قراءة في أحدث إصدارات الدكتور صباح ميخائيل يعقوب
د. عامر حنا فتوحي
يواصل الدكتور صباح ميخائيل يعقوب مشروعه الأدبي بإصدار ديوانه الجديد “لؤلؤة على جرف المعرفة”، وهو عمل شعري ثنائي اللغة (العربية والإنكليزية) يعكس رؤية إنسانية وثقافية ناضجة، ويؤكد أن الشعر يظل أحد أرقى أشكال التعبير عن الفكر والوجدان، وأن الكلمة الصادقة قادرة على تجاوز الحدود اللغوية والجغرافية لتصل إلى الإنسان أينما كان.
يضم الديوان مجموعة من القصائد التي تتناول موضوعات المعرفة، والإنسان، والإنتماء الكلداني والوطن، والمحبة، والإيمان، والحكمة، وتأملات الحياة، بلغة شعرية رصينة تمتزج فيها العاطفة بالفكر، وتتنوع فيها الصور البلاغية والإيقاعات الأدبية. كما أن تقديم القصائد باللغتين العربية والإنكليزية يمنح العمل بعداً حضارياً، ويتيح للقراء من مختلف الثقافات الاطلاع على التجربة الشعرية للكاتب، في إطار من الحوار الثقافي والتواصل الإنساني.
الدكتور صباح ميخائيل يعقوب غني عن التعريف، فهو طبيب في مجال أمراض القلب، ومنسق الصالون الثقافي الكلداني في وندزر، كندا، وهو كاتب وشاعر مغترب من أصل عراقي، جمع بين التميز في مسيرته العلمية والمهنية وبين شغفه العميق بالأدب والشعر. وبما أن القلب هو منطلقه في الحياة العملية والمشاعر النبيلة معاً، نراه قد واصل الكتابة والإبداع إلى جانب عمله في المجال الطبي، مقدماً أعمالاً أدبية اتسمت بالنزعة الإنسانية والوجدانية، وعكست اهتمامه بالهوية الكلدانية والتعاليم المسيحية والثقافة وقيم الخير والجمال. لعل من جميل الصدف، أن هذ النبل والصفات الراقية، قد أجتمعت أيضاً في المهندسين والمثقفين الكلدانين المعروفين، الراحل الكبير د. حبيب تومي والمبدع المتميز د. نزار ملاخا، اللذين يجمعهما بالرائع د. صباح ميخائيل يعقوب أنهم ينحدرون أصلاً من ذات القرية الكلدانية الشهيرة (ألقوش) حيث مثوى ومزار النبي ناحوم الألقوشي، ومقر بطريركية بابل على الكلدان لما يقرب من ثلاثة قرون، علاوة على تميزها بجمال نسائها وشجاعة رجالها وحكمة مسنيها.
لعل من أبرز مؤلفات د. صباح ميخائيل يعقوب الشعرية السابقة: تراجيديا… كم مرة كم؟، وومضات الألم الحاضر، وجدائل مزركشة، ومعشر الكلدان… متى نصحو؟، عثرة على عتبة الإيمان، وهي من وجهة نظري كناقد فني عمل لعقود كصحفي في المجال الثقافي، أعمال تنوعت موضوعاتها بين الهم الإنساني، وقضايا الوطن، والتأملات الفكرية، وتحديات الأمة الكلدانية، والهوية الثقافية، حيث تميزت معظم نصوص قصائده باللغتين العربية والإنكليزية بمسحة من التفاؤل المشوب بالوجع، في محاولة لتجاوز حالة الصراع ما بين إهتمامات الذات وهموم الموضوع من أجل إيصال رسالته الأدبية إلى جمهور أوسع من القراء.
تمثل المجموعة الشعرية “لؤلؤة على جرف المعرفة” امتداداً للمشروع الأدبي للأستاذ د. صباح ميخائيل يعقوب، إذ يجمع مشروعه الأدبي والأخلاقي بين القيمة الفنية والرسالة الفكرية، ويؤكد أن المعرفة هي النور الذي يقود الإنسان إلى الرقي، وأن الشعر ليس مجرد فن لغوي، بل رسالة ثقافية وأخلاقية تسهم في بناء الوعي وتعزيز الحوار بين الشعوب.
جدير بالذكر أيضاً أن د. صباح ميخائيل يعقوب لم يخرج في مجموعته الشعرية الجديدة هذه عن أسلوبه المتميز المرتبط بالتراث الشعري الرافدي الكلداني العريق الذي يرجع إلى عصر ملحمة ﮔﻟﮕﺎمش (هو الذي رأى كل شيء) وأسطورة الخليقة البابلية (عندما في العلى)، كما يُعتبرُ أمتداداً ووصولاً إلى شعر الدارمي والأبوذيات العراقية الملتزمة بالموسيقى الشعرية الرافدية العريقة التي تعدُّ لوناً من ألوان الشعر الشعبي الذي يعتمد على الجناس الثلاثي، الطابع الحزين، والبنية الرباعية، وهو ما سبق لي الإشارة إليه في موضوعي الموسوم (جدائل مزركشة، قصائد باللغتين الإنكليزية والعربية، صباح ميخائيل يعقوب)، حيث أكدتُ بأن قصائد د. صباح قيّا: ” تنحو منحى الرباعيات (المربع البغدادي) الذي هو أحد الأساليب الشعرية التي أشتهرت في الثقافتين (السومرية – الأكدية) والتي نجد صداها اليوم في الدارمي والنايل والأبوذية وغيرها من الأوزان الشعرية العراقية التي تدعى بأدب النساء”، علماً بأن ما يطلق عليها تسمية “اللغة السومرية” هيّ أصلاً اللغة التي كانت تدعى (إيمي-سال) أي (لغة النساء) بمعنى اللغة الجياشة بالعاطفة، وقد نشر الموضوع على صفحة نبوخذنصر، كما تم نشره أيضاً في أكثر من موقع ألكتروني.
الحق، يضيف هذا الديوان الذي صدر مؤخراً لبنة جديدة إلى المنجز الأدبي للدكتور صباح ميخائيل يعقوب، ويستحق أن يحظى باهتمام القراء والنقاد، لما يتميز به من لغة شعرية رصينة، ورؤية إنسانية عميقة، وتجربة أدبية تثري المكتبتين العربية والإنكليزية، وتؤكد أن الإبداع الحقيقي يبقى جسراً للتواصل بين الثقافات والحضارات.
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1387303815104165&set=pb.100014736788250.-2207520000&type=3






Add Comment أضف تعليق