Articles Arabic

الكلدان 5300 ق.م – حتى اليوم/أصالة رافدية في مواجهة إدعاءات المحتلين المستعربة

د. عامر حنا فتوحي

توطئة
منذ منتصف تسعينات القرن المنصرم قامت أبواق المستوردين من نساطرة الكلدان الذين جلبهم الإنكليز من حيكاري (تركيا) وأرميا (إيران) عام 1918م وأسكنوهم في مخيم للاجئين في بعقوبة، ببدء هجمة منظمة للسطو على هوية سكان العراق الأصليين (الكلدان)، من أجل إحتواء الكلدان (على تنوع طوائفهم المسيحية). فتصدى لهذه الهجمة المثقفون الكلدان وأحبطوها وسط صمت معيب من المؤسسة الكنسية، إلا من فترة بسيطة أعلن فيها نيافة الكاردينال الراحل غبطة البطريرك دلي بأننا كلدان قومياً.
من الملفت للنظر هنا، أن مُنظّري (التحالف الآشوري العالمي) و(حزب زوعة)، عندما أيقنوا بعد عقود من رفض تركيا وإيران إعادة النساطرة للمناطق التي أستوردهم منها البريطانيون عام 1918م من ناحية، وفشل بريطانيا في إسكانهم خارج العراق، لاسيما بعد فشل تجربة إقامة بعض العوائل النسطورية في البرازيل، وعدم إكتراث عصبة الأمم المتحدة لنداء بطرك النساطرة الكلدان في إيجاد وطن بديل لهم عن العراق الذي لا ينتمون له، بحسب رسالة بطريرك النساطرة الكلدان المؤرخة في 16 آذار (مارس) 1922م.
سقط الأمر بيد قياداتهم السياسية، وتلاشى حلمهم في إيجاد وطن بديل عن الوطن الذي قاموا بخيانته، آخذين بنظر الإعتبار ضآلة عددهم (أقل من 40 ألف) ونسبة لا تتجاوز 4% قياساً بنسبة الكلدان قومياً، التي تزيد عن 80% من مسيحيي العراق، بخاصة وأن هذه النسبة تشير للكلدان الكاثوليك حسب.
فلم يتبق أمام النساطرة المستوردون، إلا أحتواء الكلدان الكاثوليك من خلال أن شق صفهم عبر أساليب الخداع والدهاء السياسي، مستغلين شراكة العامل الديني لتمرير مخططهم الشرير، وذلك من أجل التسلق إلى قمة الهرم المسيحي في العراق من ناحية، ومن ناحية أخرى إعطائهم مصداقية تاريخية في العراق الذي رفضوا عام 1922م الإنتماء إليه أصلاً، كما هو موثق في رسالة بطركهم الموجهة إلى عصبة الأمم المتحدة.
من أجل أن يجدوا حلاً مقبولاً، لاسيما بعد أن فشلت خطتهم في إقناع البطريرك مار إيشاي شمعون 23 بتبني (الهوية القديمة لإقليم آشور) بصفتها هوية قومية. حيث أدى رفض البطريرك مار إيشاي القاطع للتخلي عن هويته القومية (الكلدانية) إلى إغتياله على يد أحد عناصر (التحالف الآشوري العالمي) عام 1975م، ومن ثم بمساعدة بريطانيا عبر واجهة الكنيسة الإنكليكانية، أقيم سينهودس لكنائس النساطرة الكلدان في تشرين ثاني عام 1976م، تم فيه تبني الهوية (القومية الخرافية) الملفقة (الآشورية) قبل خمسين عاماً حسب!
الخطوة الأخرى كانت في قيام رئاسة (التحالف الآشوري العالمي) و(حزب زوعة) بإختلاق (أربعة عشر مغالطة) للتشكيك بتاريخ الكلدان من ناحية، ومن ناحية أخرى للترويج لقومية الآشوريين القدماء الخرافية، وذلك في منتصف عقد تسعينات القرن المنصرم، فقمتُ مثلي مثل العديد من القوميين الكلدان أمثال الأستاذ أبلحد أفرام ساوا والأستاذ سام يونو و د. حبيب تومي و د. نزار ملاخا و د. عبد ألله رابي والشماس الراحل د. ﮔورﮔيس مردو ومن رجال الدين الغيارى مثلث الرحمات مار سرهد جمو والأب الراهب نوئيل ﮔورﮔيس والأب يعقوب يسو، علاوة على سلسلة طويلة من الغيارى الكلدان بالتصدي لتلك المغالطات، حيث قمتُ شخصياً بإستعراض إدعاءات متأشوري عام 1976م الأربعة عشر واحدة واحدة، وتفنيدها جميعاً بالدليل العلمي والبيانات الكتابية (العهدين) والمكتشفات الآثارية، مما ألحق بهم هزيمة منكرة.
لكن برغم الإندحار المهين لمتأشوري عام 1976م، بعد كل مرة أقوم فيها بفضح أكاذيبهم وتفنيدها، فأنهم يواصلون في كل نصف جيل (سبع إلى عشر سنوات) بتكرار طرح ذات المغالطات والأكاذيب من أجل غسل عقول الشباب الكلدان وأحتوائهم، مستغلين (تقاعس وضيق أفق) الغالب الأعم من رئاسات المنظمات القومية الكلدانية وعدم إهتمام الرئاسات الكنسية الكلدانية الكاثوليكية بإشاعة الوعي القومي الكلداني بين الكلدان، بل كانت المؤسسة الكنسية ضمن الطاعنين بالهوية القومية الكلدانية من خلال إستبدال تسمية (اللغة الكلدانية الأم) باللغة السريانية أو السورث، مع أن (اللغة الكلدانية) هيّ ثاني الثوابت القومية الكلدانية الأربعة!
بعد كل مرة نسحق فيها رأس أفعى مدعي القومية الآشورية الخرافية، يلملمون جراحهم ويصمتون تكتيكياً لبعض الوقت على مضض حتى تمر العاصفة، لكي يعاودوا ثانية إثارة الفتنة بين الكلدان، كما حدث بعد تعميم رسالتي الموجهة للحكومة الأمريكية عام 2015م عبر واجهة (المركز الثقافي الكلداني الأمريكي). حيث لاذ المتأشورن النساطرة بالصمت وهم يلعقون مرارة الهزيمة، فيما قام مجلس النواب الأمريكي عبر واجهة وزارة الخارجية بإعادة توزيع المساعدات المادية لمحتاجيها من المسيحيين، بدلاً من تقديمها لحزب زوعة حسب، وفق آلية سابقة صادقت عليها نانسي بيلوسي بتخطيط من عضوة مجلس نواب ولاية كاليفورنيا (آن إيشو) المتعاونة مع زوعة، حيث صورت الزوعوية أن إيشو لنانسي، بأن جميع المسيحيين العراقيين هم آشوريين وأن ممثلهم الشرعي هو كنّا.
رسالة المركز الكلداني إلى وزير خارجية أميريكا آنذاك (جون كيري)، أدت إلى قيام الحكومة الأمريكية ممثلة بسبعة عشر عضواً من مجلس الشيوخ، بإعادة تنظيم نسب الدعم المادي بصورة عادلة تتناسب مع أحتياجات المسيحيين وفق نسبهم العددية الموثقة في دائرة أوقاف المسيحيين. أنظر الرابط أدناه:

