكار حديث يعود إلى عام 1869م، أي بعد أنقراض مدينة أور الذي حدث في حدود 500 ق.م الميلاد بسبب إبتعاد مجرى نهر الفرات.
بمعنى أدق، واضح وبسيط، أن الإستخدام الحديث لمصطلح (سومريين) قد أبتكر بعد ما يقرب من 2400 عام من إختفاء (أور) من المشهد الرافدي!
السؤال هنا ثانية، كيف يمكن أن تكون (أور) سومرية مع أن أهلها لم يسمعوا بشعب أسمه سومري، كما لم يستخدموا كلمة سومر إلا للدلالة على ضاحية دينية داخل مدينة الإله إنليل (ﻨﻴﭘور) المقدسة؟
لماذا الكلدان وليس غيرهم سكان العراق القديم الأصليين؟
لو راجعنا المعنى الدقيق للتسميات التي أطلقت على سكان العراق القديم منذ العصر المجهول حتى نهاية الحكم الوطني لعموم وادي الرافدين عام 539 ق.م مع نهاية الإمبراطورية البابلية الحديثة / سلالة الكلدان الإمبراطورية الأخيرة، علماً بأن الكلدان قد فقدوا سيادتهم فعلياً في تشرين أول عام 482 قبل الميلاد، الذي يمثل مناسبة إستذكار الكلدان لذكرى (يوم الشهيد الكلداني) في (السادس من تشرين أول) كل عام.
كما أسلفت، تستوقفنا في كل مراجعة للتاريخ الرافدي حقيقة دامغة ومثيرة في آن، لاسيما إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار بأن التسمية السومرية هيّ كما أثبتناه مجرد تسمية لغوية ثقافية، فأن مفاد هذه الحقيقة الدامغة هو: أن من بين جميع التسميات القديمة سومر وأكد، بابل وآشور وغيرها لم يعرف العراق القديم إلا تسمية قومية واحدة تنتمي إليها كافة السلالات الرافدية العظيمة تلك هي تسمية (كلدو / كلديم) بمعنى (الكلدان)، فيما أستمدت جميع التسميات الأخرى سومر وأكد وبابل وآشور وعمورو وآرامو تسمياتها إما بسبب تداخل موقعها مع سطوتها ثقافياً أو بدلالة موقع (عاصمتها) أي (مركز منطقة نفوذها)، أو بسبب إنتسابها الجغرافي أو الطبوغرافي، بمعنى واضح وجلي، أن أسماء هؤلاء المستوطنين لاحقة للإستيطان، وقد قمت بتأكيد هذه (الحقيقة الدامغة) من خلال إستعراض وتحليل هذه التسميات وتفسيرها تفصيلياً بحسب شروحات الأساتذة والمختصين الأكاديميين في مجال التاريخ والآثار على الصفحات 31 – 40 من كتاب، (الكلدان منذ بدء الزمان) المتوفر مجاناً على الرابط أدناه:
http://kaldaya.me/2016/06/27/2579
وإن كانت مفردة (كلدو/كلديم) هيّ التسمية الرافدية القومية الوحيدة كما تم برهنتها، فأن من المُلزم إستكمالاً لهذه الدراسة أن نعطي هنا تصوراً واضحاً عن سكان العراق الأصليين (الكلدان) هؤلاء.
من البديهي بالنسبة للمختصين الأكاديمين علاوة على الغالب الأعم من المهتمين، أنه في العديد من المصادر الثقافية والتعليمية غالباَ ما يرد ذكر قوم يطلق عليهم أسم (كلدان) مقترناً بعاصمة ملكهم (بابل) وملكها الجبار نمرود بحسب كتاب العهد القديم، ناهيكم عن ألور(س) أول ملك حكم بابل (قبل الطوفان العظيم) وفقاً لبيروسس والمؤرخين الكلاسيكيين من أغريق ورومان والذي يوافق (ألولم) اﻟﭘروتوكلدي الذي حكم أول سلالة رافدية قبل الطوفان وفقاً لجدول (أثبات الملوكية)، حيث يتألف أسم ألورو الذي يضاف له في الإغريقية حرف(إس) من مقطعين مسماريين يدلان على معنى مدينة الطوفان (آلو) وعلى صفة البطل (أورو13).
