Articles Arabic

وثنية خفيّة

 

Saad Hanna منقول من صفحة 

بقلم المطران سعد سيروب حنا

يمتدّ صراعُ الإنسان مع عبادة الأصنام كخيطٍ واحدٍ عبر كلّ صفحات الوحي: من الأمر الأوّل « لا يكن لكَ آلهةٌ أُخرى أمامي » إلى سخرية الأنبياء من خشبٍ تُجثى له الرُّكَب ، إلى حجّة الحكمة وبولس بأنّ استبدال الخالق بالمخلوق هو انحدارٌ من الحرّيّة إلى العبوديّة . في كلّ مرّةٍ يزلّ فيها القلبُ نحو صنمٍ جديد يتكرّر المشهد القديم نفسه .

(ليست عبادةُ الأصنام مجرّد انحناءٍ لتمثال؛ إنّها في الجوهر إزاحةُ الله عن عرش القلب وتوليةُ بديلٍ آخر) فكرةً كان أم شهوةً ، أم قوةً ، أم مالاً ، أم سلطة ، وهذا البديل قد يكون فجًّا وصريحًا أو متخفّيًا في ثيابٍ لاهوتيّة تزجُّ بالله في خدمة المصالح . هكذا تتحوّل العبادة إلى صفقة ، والصلاة إلى أداةٍ لاستعمال القدير، فتتسلّل الوثنيّة حتى إلى النوايا المؤمنة . ولأنّها موجَّهة ضدّ الله وضدّ الإنسان معًا ، تخلط اللاهوتيَّ بالإنسانيّ وتحرّف الاثنين في آنٍ واحد كلّ خطيئةٍ تخرج من الجذور ذاتها : ارتيابٌ في صلاح الله وجودته ، بحثٌ عن أمانٍ خارج كلمته ، وتصميمٌ على استقلالٍ يُنصّب الذات معيارًا للخير والشرّ. والمنطق الداخليُّ واحد : إذا تراجع الله تَقدَّم صنمٌ آخر. تبدو المفاضلة واضحة في كلمات إرميا عن ينبوع الماء الحيّ والآبار المشقَّقة (ارميا ٢: ١٣)، وفي اختيار الجمهور بارآبّا على يسوع وهتافهم لقيصر دون المسيح ( يوحنا 19 : 12 )    

يرسم سفر التكوين خطيئة البدء حين يُساء فهم الله سيّدًا غيورًا على سلطانه لا أبًا يحرّر أبناءه ، فيولد التمرّد والرغبة في التشريع للذات . وعلى الضفّة الأخرى من التاريخ يصوّر بولس «الخصم» الذي يجلس في هيكل الله كأنّه هو الله : حركةٌ صاعدة من الطين إلى الألوهة ، في مقابل انحدار كلمة الله إلى الجسد . إنّه الوجه القاتم للكبرياء البشريّ ، الشوق إلى محو مجد الله  ليُلمَع مجدُ الإنسان.

تتّخذ الوثنيّة صورتين متناقضتين ظاهريًّا متطابقتين جوهريًّا : رفضُ الله كليّةً أو استغلاله أداةًعند سفح سيناء صنع الشعب عِجلاً ذهبيًّا ليقودهم ( خروج ٣٢) ، وفي العهد الجديد يسقط البعض في التجربة ذاتها حين يُختزل إله يسوع إلى راعٍ لمصالح قومية أو حزبية . سواء أُنكِر الله أم أُقحِم في لعبة المصلحة ، النتيجة واحدة : صعودُ الأصنام الصامتة إلى مقام القيمة القصوى واستعباد الإنسان لذاته ولغيره .

يذكّرنا الكتاب المقدّس بأنّ الإنسان هو أيقونة الله الحيّة ، فلا حاجة لتماثيل تنوب عنه . حين يخضع الإنسانُ للأشياء أو يتسلّط على أخيه الإنسان يَمسخ تلك الأيقونة . يتصدّر المال قائمة الأصنام الحديثة ؛ يضعه المسيح في مواجهة مباشرة مع الله ، ويسمّيه بولس «عبادة أصنام» لأنّه يستعبد القلب لأرقامٍ تومض على شاشة . وهكذا ينتهي درب الوثنيّة إلى قلبٍ عطشٍ وشبكةٍ من آبارٍ متصدّعة

فحصُ القلب هو البداية والنهاية : كلّما ارتبنا في نيّة الله ، أو رَهَنَّا أماننا لمؤسّسةٍ أو حسابٍ مصرفيّ ، أو حاولنا طيّ الله تحت شروطنا ، نُعيد تمثيل قصة آدم ونرسم ملامح “ضدّ المسيح” . والدعوة دائمًا هي تلك العودة إلى الينبوع ، إلى إسقاط الأصنام الصامتة والإصغاء إلى كلمةٍ تهب الحياة

Follow Us

Calendar

July 2025
S M T W T F S
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031