~ د. عامر حنا فتوحي ~
لقرون لقنتنا أجهزة التعليم في البلدان الناطقة بالعربية بأن النصارى “ملة منقرضة” من الضالين، ولما لم يعد هنالك نصارى أسقطوا إدعاءاتهم الباطلة على المسيحيين. ثم رددوا دونما ذرة من حياء، بأن اليهود مغضوبٌ عليهم، وبأنهم صهاينة ومحتلون لبلاد وهمية أسمها فلسطين، مع أنهم أصحاب الأرض الأصليين، وأنهم وليس من أحد غيرهم، مؤسسو دولة إسرائيل التي منحها لهم الرب. هذه الحقيقة الدامغة صادق عليها قرآن المسلمين في 43 سورة وآية، مثلما صادقت النقوش المصرية على إستخدام أسم أورشليم منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد، أي قبل إبتداع الإسلام بما يزيد عن ألفين وخمسمائة عام، في المقابل ليس في كل القرآن سورة أو آية واحدة تذكر أسم فلسطين أو القدس!
ثم جاء مدعو الإشتراكية والشيوعية، فخدعونا ثانية بأن الرأسمالية عدوة الإنسان وأن مصلحتنا تتطلب إتباع الأفكار الإشتراكية الشيوعية الطنانة الأسماء، مع أنها سم مغلف بالعسل.
ما تعمدوا أن لا يقولوه، هو أن الرأسمالية تبني وتعمر وتؤكد على إحترام الذات والحرية وكرامة الإنسان، بينما ولغت الإشتراكية والشيوعية في دماء الأبرياء منذ إبتكارها حتى اليوم. لذلك لم نسمع في يوم من الأيام هجرات جماعية من الدول الرأسمالية إلى الدول الإشتراكية، لكننا نشاهد الآلاف بل مئات الألوف وحتى هجرات بالملايين لأناس من بلدان إسلامية وإشتراكية وشيوعية، نُكبت بلدانهم بالشريعة الإسلامية والدكتاتوريات الإشتراكية والشيوعية التي خُدِعنا بها في مطلع شبابنا، وبالأفكار اليوتوبية الزائفة. لذلك نرى هذه الهجرات التي لها أول وليس لها آخر، غالبها الأعم أناس يضحون بكل ما هو غال ونفيس من أجل الوصول إلى بر أمان الدول الرأسمالية!
خدعونا ثالثة بالإمبريالية العالمية، مع أن أبشع إمبريالية في التاريخ الإنساني هيّ (الإمبريالية العربية الإسلامية). كل الإمبرياليات أختفت إلا الإمبريالية الإسلامية التي ما زالت تهيمن على ما يزيد عن خمسين دولة لا علاقة لها لا بالعرب وبالإسلام من قريب أو بعيد. مع ذلك ما زال محتلو بلداننا يدينون الإمبرياليات الزائلة ويتجاهلون أنهم إمبرياليون بإمتياز، لذلك أشبههم بما جاء في الكتاب في لوقا 6 : 41 ” لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلَا تَفْطَنُ لَهَا؟”
ذات الأكاذيب والخزعبلات يمارسها علينا اليوم المنتمون للعقليات الإسلامية المشوهة، وفق آلية لم تتغير منذ نشوء دولة الخلافة في عام 632 ميلادية حتى اليوم. لم نعرف خلالها غير مجازر حروب الردة والغزوات الإسلامية التي أتسمت بالحرق والذبح وإراقة الدماء والتجاوز على الأرض والعرض، ومع أنهم المسلمون المستعربة محتلون ويعلمون بأنهم محتلين، فأنهم يعاملوننا في أوطاننا المستلبة منا كذميين ومواطنين من درجة أدنى!
لذلك نرى أن سكان العراق الأصليين الكلدان اليوم، هم بين حجري رحى الحكومة اللا عراقية الإسلامية الولائية-العروبية والغرب الجاهل تماماً أو المتجاهل عن عمد حقيقة أن بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقياً أوطان مسروقة من سكانها الأصليين. وأنهم بسبب من سياسة التسامح الغبية قد فتحوا الباب على مصرعيه للغزاة القادمين تحت مظلة اللجوء الإنساني، ولعل ما آل إليه الوضع المزري في بريطانيا والسويد وأسبانيا وغيرها من دول أوربا الغربية الآيلة للسقوط في متاهة الخراب والعدم، خير مثال على السياسة الغبية للغرب!
ما يخصنا هنا هو وطننا الأم، العراق الذي يعاني سكانه الأصليون الكلدان اليوم من إضطهاد ممنهج، تحاول طمسه والتعمية عليه الحكومة العراقية وأجهزة البروباﮔﺎندا الرسمية التابعة لها التي تعتمد مبدأ “التقية”، علاوة على تورط الغرب المتجاهل لحقائق التاريخ ولتاريخ الدم والعار وقروناً من الإضطهاد الذي يوغل فيه المحتلون لوطننا الأم منذ عام 636 ميلادية حتى اليوم.