لا يفوتنا هنا ذكر ملك الكلدان (الذي لا يضاهى) نبوخذنصر، المقاتل الباسل الذي أباد وهو في العشرينات من عمره في معركة قرقميش جيش تحالف الآشوريين والمصريين بقيادة الفرعون نخو الثاني عام 605 ق.م، الذي ضم في الجيش المصري الهائل العدد مرتزقة يونانيين من إيونيا وكاريا (اليونان القديمة). كما أشتهر نبوخذنصر بصفته معمارياً فذاً، من خلال بناءه بوابة عشتار وأسوار بابل الهائلة وجنائن بابل المعلقة، التي أعتبرها المؤرخون الكلاسيكيون أحدى عجائب الدنيا السبع القديمة.
جنائن بابل المعلقة في بابل – تفنيد مغالطات دالي
www.youtube.com/watch?v=WcOB0X3uVi4
ولعل من أشهر تلك المصادر التي يرد فيها أسم الكلدان تتمثل في المكتشفات الآثارية وآيات وأسفار العهد القديم والعهد الجديد، مثلما يرد ذكر بابل مقرونة بالكلدان أو بأن الكلدان هم قدامى البابليين، كما يشير إلى ذلك ديودروس وتِسجيز الذي تلفظه د. حياة أبراهيم كتيسياس
كما يرد ذكر الكلدان كسكان أصليين متحضرين يسكنون المدن البابلية في وسط وجنوب الرافدين أيضاً في كتب التاريخ وحكايات الرحالة القدماء وكتابات السير والمدونين والنسابة العرب، وأيضاً في مؤلفات الأوربيين من عصر الفروسية في القرون الوسطى أو تلك التي كتبت في عصر الإستكشافات والثورة الصناعية، بل تجاوز الأمر حد تصويرهم في لوحات كبار الفنانين مثل ديلاكروا وكتابات فحول الشعراء مثل لورد بايرن، ناهيكم عن الأفلام السينمائية والرسوم المتحركة المعاصرة.
الحق، أن رابط كل تلك المصادر هو المنجزات المذهلة لهذا الشعب الرافديني العريق الذي تم تناول منجزاته ومآثره بشكل مفصل في المصدر رقم 3، علاوة على الكتاب الموسوم (كالدين ﻟﻴﮕﺎسي) الغني بالمصادر التاريخية والموثق بالمكتشفات الآثارية. أنظر الرابط أدناه:
www.ChaldeanLegacy.com
جدير بالذكر أيضاً، أن أسم الكلدان غالباً ما يجيء في كتابات مؤرخي الحضارات القديمة، لعل أشهرهم بهذا الصدد سير ليونارد وولي وصامويل نوح كريمر وجورج روو، مثلما يجيء في الكتابات ذات الطابع الروحي (العهدين القديم والحديث) مقترناً بمدينة (أور) التي خرج منها أبو الأنبياء (إبراهيم) في رحلته الروحية التي طبعت الشرق الأوسط والعالم كله ببصمات ما زالت شديدة التأثير حتى يومنا هذا.
برغم كل هذا الكم المعلوماتي الهائل والقرائن والأثباتات الآثارية والمدونات التاريخية، يعمد البعض إلى التشكيك بأصالة سكان العراق الأصليين (الكلدان) لدوافع سياسية ودينية، علاوة على تجيير تراث الكلدان المادي والروحي للسومريين، الذين هم شعب لم يكن، تم إبتكاره عملياً عام 1869م.