https://kaldany.ahlamontada.com/t4658-topic

رسالة رئيس المركز الثقافي الكلداني الأمريكي إلى وزير خارجية الولايات المتحدة جان كيري
مع ذلك وبرغم كل الهزائم والفضائح، ما زال متأشورو عام 1976م يكررون دونما خجل إستخدام ذات الأكاذيب والمغالطات وذات التكتيك في كل سبع إلى عشر سنوات، آملين أن ينجحوا في إحتواء الجيل الكلداني الجديد الذي لم يتح له الإطلاع على هزائمهم وفشل إدعاءاتهم ومساعيهم الخائبة السابقة.

من المؤسف حقاً، أن الغالب الأعم من متأشوري عام 1976م وبعض الكلدان المغسولي العقول، عبارة عن قطيع جاهل من مرضى الوهم، حتى لو واجهتهم بحجم جبل من الحقائق، فأنهم يفضلون السير كالعميان وراء رئاساتهم التي تجمع بين الدين وبين السياسة، وأن يظلّوا قطيعاً مغسول العقول على أن يعترفوا بحقيقة أنهم (كلدان نساطرة).
هؤلاء الكلدان النساطرة الذين أثبتوا من خلال تبنيهم لهوية إقليمية بائدة (أقليم آشور) الذي أسسه البابليون الكلدان، بأنهم ليسوا بأكثر من خليط من الجهلة والأغبياء، الذين يجهلون أو يتجاهلون بأنه لم يكن هنالك على طول تاريخ وادي الرافدين (لغة أو قومية آشورية)، بدليل أن قومية مؤسسو مملكة آشور منذ عام 1813م حتى 612م كانوا فرعاً من البابليين الكلدان، وإن قومية السلالة الوطنية في بابل وآشور كانت (كلدانية).

هذا ما تم أثباته بالدليل العلمي والمكتشفات الآثارية والوثائق التاريخية وبيانات الكتاب المقدس، وما أكدته مؤلفات المؤرخين الكلاسيكيين، وما قمتُ شخصياً ببرهنته عبر مؤلفاتي العديدة منذ عام 1988م حتى اليوم. أنظر المصادر في ذيل الدراسة.
أدناه قائمة بالمغالطات التي تكررها رئاسات متأشوري عام 1976م، التي يكررها ليل نهار أبناء هذه الطائفة المصابة بوهم العظمة كالببغاءات، وهيّ المغالطات التي قمت بتسفيهها كما أسلفت وتفنيدها منذ عام 1999م:

أولاً. إدعاء أن الكلدان طائفة حسب.
ثانياً. إدعاء أن كلدان اليوم ليسوا كلدان الأمس ، أما الآثوريون فهم أحفاد آشوريي الأمس.
ثالثاً. إدعاء أن الكلدان لم يكونوا شعباً وإنما كهنة وسحرة وعرافين.
رابعاً. إدعاء أن الكلدان قد حكموا وادي الرافدين لفترة لا تتجاوز ثلاثة أرباع القرن.
خامساً. إدعاء أن سكان القرى المسيحية (دشتا وطورا) هم آشوريون وليسوا كلداناً.
سادساً. إدعاء أنقراض الكلدان بعد سيطرة المسلمين على وادي الرافدين.
سابعاً. إدعاء أن منجزات جيش دولة آشور هي منجزات قومية.
ثامناً. إدعاء أن شمور آمات (شميرم) آشورية قومياً.
تاسعاً. إدعاء أن العهد القديم يصلح ككتاب مدرسي للتاريخ.
عاشراً. إدعاء أن مصطلح (علم الآشوريات) يعني علم تاريخ وادي الرافدين.
أحد عشر. إدعاء أن الإستخدام المجازي (اللغة الآشورية) يثبت قومية الآشوريين.
أثنا عشر. إدعاء أن إقليم الشمال كان يسمى آشور منذ العصر المجهول وحتى اليوم.
ثلاثة عشر. إدعاء أن السريان والآشوريين الأوائل / الشوباريون هم عرق واحد.
أربعة عشر. إدعاء تعذر معرفة إنتساب الناطقين باللغة (الكلدانية) إلى بابل أم آشور؟
إنتباهة: أستخدمت في الأدعاء الرابع عشر، في كتابي لعام 2004م (عبارة الناطقين بالسورث) الشائعة بين عامة المسيحيين الكنسيين، لكنني أوضحت في متن الموضوع بأن المقصود هو اللغة الكلدانية.

من أجل معرفة أدق حول زيف هوية متأشوري عام 1976م، يمكنكم الإطلاع على الوثائق التاريخية الدامغة المعتمدة في الفديو الوثائقي أدناه من إخراج إيدي أسمر وإنتاج قناة معارف رافدية:

www.youtube.com/watch?v=j-8GMCgxkYw

من هم النساطرة الكلدان متأشورو القرن العشرين؟

المستعربة يدخلون ساحة النزال!
منذ ما يزيد عن عام والمنصات الصفراء تشتعل بهجوم مبرمج في المركز والإقليم للسطو على هوية ومكانة سكان العراق الأصليين الكلدان، بإستخدام متعصبين (مستعربة) مغرر بهم أو مدفوعي الثمن ممن يمتلكون شهادات علمية، لكنهم لا يمتلكون الشعور بالمسؤولية المهنية، الأنكى أن هؤلاء المحسوبين على الأكاديميين، يستخدمون في مهاجمتهم للكلدان (سكان العراق الأصليين)، ذات التكتيك الذي دأب متأشورو عام 1976م إستخدامه، آملين تشتيت شمل الكلدان بدعم من مؤسساتهم (العربية – الإسلامية) المهيمنة على القرار العراقي، لإحتواء الكلدان تحت سقف التسمية القومية (العروبية) المطاطة والمجهولة الجذور.