لن أخوض في الكم الهائل من البشاعات التي أرتُكِبت بحق السكان الأصليين الكلدان على مر التاريخ، ولن أخوض هنا في حجم الممارسات اللا أنسانية والإضطهاد الممنهج الذي تمارسه حكومتا المركز والإقليم والفصائل الولائية المنفلتة، لأن مثل هذه التفاصيل على بشاعتها وهولها تحتاج إلى مجلدات!
لمن يرغب بالإلمام بتفاصيلها يمكنه قراءة كتابي (الكلدان منذ بدء الزمان) المتوفر مجاناً على الرابط أدناه:
الكلدان منذ بدء الزمان
كما أن كتابي لعام 2012، “القصة اللا مروية عن سكان العراق الأصليين الكلدان” باللغة الإنكليزية يتناول تلك الإبادات والمذابح والإضطهادات بشكل مفصل.
علم العراق، هو الآخر فضيحة عروبية إسلاموية. ألوانه مستمدة من ألوان (دول الخلافة الإسلامية) منذ أن صمم أصله البريطاني مارك سايكس عام 1916م في وزارة الخارجية البريطانية، أما (عبارة التهليل) التي تؤرخ تاريخاً من إغتصاب الأرض والعرض وذبح الملايين من السكان الأصليين وأحتلال أوطانهم، فحدث ولا حرج، للأسف، من لا يستحي يفعل ما يشاء!
دستور العراق الذي يعتمد مبدأ (التقية)، لا يختلف عن “العهدة العمرية” السيئة الصيت. ومع أن العراق وطن وليس كائن عاقل، فقد أسلمه المغتصبون الطغاة وجعلوا الإسلام دين العراق، مع أن العراق كائن قبل الإسلام بما يقرب من ستة آلاف عام، كما أن العراق يتكون من أديان وقوميات عديدة، فلماذا العراق بلد مسلم، هل العراق يصلي ويصوم ويحج، مع أن جميع هذه الفروض كانت معروفة وممارسة في العراق قبل أن يبتدع الإسلام بآلاف السنين. السؤال هنا من أعطى الأحزاب الإسلامية المتحكمة برقاب العراقيين الحق في أسلمة العراق ضاربين بعرض الحائط مفهوم المواطنة والوطن والسكان الأصليين؟
المناصب الحكومية اللا عراقية التي يصادق عليها في السفارة الإيرانية، تعتمد قانون الشرع الإسلامي ومبدأ المحاصصة ومفهوم الذمية، التي تدوس هيّ الأخرى على قيم المواطنة، مما يجعلنا نتسائل هل هنالك عدالة في ظِل الإسلام، وهل سيكون للعراقيين يوماً رئيساً ينحدر من سكانه الأصليين أو من أي مكون آخر بناءً على الأهلية وليس الدين أو الطائفة؟
أما المناهج الدراسية، فأنها “سبة وبصاق” في وجهة العدالة والقانون والمساواة الوطنية. حيث تهين مناهج التاريخ المزور، ودرس الدين الذي يصور المسيحيون واليهود والمندائيون واليزيديون والبهائيون وغيرهم كفاراً، ناهيكم عن زعيق سماعات الجوامع التي توجه الإهانات لغير المسلمين من العراقيين عبر مكبرات الصوت منذ الفجر حتى المساء، التي تتلوا على مسامعنا (زعيقاً) كل ما هو مهين ومُذل 24 ساعة في اليوم!
ما هو الحل؟

نحن الكلدان، سكان العراق الأصليين، لا نطالب بطرد الغزاة المسلمين، أو تأسيس وطن كلداني، لأن مثل هذه المطالب اليوتوبية أضغاث أحلام. كل ما نأمله، وهو بتصوري الشخصي المحض، الخطوة الأولى على طريق قيام دولة مدنية عراقية متحضرة ومستقلة، لذلك لا أمل للعراق إلا من خلال كتابة (دستور وطني) يميز سكان العراق الأصليين (الكلدان) بصفتهم السكان الأصليين، وفقاً لشرعة الأمم المتحدة، مع تبني (علم العراق الوطني) الفائز في مسابقة عام 2008م.علماً بأن ما أوردته في هذا الموضوع، حقائق دامغة لا علاقة لها بالسياسة، وإنما بتاريخ وطن ذبحه الغزاة المسلمون من الوريد إلى الوريد.
لذلك لا بد من إعادة كتابة المناهج الدراسية وتخصيص حصص مناسبة لدرس (التربية الوطنية) من الصف الثالث الإبتدائي حتى صف الأول المتوسط، وذلك من أجل زرع بذور الإنتماء للوطن وإشاعة روح المحبة والمساواة بين المواطنين.
الأهم من هذا وذاك، التأكيد إما على إلغاء درس الدين من نظام التعليم أو إستبداله بكتاب مختصر ومبسط يقوم بالتعريف بتاريخ الأديان بشكل مبسط ومتسامح، يكتب فصوله أشخاص منفتحون متخصصون بالأديان العراقية، مع التركيز على أن وظيفة الأديان هيّ ترسيخ قيم المحبة والإحترام ما بين البشر. ما عدى ذلك (تقية) وضحك على الذقون ودكتاتوريات دينية – شوفينية
Add Comment أضف تعليق