في زمن السلطان،
الخصومة لا تُحسَم في المجالس، بل في المنشورات.
والخلاف لا يُواجه بالحوار، بل بالتلميحات المشفّرة،
وصياغات رنانة تبدأ بـ”هناك من…” وتنتهي بـ”صبرنا كثيرا”.
لكن المفارقة الأجمل أن معارضيه لا يردّون.
لا يُهاجمونه، لا يُشيرون إليه، لا يُناقشونه، بل يكتفون بـالصمت.
ليس جبنًا، بل لأنهم يعرفون تماما مَن هو السلطان الخرفان.
يعرفون أنه لا يقرأ.
وإذا قرأ لا يفهم.
وإذا فهم لا يحتمل.
وإذا احتمل… يُصدر بيانًا يتهم فيه الجميع بالخيانة الروحية والمساس بالمحبة.
السلطان لا يحتمل هذا الصمت، لأنه يعيش على ردّات الفعل،
ويتغذّى على المعارك، ويختنق حين لا يذكره أحد، حتى ولو بالسوء.
فما الذي يفعله؟
يبدأ حملته الإعلامية الخاصة…
ينشر، يلمّح، يلمّع نفسه، يطعن غيره،
يختلق روايات لا تسندها إلا ذاكرته الانتقائية،
ثم يُعلّق على تعليقه قائلاً: “أنا لا أهاجم… بل أُضيء وأعلم وأُرشد وأوجه وأنبه … ويتوقف لأن النية هي: أُنذر أعاقِب أٌصي أُميت”
لكن الحقيقة؟ أنه لا يُضيء، بل يرقص وحده في ظلامٍ صنعه بنفسه.
المضحك المبكي، أن السلطان يظنّ أن الرعية تصدّقه.
أن البسطاء يُصفّقون له بقلوبهم، أن وقارهم أمامه هو حبّ، أن صمتهم في حضرته هو انبهار، أن قيامهم حين يدخل هو إجلال لشخصه.
لكنّه لا يدرك، بغبائه المتعجرف، أن الناس تحترم الكرسي، لا الجالس عليه.
الناس تقول “سيادة المطران” كما تقول “سيادة القاضي”… لا أكثر.
تحني رأسها لا لأنك قديس، بل لأنهم تعلّموا أن ينحنوا أمام الرموز، وتُقبّل يدك، لا لأنها طاهرة، بل لأنها مبلّلة بتاريخ الكنيسة… لا بتاريخك على الفيسبوك.
السلطان يضحك على عقول البسطاء … يكرّر في خطبه كلمات من نوع: “المغفرة، السلام، أنا موجوع”،
ويتناسى أنه نفسه مصدر الجرح.
يستغل بساطة الناس ليحشو لهم سردياته الخاصة، يقنعهم أن كل معارض هو شرّير، وأن كل مختلف هو خائن، وأن كل ساكت… موافق!
لكن الواقع؟
البسطاء أذكى منه… وإن صمتوا.
هم لا يردّون، لأنهم لا يحتاجون إلى الضجيج.
ينظرون إليه من بعيد، ويقولون في قلوبهم: “دعْه يتكلم… فالكرسي أحيانًا يُحرّك اللسان أكثر من العقل.”
السلطان لا يفهم هذا النوع من الصمت.
فهو يظن أن العالم كلّه منشورات وتعليقات، وأن الحقيقة تُعلَن فقط في مؤتمر صحفي أو فيديو درامي.
ولذا، حين لا يُردّ عليه، يرتبك، يُصدر منشورًا جديدًا عن “الهدوء النبوي”، ثم يسأل أحد فريقه بصوتٍ مضطرب: “هل كتب أحدٌ عني اليوم؟”
إنه لا يفهم أن الكرامة لا تحتاج إلى صراخ، وأن الهيبة لا تُشترى بمنشور، وأن من يردّ على الإساءة بالإيمان، أقوى من كل جيوش الإعلام الكنسيّ المنحرف.
فهو، بكل بساطة، يعجز عن فهم الوقار، لأنه يرى فيه موافقة، لا رحمة.
ويقرأ الصمت على أنه تأييد، بينما هو في الحقيقة إدانة أليمة لا تحتاج إلى كلمات.
وفي نهاية اليوم، يبقى السلطان يتخبّط في فقاعته الإعلامية، ينشر منشورًا كل أربع ساعات، يتباهى بتفاعلٍ مصنّع، ولا يدري أن البسطاء، الذين يدّعي قيادتهم، سبقوه في النُضج، وتجاوزوه… منذ زمن.