أنظر موضوع (أفتخروا أيها الكلدان لأنكم وحدكم سكان العراق الأصليين) على الرابط أدناه:

https://kaldaya.me/2024/01/18/24914

 عندما يتعلق الأمر بمناقشة مواضيع علمية جادة ورصينة، فأنني مثل أي أكاديمي يحترم عقول القراء، أتجنب التأثير العاطفي وأحتكم للدليل العلمي والأثبات التاريخي، علاوة على المدونات والمكتشفات الآثارية. لكن ما يبعث على القرف حقاً، أن تصدر بين حين وآخر تصريحات صادمة من بعض المستعربة المحسوبين على حقل الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية بدوافع شوفينية أو بدافع الشعور بمركب النقص تجاه سكان الشرق الأوسط الأصليين، الخاضعين منذ قرون للإحتلال الإسلامي.
كما أن دوافع بعضهم نعرفها مثلما نعرفهم جيداً، لكننا لن نخوض فيها، لأن ما يهمنا في دراستنا هذه، هو (تفنيد النص) وليس مهاجمة أو تعرية  دوافع الشخص، لاسيما وأن معرفتنا لسلوكيات شخص ما شيء، وأثبات تلك السلوكيات هو شيء آخر. لذلك سنحتكم في دراستنا هذه إلى المدونات التاريخية وبيانات الكتاب المقدس والمكتشفات الآثارية حسب.
لعل آخر ما طلع به علينا أحد المتهجمين الأكاديميين على الكلدان مؤخراً في لقاء تلفزيوني على قناة عربية، حيث صرح بأسلوب تمثيلي، بأن الكلدان مجرد طائفة تابعة للفاتيكان، وبأن كلدان اليوم ليسوا كلدان الأمس!
الغريب هنا، أن هذا الأكاديمي، قد سبق له وأن زارني في مكتبي في الولايات المتحدة، ومثلما أهداني أحد كتبه، أهديته نسخة من كتاب (الكلدان منذ بدء الزمان)، بمعنى أنه مطلع وبشكل جيد على الأثباتات العلمية والتاريخية التي تفند إدعائه الذي صرح به تلفزيونياً وبشكل قاطع وحاسم، وهيّ ذات الإدعاءات التي أبتدعها النساطرة المتأشورون وقمنا بتفنيدها منذ أواخر تسعينات القرن المنصرم، فما هو مبرر إطلاقه لتصريحه ذاك مع يقينه بأنه تصريح كاذب؟!
ان مراجعة بسيطة للإدعاءات الأربعة عشر التي أبتكرها أعداء الكلدان (النساطرة المتأشورين)، تبين بكل وضوح وجلاء بأن المستعربة يسلكون ذات الدرب الفاشل الذي أودى بكارهي الكلدان إلى هزائم منكرة دون أن يستوعبوا الدرس الذي لقنه ويلقنه الكلدان لمتأشوري عام 1976.
لهذا الأكاديمي الذي ورط نفسه فيما لا قدرة له على مواجهته، أحيله علاوة على ما أحتواه كتابي لعام 2004م إلى كتابي لعام 2021م (كالدين ﻟﻴﮕﺎسي)، وإن كان لا يجيد اللغة الإنكليزية بإتقان، فأنني أدعوه لأن يستعين بمن هو متمكن من اللغة الإنكليزية ليترجم له ما يحتويه الكتاب، لاسيما الفصل المعنون (الكلدان من القرن الأول حتى القرن الحادي والعشرين)، الذي يحتوي على أدلة مادية ووثائق تاريخية ومكتشفات آثارية، تؤكد بشكل دامغ بأن كلدان ما قبل الميلاد هم ذاتهم كلدان اليوم.
من المفيد هنا أن نميز بين (الجاهل) الذي لا يعلم أو لم تتح له فرصة التعلم، وبين (الغبي)، الذي لا قدرة له على أن يفهم أو من يرفض أن يتعلم. لذلك أدعو من يجهل تاريخ الكلدان، لاسيما العراقيين العرب، أن يتعلموا قبل أن يورطوا أنفسهم بما لا قدرة لهم على مواجهته. لعل أفضل ما يفيد بهذا الشأن أن يقرأوا ويناقشوا كتبي بأسلوب علمي، لأنني على يقين بأن من يتهجم على الكلدان، هو إما غير مطلع على كتبي وجلها باللغة الإنكليزية، أو أنه غير مؤهل أصلاً لمناقشة كتبي والإعتراف بما فيها من حقائق دامغة، أو أن دوافعه لا علاقة لها بالبحث العلمي أصلاً، لاسيما إذا ما كان شخصاً متعنتاً أو منحازاً، لأنه لن يقتنع، حتى لو أثبتنا له بأن الشمس تشرق من الشرق!
الحق أن حجم الزيف وإشاعة الأباطيل حول (الكلدان) سكان العراق الأصليين كان وما يزال ديدن محتلي وطننا الأم، لأن هذا النوع من البروبكاندا يساعدهم على فرض هيمنتهم على أهل البلاد الأصليين وضمان طاعة المواطنين الأصليين، من خلال والتعتيم على التاريخ الصحيح لوادي الرافدين والتلاعب به ومن ثم تقديمه بما يتلائم ومصلحة المُحتَل، ولعل خير مثال على هذا التوجه الإحتوائي، أن كتاب التاريخ للصف الأول المتوسط يتناول تاريخ وادي الرافدين منذ العصور المجهول حتى سقوط الإمبراطورية البابلية الحديثة عام 539 ق.م. دون تناول عصر الثورات الكلدانية التي تم قمعها بوحشية في تشرين أول عام 482 ق.م.، لذلك يستذكر الكلدان كل عام في السادس من تشرين أول ذكرى (يوم الشهيد الكلداني).
أن خير أداة في كسر إرادة الشعوب الأصلية والشعوب عامة، تتمثل في إستخدام مجالي التعليم (المناهج الدراسية) والإعلام، القادرين على إغراق الحياة اليومية بمعلومات وتصريحات وأكاذيب كبيرة يتم تكرارها ليل نهار، من أجل أن يؤمن بها عامة الناس كحقائق، وهذا ما كشفه جورج أرويل في روايته الشهيرة 1984.
من بين تلك الأكاذيب والأباطيل التي يصدع بها المستعربة رؤوسنا، من أجل أن يثبتوا عراقتهم، الترجمة الخاطئة والعنصرية لما يرد في (المسلة السوداء) لملك آشور شلمنصر الثالث، وما يرد في وصف مدينة (حترا) الحضر باللغة العربية، وذلك بأسلوب يخدم إدعاءات العرب الباطلة.