جدير بالذكر، أن بعض الجهلاء بالتاريخ الرافدي العريق يتسائلون عن جهل لماذا لا توجد في بلاد آشور لوح واح يوجد عليه أسم الكلدان، وهذا لعمري هو منتهى الغباء، ذلك أن مكتبة آشور بانيبال أحتوت على العديد من الرقم المسمارية التي يرد فيها أسم الكلدان. الأهم من هذا وذاك، أن التسمية الكلدانية هيّ تسمية قومية وأي ملك رافدي وطني يقدم نفسه بصفته حامياً لجميع الشعوب التي يحكمها وليس لقومية بعينها. لذلك يكتب الملك العادل حمورابي الكلدي قومياً والعموري الأصل مناطقياً في مقدمة مسلته (إينو آنوم صيروم) عندما أعطى الإله آنو:
“عندما قضيا الإله آنو المتسامي ملك الأنوناكي (آلهة السماء) والإله إنليل سيد السماء والأرض ، مقرر مصائر البلاد
قضيا لمردوخ (إله بابل) الإبن البكر للإله أيا / أنكي أن يتمتع بقدسية الإله إنليل على كل البشر وجعلاه عظيماً بين الإكيكي (آلهة الأرض)
وسميا بابل بإسمها العظيم وجعلاها (شامخة) المستقيمة في العالم ، وثبتا في وسطها ملكية أبدية أسسها ثابتة كالسماء والأرض
عندئذ أسمياني الإلهان آنو وإنليل بإسمي حمورابي الأمير التقي الذي يخشى آلهته
لأوطد العدل في البلاد ، فأقضي على الخبيث والشرير ، لكي لا يستعبد القوي الضعيف
ولكي يعلو العدل كالشمس فوق ذوي الرؤوس الداكنة (الشعب) ، ولكي أنير البلاد من أجل خير البشر”
الملك الكامل ، لم أكن مهملاً أو مزعجاً للشعب (ذوي الرؤوس الداكنة)
الذين قدمهم لي الإله إنليل وأودعني مهمة حكمهم الإله مردوخ.
ويقول في موضع آخر: ” أنا الراعي الذي لا يغفل .. أحرس جيداً وعصاي مستقيمة”
كما كتب في خاتمة المسلة، مؤكداً فيها بأنه على الرغم من تقواه وتدينه البالغين إلا أنه لم يلزم أحداً بعبادة إلهه الشخصي (مردوخ) وإنما كما يتضح من خاتمة شريعته قد وفر حرية العبادة للجميع وقدم مساعداته لجميع معابد المملكة ولم يميز بين مواطني مملكته على أساس العرق أو اللغة، بل إنه لم يوجه قوانينه لفئة دينية أو عرقية بل أستخدم بديلاً عن ذلك مفردة المواطنين العامة أي الشعب وبالبابلية (ذوي الرؤوس الداكنة) ، فالكل سواء في دستور حمورابي والكل سواسية أمام الملك والقانون.
وهذا ما يتبين بشكل واضح وجلي من ترجمة المسلة (بتصرف) عن د. هورست كلنغل –H. Klengel– و د. فوزي رشيد، لذلك فأن هؤلاء الذين يتسائلون عن مبرر عدم تباهي الملوك الكلدان بالتسمية القومية (كلداني) برغم تبوأهم سدة السلطة، فلأن ذلك يتعارض مع أخلاق الحاكم العادل الذي يساوي في عدالته بين مواطني مملكته، بخاصة بخاصة وأن المدن الكبيرة مثل بابل وأوروك ونينوى كانت بمثابة مدون واسعة يؤمّها الناس من جميع الأقطار طلباً للعلم والتجارة، وباللغة الإغريقية ميتروﭘوليتان. لكننا نجد الإنتماء الكلداني مستخدماً بكل وضوح وجلاء في مرحلة (الثورات الكلدانية) لأن إستخدامه آنذك كان مبرره تأجيج مشاعر الكلدان، كما في فترة حكم أيا موكين زير (سلالة بابل الخامسة) 1026 – 1005م ومردوخ أبلا إيدينا (سلالة بابل العاشرة) 721-710 و703 قبل الميلاد، وأيضاً في عهد الأنتفاضات الكلدانية منذ عهد الملكين نبوخذنصر الثالث ونبوخذنصر الرابع حتى فترة حكم الملكين بيل شماني وشمش آريبا.