ذلك أن هذين الإدعائين يمثلان (إفتراضياً) ذروة الأسس العلمية التي يدعيها بعض الأكاديميين المستعربة للتأكيد على قدمية العرب وتواجدهم قبل الميلاد، وهو ما سأقوم بتفنيده هنا، بشكل علمي لا غبار عليه.
المعنى اللغوي الدقيق لمفردات عروو وعروايي وعروا
التي تُفسر خطأً بمعنى (عرب)
يقول جورج أرويل: “مهما أمعنت في نكران الحقيقة، فأن الحقيقة لا بد أن تُعرف”، وهذا يتطابق تماماً مع ما جاء في متى 10 : 26. ” لاَ تَخَافُوهُمْ. لأَنْ كُلُّ مَسْتُورٍ يُعْلَنُ، وَكُلُّ خَفِيٌّ يُعْرَفَ”.
بخصوص عبارة (شيخ أو زعيم البدو) التي يأتي ذكرها في (المسلة السوداء) للملك شلمنصر الثالث، وعبارة مدينة الصحراء التي تصفُ مدينة حترا، سبق لي وأن كتبتُ دراسة كان يفترض بي نشرها ضمن كتابي (الكلدان منذ بدء الزمان) الصادر في الولايات المتحدة عام 2004 وفي العراق عام 2008م، لكنني آثرتُ نشرها باللغة الإنكليزية ضمن كتابي (ذا أن تولد ستوري أوف نيتف إراكيس | القصة اللا مروية عن سكان العراق الأصليين) الصادر في الولايات المتحدة عام 2012م. أنظر قائمة المصادر المرفقة.
علماً بأن أصل هذه الدراسة كان فصلاً من كتابي لعام 1988م (أور الكلدان رؤية عراقية)، كما تضمن بعض تفاصيل هذه الدراسة الجزء الثاني من دراستي (الفن العربسلامي بين الواقع والوهم)، التي تم نشر جزئها الأول في (جريدة الجمهورية) في منتصف ثمانينات القرن الماضي، عندما كان الزميل د. ماجد السامرائي مسؤولاً للصفحة الثقافية، مع ذلك، منعت سلطة الرقابة نشر الجزء الثاني، بسبب فضحي حقيقة أن ما يسمى زوراً بأسم (الفن العربي الإسلامي) المستخدم في عهد الدولتين الأموية والعباسية، لم يكن إلا نتاجاً محلياً أبدعه الفنانون الكلدان في وادي الرافدين، والسوريون والفينقيون ويهود إسرائيل وأقباط مصر ونوميديي ليبيا وبربر وأمازيغ المغرب في بلدانهم، وبأن تلك المنجزات التي جيرها المحتلون كذباً تحت تسمية (الحضارة العربية الإسلامية) لم تكن (عربية) أو (إسلامية)، وإنما كانت أمتداداً طبيعياً لمنجزات حضارة تلك البلدان.
كما أدى رفضي الإنتماء لحزب البعث ورفضي لعروض تحصرني في زاوية الإنتماءالعروبي، منها رفضي لعرض (جمعية الفنانين العرب) بما فيها من أمتيازات، لكوني (كلداني) ولست عربياً، علماً بأن الفنان الكبير والصديق الطيب القلب (إسماعيل فتاح الترك) رئيس الجمعية دافع عن موقفي وقام بمحاججة الداعين لمعاقبتي. كما رفضت كتابة مقدمة الصفحات التي يكتبها رؤساء الأقسام في مجلة فنون إبان رئاستي لقسم الفنون التشكيلية والتاريخ والعمارة، بمناسبة تأسيس الحزب أو ولادة صدام، وكان الأستاذان د. محمد الجزائري ومحمد شمسي يغطيان على مواقفي تلك كلما طالبهما وكيل الوزارة نوري المرسومي بتفسير عدم كتابتي مقدمة صفحات القسم في تلك المناسبات، مثلما رفضتُ إستلام هبات عدي صدام التي خصصتها اللجنة الألمبية للمثقفين والفنانين والصحفيين والرياضيين، حيث كنتُ مستحقاً لثلاث هبات شهرياً، ويعلم الصديق د. صفاء صنكور الذي قام بمساعدة بعض المثقفين العراقيين الطيبين بتسويف الموضوع حتى أتيحت لي الفرصة للخروج من العراق، بخاصة، وأن مواقفي الفكرية الواضحة والمعلنة، التي تؤكد على الحرية والعدالة وتمييز مكانة سكان العراق الأصليين (الكلدان)، التي تناولتها بجرأة في لقاءاتي المرئية والمسموعة والمقروءة، نشر بعضها في صحف عالمية كصحيفة (اليمامة الدولية) وصحيفة (كل العرب) كانت تضعني في صدام بارد مع السلطة، علاوة على مهاجمتي للنافورة المسخ التي أمر صدام بوضعها تحت نصب الحرية، ومواقف أخرى عديدة، منها رفضي إستلام قسم الفنون التشكيلية في جريدة القادسية إبان رئاسة أمير الحلو، برغم الوعد بسحبي من الجبهة بمجرد موافقتي على التوقيع بصفة مؤيد حزبي ودوامي في الجريدة ليوم واحد في الأسبوع، كما رفضت إستلام القسم التشكيلي في جريدة الجمهورية إبان رئاسة سعد البزاز، مما أدى إلى حرماني من المشاركة في البينالات الفنية العالمية التي كنتُ أدعى إليها، علاوة على تسويف فوزي بجائزة تصميم (علم العراق الوطني) عام 1986م، ومن ثم إعتقالي وتعذيبي لأكثر من مرة مع ثلاثة أحكام أعدام.
الأنكى أن يتهمنا اليوم بجريمة (الإستعراب والتواطؤ مع النظام) من كان بالأمس يعمل بصفة ملازم أول في المخابرات العراقية، بمعنى (كنّا) ومن لف لفه من النساطرة الكلدان من مخبري السلطة.
جميع هذه التفاصيل موثقة في صحف عراقية وعربية ومنظمات حقوق الإنسان، كان آخرها التقرير الذي نشرته المجلة الأكاديمية الأميريكية (وورلد ليتريجر تودي)، حيث تم أختياري كأحد (أهم عشر مبدعين في العالم) ممن واجهوا ديكتاتوريات بلدانهم وتعرضوا للإعتقال والتعذيب. أنظر رابط (أصوات ضد الظلام) أدناه:

chrome-extension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://www.amerfatuhiart.com/images/WLT-Nov09-prison-section.pdf

كما أسلفت، يروج بعض الكتاب العرب خطأً، بأن أول ذكر للعرب قد جاء بشكل واضح في (المسلة السوداء) لملك اشور، شيلمنصر الثالث 858-824 ق.م. بشكل لفظة (عَربَيا،) وأيضاً (عريبو) التي كانت صفة مفردة، تدل على أحد فراد القبائل البدوية المتنقلة التي كانت تقطن منطقة ﭘﺎراﭘﺎتوميا (بادية العراق والشام)، حيث يذكر الملك شلمنصر الثالث، حملته على ملك دمشقا (حدد عزر) وعلى حليفه جندب عَربَيا، التي يترجمها العرب إلى (عربي)، ذلك أن غالبهم الأعم يجهلون قواعد اللغة (الآرامية البابلية) المنحدرة من اللغة الأم (اﻟﭘروتوكلدية)، أنظر طه باقر، ص 70 (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة) 1974م. أنظر أيضاً د. حياة أبراهيم، ص 33 (نبوخذنصر الثاني) 1983م.
حيث يذكر النص المستل من (المسلة السوداء) بأن شيلمنصر قد أخذ من جندب العربي (حسب الترجمة العربية) ألف جمل. أنظر شاكر مصطفى في كتابه الموسوم (العرب في التاريخ) ص 8.
كما جاء ذكر قبائل صحراوية أخرى بذات التسمية، لكن بصيغة الجمع (عربايي) تلفظ (عروايي)، قصدهم الملك الكلداني نبونائيد 555- 539 ق.م في واحات تيمو/ تيماء (التي بنى فيها قصره المشابه لقصر نبوخذنصر)، وأيايثريبو/ المدينة وأدومو/ دومة الجندل وددانو/العلا وﭘداكو/فدك وخيبرو/ خيبر ويدعوتو/ يدعوت أو الحويط، من أجل فتح طرق جديدة للتجارة، وهي ذات القبائل التي كان يفترض بها أن تعضد الجيش البابلي في حربه ضد كورش الأخميني فنكثوا بوعدهم ولم يرسلوا بمقاتليهم إلى المعركة.
كما وردت  أيضاً مفردتي (عربو وعربيي) حوالي عام 176/177 م، حسب إعتقاد البعض الآخر، في كتابات، ملك مدينة الحضر (سنطروق/ سين طروقا)، الذي يعني أسمه في اللغة الآرامية (الإله سين الرئيس أو الذي ينفع)، علماً بأن معنى (حترا) هو (المرفهة)، حيث وردت عبارة: “سنطروق ملك “عربو” التي كان من المفترض أن تُقرأ “عَروو” بمعنى (الغرب/البادية/الصحراء)ـ وليس “عربو” أو “العرب” (كما يلفظها ويترجمها المستعربة خطأً)، لغرض الترويج لها بأنها تعني مدينة العرب.
أن ما يفند عربية حترا ويؤكد كلدانية المدينة علاوة على معناها اللغوي الصحيح (مدينة الصحراء)، ما جاء في معجم الشعراء – المرزباني – ج١ – الصفحة ٢٠٥، حيث يرد فيه: “الساطرون بن أسيطرون ملك الحضر وهو (الجرمقاني) من أهل الموصل، بمعنى كلداني من نينوى”.
حول مفهوم الجرامقة/ الكلدان، أنظر ص 6 من (طبقات الأمم)، لصاعد الأندلسي. أنظر أيضاً (الجرامقة للكرملي) لغة العرب، السنة الثالثة-الجزء الرابع، ص169. وفي كلا الحالتين فأن مفردة عربو لا تعني (العرب) بأي حال من الأحوال.
الحق، أن ما لا يعرفه هؤلاء الكتاب العرب الذين يجهلون قراءة النصوص الآرامية والعبرية والكلدانية، المنحدرة من اللغة الأم (اﻟﭘروتوكلدية)، أن حرف الباء في “عربو” مركخاً أي ضعيفاً، وعندما يكون الحرف ضعيفاً أو مليناً تقلب الباء (واواً) عند القراءة، وهذا سياق قواعدي معروف في اللغتين الكلدانية والآرامية، مثلما تقلب الباء إلى (ﭭيه) في اللغة العبرية، بدليل أن اليهود يلفظون اسم مدينة (تل أبيب) البابلية الأصل بصيغة “تل أﭭﻴﭪ”، لأن اليهود ينطقون الحرف (ب) الضعيف (ﭪ) في اللغة العبرية، مثلما يلفظون أسم “بابل” بصيغة “بافل”، فيما نلفظ نحن الكلدان أسم (بابل) في اللغة الكلدانية “باول”، علماً بأننا في الكلدانية الحديثة، يجوز لنا عدم تليين حرف (بيث) في كلمة بابل.
تأكيداً على عدم مصداقية ترجمات بعض المستعربة الموهومين بقدمية العروبة، فقد أستعرضتُ هنا هذا الموضوع الأكاديمي المحض وبينتُ خطأه (تاريخياً ولغوياً)، مؤكداً على المعنى الدقيق للمفردات الأصلية الواردة في (المسلة السوداء) وصفة مدينة (حترا)، التي تدل حصراً على (الغرب والصحراء والبادية)، ولا تعني مطلقاً (مدينة العرب)، الذي يعتمده بعض المستعربة بسبب التقارب اللفظي من أجل خلط الأوراق وتعميم الإدعاءات الخاطئة المتعلقة بترجمة مفردة “عروو”. مثلما أستعنتُ بإقتباسات من مؤرخين ومختصين في حقلي التاريخ والسوسيولجي لتأكيد بطلان إدعاء المستعربة.
من البديهي أيضاً، أن الحضريين في بداية تأسيس دولتهم كانوا مزيجاً من الآراميين البدو (سكان منطقة ﭘﺎراﭘﺎتوميا) والكلدان المتحضرين المهجرين والمهاجرين من بلدات سهل نينوى إلى مدينة حترا (الحضر) الصحراوية، التي أشتهرت بمناعة حصونها وثرائها، لكونها مدينة ستراتيجية تطل على طرق التجارة في شمال الرافدين، بدليل أن معنى كلمة الحضر، حترا أ باللغة الكلدانية هو (المرفهة أو المنعمة)، علماً بأن كل ما هو مرفه يستقطب الناس. حول الآراميين أنظر ص 34 من كتابي لعام 2004 (الكلدان منذ بدء الزمان).