جدير بالذكر أيضاً، أن مغالطة الأكاديميين الغربيين التي خلقت شعباً من نسج خيال أوﭘيرت (السومريون)، قد وجدت تجاوباً طيباً من قبل الغزاة المستعربة الذين أحتلوا مثل غيرهم من الغزاة المسلمين بلاد الرافدين منذ القرن السابع للميلاد، ذلك أن مثل هذا التجيير لتراث السكان الأصليين، سيجنب هؤلاء المحتلين تقديم الإعتذار المُلزم عن قرون من الإضطهادات والإبادات الجماعية بحق سكان العراق الأصليين (الكلدان)!
آملاً من القاريء المنصف بعد هذا الإستعراض المطول أن يمييز فيما يتعلق بالتاريخ الرافدي بين قمح المعلومات والدلائل العلمية والتاريخية الموثقة وبين زوان الأباطيل والمقترحات الخائبة.
الكلدان تاريخياً ولغوياً
أفاد الآثاري واللغوي الشهير الأب كلود هيرمان والتير جونز أستاذ اللغات السامية “أن هنالك لغة سامية -ﭘروتوكلدية- قديمة في وادي الرافدين كان يتكلم بها السكان الأصليون” ، كما يؤكد د. أنطون مورﺗﮕﺎت أن السامية (بحسب شلوتزر) قد أزدهرت في عصر ميشالم، ويضيف في مكان آخر عن تشابه اللقى في مقبرة أور الملكية بما عثر عليه في كيش الموافق لعصر ميشالم، برغم الإختلاف العرقي بحسب المؤرخين المعاصرين. بهذا الصدد يؤكد الباحث الأمريكي ألبرخت ﮔوتزة “أن هنالك دولة مدينة كبيرة من الساميين كان مركزها في ﻟﮕش أثناء عصر فجر السلالات الثاني 2800-2600 ق.م.”
يؤكد الأستاذ طه باقر أيضاً بناءً على مقترح (أوﭘيرت)، بأن السومريين هم ” أحدى الجماعات المنحدرة من بعض الأقوام المحلية في وادي الرافدين في عصور ما قبل التاريخ البعيدة (كما أثبت كان هؤلاء الكلدان الأوائل)، ويضيف في مقطع آخر، بأنهم (السومريين) مثل الأكديين الذين أستقروا في أكد والبابليين نسبة لبابل والآشوريين نسبة لآشور، قد عُرفوا (لاحقاً) بأسمهم الخاص (السومريين) نسبة إلى أسم الإقليم الذي أستوطنوا فيه. أي أن التسمية لاحقة للإستيطان ومشتقة من أسم موضع جغرافي ولا تحمل مدلولاً قومياً” ويضيف الأستاذ باقر: “المرجح أن ميشاليم/ مسيلم ملك كيش (اﻟﭘروتوكلدي) – أول من أستعمل هذا اللقب -كيش-” ويقول في موضع آخر: “أن السومريين لم يكونوا أقدم المستوطنين في السهل الرسوبي من جنوب العراق، بل جاوروا أقواماً أخرى وفي مقدمتهم الساميون” بمعنى (اﻟﭘروتوكلديين)، كما يرجح الأستاذ باقر كما أسلفت “أن أهل حضارة العُبيد الذين سبقوا السومريين، هم الذين أوجدوا القلم المسماري”.