أما لغة مدينة الحضر (حترا) كما تبين لنا من النصوص المكتشفة، فقد كانت الآرامية البابلية (كتابة ونطقاً)، وهيّ اللغة المنحدرة من اللغة اﻟﭘروتوكلدية الأم (لغة الكلدان الأوائل)، وهو ما تم إثباته في أكثر من دراسة أكاديمية منها كتابي لعام 2021م (كالدين ﻟﻴﮕﺎسي)، علماً بأن الآرامية البابلية الحضرية، كانت لغة الدولة الرسمية ولغة الشارع الحضري في آن واحد، بمعنى أدق اللغة الأساسية، لأن الحضريين لم يستخدموا لغة أخرى بإستثناء الفرثية التي لم تستخدم أصلاً على مستوى المراسلات الحكومية من قبل الفرثيين أنفسهم، وإنما أستخدمت الفرثية بشكل محدود في مجال التعامل التجاري اليومي مع التجار الفرثيين الوافدين إلى حترا، وهذا ما أكدته بحوث (ندوات الألفية الخامسة للكتابة) التي أقيمت في بغداد عام 2001 م.
جدير بالذكر أيضاً، أن عدداً من اللغويين والباحثين التاريخيين قد توصلوا إلى أن المعنى الدقيق للكلمات عَرَبا (تُنطق: عَرْوا)، وعَرَبو (تُنطق: عَرْوُو)، وكلمة عَرَبايي (تُنطق: عَرَوايي)، التي فُسرها المترجمون المستعربة خطأً بأنها تعني “العربية” (للأرض) و “العرب” (للشعب)، تتناقض تماماً مع الواقع التاريخي للمنطقة وسكانها.
يفسر الأستاذ الدكتور لبيب ميخائيل هذا الالتباس اللغوي/العرقي/التاريخي في التمييز بين المعنى الدقيق لهذه الكلمات وإستخدام غلاة المستعربة الخاطيء لها في كتابه (أسطورة بناء الكعبة وذبح إسماعيل)، حيث يؤكد: “أعتاد سكان بلاد ما بين النهرين أن يطلقوا على سكان الصحراء (عَرَ-ب/و-ا)، أي كلمة (الغرب). لذلك كانوا يطلقون على جميع سكان شبه الجزيرة العربية، غرب وجنوب منطقة بابل، ‘عَرَبي’ كتابة و’عَرَوي’ نطقاً.”
أن رأي البروفيسور ميخائيل هذا يتوافق مع إستخدامنا اليوم باللغة الكلدانية لمفردتي “مدنحا” بمعنى الشرق أو التحضر وكلمة (عربا) التي تنطق “عرووا”  بمعنى الغرب، الدال على البداوة وعدم التحضر.
يتوافق هذا أيضاً مع إستخدامنا القواعدي للتمييز بين قلم “مدنحا أو مدنحايا” بمعنى الشرق/المشرقي، الدال على كل ما هو (شرق الفرات)، والذي يشير ضمناً للمدنية والتحضر.
فيما نستخدم كلمة “معروايا أو عروايا” بمعنى ا(لغرب) أو قلم غرب الفرات (البادية)، الذي يشير ضمناً لحياة البداوة. للمزيد، حول (تطور نظام الكتابة الرافدية) ومسميات أقلامه وتواريخها، أنظر قاموس كلداني عربي، المطران أوجين منّا الكلداني ص 565 وكذلك كتاب دليل الراغبين في لغة الآراميين ص 565، أنظر كذلك قاموس إنكليزي كلداني، شموئيل داود ص 409. أنظر أيضاَ الجدول التوضيحي في الصفحة 340 من كتابي (كالدين ﻟﻴﮕﺎسي) الصادر في الولايات المتحدة عام 2021م.
ذات التفسير الذي أستخدمه في دراستي هذه لشرح المعنى الدقيق لكلمات (عروو وعروايي وعروا) الدالة على البدو، يؤكده الباحث السوري شاكر مصطفى في كتابه الموسوم (العرب في التاريخ) ص 8، حيث يؤكد بأن: “كلمة (عربي وعرب) كان يطلقها (البابليون) على سكان البادية في غربهم” (بادية العراق والشام)، أي منطقة ﭘﺎراﭘﺎتوميا، “فهم عرب لأنهم يسكنون الغرب (لأن البابليين لم يكن لديهم حرف غ)”.
مما يؤكد دونما لبس أو غموض، بأن المعنى الحرفي لهذه التسمية (جغرافي) وليس (عرقي)، كما يشير ضمناً وبشكل واضح وجلي لحياة (البداوة)، وبأن جميع هذه الإستخدامات الآنفة الذكر، قد أستنبطت من وصف (نمط حياة) هؤلاء السكان و(أماكن تواجدهم)، وليس لها أية دلالة قومية.
جدير بالذكر، أن خطأ الرومان في عدم التمييز بين المعنى الحَرفي والمحلي لمفردة (عربا) وبين إستخدامها كدلالة جغرافية، قد أدى إشاعة مغالطة (العروبة) بدلاً من (البداوة).
ذلك أن المفهوم الدال على البادية، قد ورد بكل وضوح في العهد القديم، الذي تؤكده مفردة (عربا) أي (برية فاران) الواقعة جنوب يهوذا والمحاذية لصحراء سيناء، التي يكتبها الكلدان والعبرانيين بحرف ألف المد (عربا)، فيما يكتبها العرب بالتاء المربوطة (عربة).
من هذه البرية (عربا) أستخدم بطليموس في جغرافيته عام 150م تسميات (عربية الحجارة) على (منطقة أدوم) التي تشتهر بالبتراء المنحوتة في الصخر، و(عربية الصحراء) على (منطقة الحجاز) و(العربية السعيدة) إشارة لمنطقة (اليمن).
لكن برغم إستخدام الرومان لهذه التسميات الخاطئة لتحديد جغرافية المنطقة، فأن السكان المحليين لم يعتمدونها مطلقاً، بل بقوا ينسبون تلك المناطق بحسب من يسكنها من القبائل، ذلك أن جل سكان الصحراء كانوا من البدو الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، بل أن العرب لم يعرفوا الكتابة أصلاً، إلا عندما أخذ مرامر بن مرة الأنباري حروفاً عن (السريانية)، أي قلم مسيحيي الرافدين (الكلدان)، فنقلها بشار الكندي إلى مكة في أواخر القرن السادس للميلاد. أما الخط المستخدم اليوم فقد أخذه أبو علي محمد بن مقلة عن (كلدان الكوفة) في عهد المقتدر والقاهر العباسيين في حدود 950م، ثم طوره أبن البواب بعد قرن. أنظر جورج سال، حقائق عن العرب في الجاهلية، ص 48.
حول كون السريان (المسيحيين) الرافديين كلداناً (قومياً). أنظر طبقات الأم، صاعد الأندلسي ص 6. أنظر أيضاً التنبيه والأشراف، أبو حسن المسعودي، ص 6.
لأن المسلمين المستعربة يولون أهمية للقرآن وأحاديث نبي المسلمين، فأنني سأستعين بهذين المصدرين لأفند إدعاءات المستعربة، ذلك أن ما يؤكد بأن (عروو وعروايي وعروا) التي تشير للغرب والبداوة لا علاقة لها بالإنتماء القومي، فأن ذلك مثبتٌ في سياق أحاديث نبي المسلمين والقرآن، حيث يُشير هذان المصدران بأن معنى العَرَب (بفتح العين والراء)، إنما يشير إلى سكان الحواضر والمدن والمستوطنات (مثل مكة والمدينة)، بينما الأعَراب (بهمزة قطع وفتح العين) تعني أهل البادية والبراري (الرحل).
يتضح أيضاً من سياق الحديث والقرآن، بأن العرب هم (أصل الجنس)، أما الأعَراب فهم (البدو) بمعنى لا علاقة لهذه التسمية بالعرق (القومية)، وهذا يفند دونما لبس أو غموض إدعاء أن بدو البادية الغربية ومنطقة (عربا) أي برية فاران يدلان على جنس (العرب)، لأنهم أعراب (رحل). أنظر سورة التوبة، الآية 97.
يتبين من هذا الشرح الوافي والمصادر الآنفة الذكر، بإن الترجمة الواقعية لما ورد في (المسلة السوداء) التي يتعمد بعض غلاة المستعربة ترجمتها خطأً بصيغة (حملات تأديبية على العرب)، وكذلك نص ملك حترا (سنطروق/ سين طروقا)، الذي وردت فيه عبارة (سنطروق ملك عربو/عروو) التي يتعكز عليها بعض المستعربة كدليل على تاريخية وجودهم، ما هيّ إلا إدعاءات باطلة، لأن النصوص الأصلية، كما تم شرحها، تعني حرفياً: (حملات تأديبية على سكان البادية أو المناطق الرعوية)، وأن (سنطروق) هو (ملك الغرب أو البادية)، وكلا الترجمتان لا علاقة لهما بالإنتماء القومي أو بالعروبة من قريب أو بعيد.
حول مفهوم الغرب، أنظر (الأتجاهات في الفكر العراقي المحلي)، الصفحات 197-199 من كتاب (الكلدان منذ بدء الزمان). أنظر أيضاً د. لبيب ميخائيل (أسطورة بناء الكعبة وذبح إسماعيل).
حول كيفية نطق المفردات، أنظر: (قاموس كلدانى عربى) – للمطران يعقوب أوجين منّا، 1892م.
أنظر أيضاً (القاموس الشامل لأصول الكلمات في اللغة العبرية للقراء الناطقين بالإنجليزية)، جامعة حيفا، دار نشر كارتا أورشليم. علماً، أنني شخصياً أفضل في ترجماتي، القاموس العملي، (قاموس لانغنشايدت العبري-الإنكليزي للعهد القديم).
كما أنصح من يهتم بقراءة اللغة الآرامية القديمة، بمراجعة (المعجم الآرامي الشامل)، منشورات كلية الاتحاد العبري، سينسيناتي، الولايات المتحدة الأمريكية، 1985م.
الكلدان سكان العراق الأصليين، نبض بلاد ما بين النهرين
وليس المستعمرون، الفرس، أو العرب، أو الأكراد!
بعد أن قمت بتفنيد ودك الدعامتين الأساسيتين اللتين يعتمدهما المستعربة للإيحاء بعراقة تاريخهم الوهمي (المسلة السوداء) و(حترا)، تعالوا معي في رحلة شيقة لتفنيد والسخرية من إدعاءات المستعربة الأخرى التي يشيعونها ليل نهار، ويصدقها الغالب الأعم من الشعوب الناطقة بالعربية، بسبب تكرار إستخدامها اليومي في المناهج الدراسية والإعلام، لاسيما ونحن نعيش (عصر تفاهة المنتج الإعلامي)، في زمن تساوت فيه فرص التعبير والكتابة بين المُحترف والهاوي أو المتطفل على الثقافة على حد سواء، تماماً مثلما ساوى المسدس في القتال بين الفارس والجبان. من هذه الأباطيل والأدعاءات:
أن فضل (العرب) على العالم، هو أنهم أبتكروا (القلم المسماري)، بحسب كتاب (العرب في التاريخ) لشاكر مصطفى، حيث يقول: ” كفى العرب أنهم أول من حاول التعبير عن الفكر كتابة في الخط المسماري ببابل!
علماً بأن العرب لم يعرفوا الكتابة إلا عندما أخذ مرامر بن مرة الأنباري حروفاً عن السريانية، بمعنى (قلم كلدان الرافدين) كما بينا ذلك آنفاً، فنقلها بشار الكندي إلى مكة في أواخر القرن السادس للميلاد!
أنظر العلامة جورج سال (حقائق عن العرب في الجاهلية)، ص 48.
أما القلم المسماري الذي يدعي شاكر مصطفى بأنه من مبتكرات (عرب أوهامه)، فقد تطور عن الكتابة الصورية (الألف الخامس قبل الميلاد)، إذ أستنبط القلم المسماري في كيش وأورك في (الألف الرابع قبل الميلاد)، عندما كانت (بابل) و(أريدو) تلعبان دوراً دينياً، لذلك يقول سرﮔون الأكدي (الكلدي)، “بنيت أكد بتراب بابل المقدسة”. أنظر بابلونيكا، للمؤرخ البابلي (بيروسس).