هنا حاول الأستاذ باقر أن يمسك العصا من المنتصف، أن لا يطعن بصديقه صامويل نوح كريمر من ناحية ومن ناحية أخرى أن يؤكد بأن السومريين المزعومين لم يكونوا المؤسسين الفعليين لحضارة وادي الرافدين.
وهو ما يؤكده كرستوفر لوكاس “أن أول ملك وجدت له نقوش موثوق بها، هو إينيمي بار ﮔيسي ملك كيش، في حدود (2700 ق.م).
فيما يخص تعدد وتنوع قراءات تسمية الكلدان، لا بد لأي منصف أن يتسائل: ألا يتوافق هذا التنوع في القراءات مع جميع الشعوب القديمة التي كتب لها أن تتواصل عبر القرون؟
حول هذا الموضوع أنظر مقالتي (أفتخروا أيها الكلدان لأنكم وحدكم سكان العراق الأصليين) على الرابط أدناه:
https://kaldaya.me/2024/01/18/24914
بعيداً عن التسمية الأصلية (كلدو/كلديم) التي تكتب مقطعياً بالمقطعين كال-دو -kal-du- وبالعلامتين 322 و 206،علماً بأن العلامات المسمارية واصلت التطور عبر القرون، لذلك على غير المختصين أن ينتبهوا إلى رسم العلامة وفق تسلسلها الزمني الذي يمكنهم فهمه من خلال الإطلاع على المرتسم التوضيحي المنشور في الصفحة 13 من كتاب كالدين ﻟﻴﮕﺎسي، كما أن هنالك فروق طفيفة لا تذكر في كتابة العلامات بين إقليمي بابل وآشور تشبه الفروق بين خطي (الكوفي والرقعة) أو بالقلم اللاتيني بين (إريال وتايمز نيو رومان)، على الرغم من ذلك، فأن العلامات المعتمدة، هيّ التي ترجع للفترة البابلية الحديثة، علاوة على العلامات التي أعتمدها كلدان الرافدين من شماله حتى جنوبه في فترة ما بعد الإحتلال الأخميني.
جدير بالذكر، أن تسميتي (كلديم )الأكدية و(كشديم) العبرية قد طغتا في القرون الأخيرة لما قبل الميلاد، ومن ثم تبدل إستعمالهما في القرون اللاحقة إلى كلديا (إغريقياً) وبلاد (كلواذا) محلياً، لاسيما بعد الإحتلال الإسلامي في القرن السابع للميلاد، وقد تواصلت هذه التسمية الدالة على سكان العراق الأصليين الكلدان حتى العقود الأولى من القرن العشرين، حيث كان يشار لمنطقة الباب الشرقي في بغداد بأسم (باب كلوذا)، بمعنى باب الكلدان أو الباب الجنوبي المؤدي لأرض الكلدان. علماً بأن جميع هذه التسميات كانت تدل القسم والوسطي والجنوبي لوادي الرافدين الذي كان يعرف في اللغة الأكدية بأسم القطر البحري (مات تام تِم) أو بلاد الكلدان (مات كلدو / كلديم)ـ على الرغم من إنتشار البروتوكلديين من إبلا شمالاً حتى قطرا جنوباً.
حول أصالة الكلدان التاريخية في الوطن الأم من فترة العُبيد والمدعمة بالأثباتات المادية أنظر الدراسة الموسومة (كيف يحسب الكلدان تقويمهم القومي؟ – 5300 قبل الميلاد – الحاضر) على الرابط أدناه:
https://kaldaya.me/2026/01/11/29241
حول تواصل وجود الكلدان منذ خسارتهم لسيادتهم على وطنهم الأم (وادي الرافدين) عام 482 قبل الميلاد حتى اليوم، أنظر الجزء الثالث (الكلدان منذ القرن الأول حتى القرن الحادي والعشرين) من الكتاب الموسوم كالدين ﻟﻴﮕﺎسي المتوفر على الرابط أدناه:
www.ChaldeanLegacy.com
الخلاصة
أن العثور على دلائل مادية تؤكد إستخدام مجسمات توثيقية تدعى (كلي توكنس/رموز طينية) أو ما يماثلها من حصا محززة في موقع سامراء/ شومِرا ما قبل التاريخ، وتحديداً في موقع تل الصوان الآثاري، لاسيما الحفريات في الطبقات البنائية القديمة التي تعود إلى فترة حوالي الألف السادس ق.م، بخاصة إبان فترة تحويل بعض غرف المعابد إلى مخازن صغيرة لخزن الغلال والحاجيات الأخرى، مما تطلب وجود وسائل إدارية توثيقية مادية مثل السلال والأختام، علاوة على وسائل توثيق بمعارف تجريدية (كلي توكنس) التي تطورت لاحقاً إلى رموز طينية لضبط المخزون والتبادل التجاري، التي تطورت في كيش (اﻟﭘروتوكلدية) إلى نظام الكتابة الصورية، التي تطورت بدورها إلى الكتابة المسمارية التي عرفت فيما بعد بالسومرية والأكدية.
كما أن تشابه فخار سامراء (شومِرا) وفخار أريدو من فترة العُبيد في الألوان والتقنيات، التي تعتمد على الطلاء بالألوان الداكنة (الأسود، البني، الأرجواني) على طين فاتح يميل لونه ما بين الإصفر والبرتقالي الفاتح وفي الغالب الأعم ما يسمى بالأوكر، مع زخارف حيوانية وهندسية دقيقة، لاسيما رمز الصليب والصليب المعقوف، وهيّ رموز تؤكد على ديمومة الحياة والخصب، مما يعكس تطوراً إجتماعياً وفنياً مشتركاً في حضارة بلاد الرافدين القديمة، وبأن سكان الرافدين الأوائل (اﻟﭘروتوكلديين) سواء في شمال العراق القديم أو وسطه وجنوبه كانوا وحدة ثقافية واحدة، وبأنهم وفقاً للإقتباسات التي سبق لي وأن أوردتها لثقاة المؤرخين والآثاريين الأجانب والعراقيين، بخاصة تلك الإقتباسات التي تؤكد على تواصل حضور اﻟﭘروتوكلديين في المدن التاريخية مثل أريدو وأو وأوروك وﻟﮕش وغيرها منذ العصر الحجري الحديث من ناحية، ومن ناحية أخرى، أثبتُ في هذه الدراسة وبشكل حاسم، بأنه لم يكن هنالك على طول تاريخ وادي الرافدين ثمة شعب (سومري)، لذلك فأن السؤال هنا، لاسيما لهؤلاء المروجين لإدعاء (سومرية أور)، كيف يمكن أن تكون (أور) سومرية إن لم يكن هنالك سومريون أصلاً؟!
~ د. عامر حنا فتوحي
1 مصطلح (ﭘروتوكلدي)، تم إطلاقه عام 1988، من قِبل المؤرخ عامر حنا فتوحي لتعريف فترة ثقافة ما قبل الإنبعاث الثقافي السومري. حيث أستخدم هذا المصطلح لأول مرة في الدراسة الموسومة “أور الكلدان – رؤية عراقية”. بعد ذلك أصبح المصطلح (ﭘروتوكلدي) شائعا بين علماء التاريخ والآثار العراقيين منذ تسعينات القرن المنصرم، وعلى مستوى العالم، مع مطلع عام 2004 للميلاد.
2 طه باقر، ملحمة كلكامش، 1986، ص 209
3 سيتون لويد، آثار وادي الرافدين من العصر الحجري القديم إلى الإحتلال الفارسي، لندن، 1978، ص 160 –16، أيضاً هنري فرانكفورت، مولد الحضارة في الشرق الأسط، ص 78، أنطون مورتكات، تاريخ الشرق الأدنى القديم، ص 51 وص 74، أنظر أيضاً والتن، التنقيبات في كيش، المجلد الرابع، 1934، أنظر كذلك سومر العدد 22 ، 1966 ص
4 عامر حنا فتوحي، كالدين ليكاسي، ص 340، أنظر أيضاً وليم إف. ألبرايت، الكتابات الكلدانية ما قبل العربية ، 1952 ، ص 39
5 ألبرخت ﮔوتزة، سومر م 22، 1966، ص 73
6 أنطون مورتكات، الفن في العراق القديم – النحت المجسم، بغداد 1975م، ص 205 -214
7 إي أي سبيزر، الأصول الرافدية، لندن، 1930 ص 38، صامويل نوح كريمر، مجلة الآثار الأمريكية، 1948، ص 150 ف ف
8 صامويل نوح كريمر، مجلة الآثار الأمريكية، 1948، ص 150 ف ف
9 حياة أبراهيم محمد، نبوخذنصر الثاني، 1983، ص 56
10 ألبرخت ﮔوتزة، سومر م 22، 1966، ص 73
11 د. نائل حنون، حقيقة السومريين ودراسات أخرى في علم الآثار والنصوص المسمارية، ط دمشق 2007 ، ص 46
12 د. نائل حنون، المصدر السابق ، ص 22
13 المصدر السابق ص 22
14 عامر حنا فتوحي، الكلدان سكان العراق الأصليين، تاريخ زاهر وتحديات معاصرة، أطروحة دكتوراه، هولندا 2019م، ص 36-37
15 طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 64، د. نائل حنون المصدر السابق
16 أنطون مورتكات، الفن في العراق القديم، بغداد 1975م، ص 63 -73 ، أيضاً هنري فرانكفورت، مولد الحضارة في الشرق الأسط، ص 78، وكذلك دراسة كلود هيرمان والتر، جامعة كمبردج التي نشرت في دائرة المعارف البريطانية لعامي 1910 – 1911 المجلدين الثالث والرابع. أنظر أيضاً سيتون لويد، آثار وادي الرافدين من العصر الحجري القديم إلى الإحتلال الفارسي، لندن، 1978، ص 160 –161 ،أنظر أيضاً د. إي. ريس، بيت التاريخ منذ أوائل البشر حتى سقوط روما، ط 1934 – 1936
17 طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 64
18 د.فوزي رشيد ، قواعد اللغة السومرية ، ص 24
19 د.فوزي رشيد ، قواعد اللغة السومرية ، ص 31،
20 د. عامر سليمان، اللغة الأكدية، طبعة ثانية 2005 ، ص 36، د. نائل حنون، المعجم المسماري، ص 89
21 هنري لابات، قاموس العلامات المسمارية، ط 2004 ، ص 395، طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 64 ،، أنظر أيضاً د. علي ياسين الجبوري، قاموس اللغة الأكدية العربية، أبوظبي
22 د. نائل حنون، حقيقة السومريين ودراسات أخرى في علم الآثار والنصوص المسمارية، ط دمشق 2007 ، ص 36
23 طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 287
24 دايان ولكيستاين وصامويل نوح كريمر، إنانا ملكة السماء والأرض، 1983
25 طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 119
26 جورج روو، العراق القديم، بغداد 1984م، ص 507، حياة أبراهيم محمد، نبوخذنصر الثاني، 1983، ص 52 ، فريتز كريشن، عجائب الدنيا في عمارة بابل، 1982
27 حياة أبراهيم محمد، المصدر السابق، مرﮔريت روثن، علوم البابليين، ص 56 ، الكلدان منذ بدء الزمان، ص 37
28 ألبرخت ﮔوتزة، سومر م 22، 1966، ص 73
29 طه باقر، ملحمة كلكامش، 1986، ص 29،
30 كرستوفر لوكاس، حضارة الرقم الطينية وسياسة التربية والتعليم في العراق القديم، ترجمة يوسف عبد المسيح ثروة، الموسوعة الصغيرة، ص 12