أن الإدعاء الصبياني الباطل لشاكر مصطفى لا يلغي مساحة زمنية تقدر بأربعة آلاف عام، ما بين إبتكار القلم المسماري الرافدي وبين معرفة العرب للكتابة، بل أن إدعاءً باطلاً كهذا يستهين بعقل القاريء بشكل مهين.
وفق ذات السياق الشوفيني الذي يروج زوراً للعروبة، يقول الدكتور أحمد سوسة في كتابه الموسوم (تاريخ حضارة وادي الرافدين) ص 247: “يبدأ الزحف العربي سنة 632م”، بمعنى أنه وبمنتهى الوقاحة، يمجد تاريخ إحتلال الحجازيين المسلمين (الدخلاء على وادي الرافدين) لبلاد مهد الحضارة، بما يتضمنه هذا التبجح من أنهار دماء وأبادات جماعية وفرض قيم وأخلاق البداوة والتخلف على السكان الأصليين (الكلدان)، الذين يرجع لهم فضل إبتكار أولى المعارف الإنسانية، مثلما تتمثل فيهم محبة الرب، من خلال دعوته لإبراهيم (الكلداني) من (أور الكلدان)، الذي يُعتبر السيد المسيح بصفته البشرية من نسله الكلداني!
حول هذه الإبادات والفضائع، أنظر فصل (إدعاء أنقراض الكلدان بعد سيطرة المسلمين على وادي الرافدين) من كتاب (الكلدان منذ بدء الزمان). أنظر أيضاً، (فتوح البلدان)، لأحمد بن يحيى البَلَاذُري، وكتاب (المغازي) للواقدي. أنظر أيضاً، سليم مطر (الذات الجريحة).
وحول تعريب تاريخ الرافدين والشرق الأوسط، يسخر الباحث المسلم الشيعي سليم مطر من د. أحمد سوسة فيقول: {نموذج للرؤية العروبية للتاريخ. المؤرخ (أحمد سوسة) بعد أن تحول من ديانته اليهودية وأعتنق الإسلام، وراح يطبل ويزمر (للعروبة) وجعل من تاريخ المنطقة كله ينطلق من الجزيرة العربية ويحمل أسم (العرب) قبل أن يظهر العرب للوجود بعدة آلاف من السنين. في كتابه (حضارة العرب ومراحل تطورها) قام -سوسة- بعملية تعريب سطحية وساذجة لكل تاريخ المنطقة وخصوصاً التاريخ العراقي}.
ثم يضيف سليم مطر: هذا مقطع من كتابه: “أول أمبراطورية عربية تؤسس في وادي الرافدين- الدولة الأكدية 2350-2159 ق.م”. أنظر الذات الجريحة، ص 334 – 335.
ضمن ذات المنظور البعيد عن المنطق العلمي الذي يستخدمه شاكر مصطفى وأحمد سوسة وأمثالهم من العروبيين، يصرح مستعرب آخر من مدينة الناصرية متخصص في نشر فيديوات يتناول فيها مواقع آثارية، يخلط فيها الغث من المعلومات بالسمين، على سبيل المثال، رغم أنه مجرد مجرد “منقب آثار”، فأنه يصرح بأن عبارة مدينة طيور الماء (آ-را-بي كي) التي قرأها في نص مترجم عن الأكدية إلى اللغة الإنكليزية، بأنها تعني (مدينة العرب)، ثم يقترح وفقاً لفهمه الخاطيء وعدم إلمامه باللغة الأكدية، بأن العرب كانوا متواجدين في وادي الرافدين منذ آلفين وستمائة عام قبل الميلاد!
علماً بأن (آرابو وآرابي) تعني مدينة (أوساب)، كما أن هنالك مستوطنة في منطقة أراراتو تحمل ذات التسمية والأورارتيون أصل الأرمن من الجنس الآري وكانت لهم عاصمة جنوبية في كركوك تدعى (نوزي). المهم هنا أن كلتا المفردتان لا علاقة لهما من قريب أو بعيد بالعرب، لاسيما وأن المفردة الأولى تبدأ بالمقطع (آ) الدال على الماء وليس على المقطع (عين) الذي لا يحتويه النص أصلاً.
جدير بالذكر أيضاً، أن المعنى الأصلي لهذه المفردة (الثلاثية المقاطع) متأت من نوع من الطيور المائية، كما تدل على الطيور المائية بشكل عام، وهيّ (طيور مهاجرة لا موطن ثابت لها). من البديهي، أن تكوين الأسماء وقراءاتها معقد على من لا يلم باللغتين (السومرية والأكدية)، مثال على ذلك أن (شش-أونو-كي) متكونة من ثلاثة مقاطع هيّ الأخرى، حيث يقرأ المقطعان الأول (شش بمعنى أخ أو أخت) والثاني (أونو بمعنى البحر أو الزرقة)، يضاف لهما (كي) الدالة على المدينة، فتكون القراءة المقطعية (مدينة أخت البحر)، لكنها تلفظ (أور)، ومثلها نكتب (إنليل-كي) أي مدينة إنليل، لكننا تلفظها (ﻨﻴﭘور). وفق ذات السياق الذي يعرفه المختصون، فأن (آ-را-بي كي) تقرأ مقطعياً (مدينة طيور الماء)، لكنها تلفظ (أوساب).
الخلاصة: لا علاقة للمفردة (آ-را-بي) بالتصور الشخصي لهذا الموظف المتحفي غير الملم باللغة الأكدية، وهذا ما أوقعه في هذا الخطأ العلمي الفاحش وجعله يعتقد بوجود (عرب) في وادي الرافدين قبل ما يزيد عن أربعة آلاف وستمائة عام.
أن هذا التصور الخاطيء وغير المسؤول، قد يوهم المستعربة المتحمسين لمعرفة أصولهم وكذلك خداع غير المختصين وإيهامهم بوجود تاريخ للعرب لا علاقة له بالواقع، لكن هذا لن ينطلي على المختصين، ذلك أن أي أكاديمي مختص في حقل اللغات الرافدية القديمة لا يمكن أن يقع في مثل هذا الخطأ الفاحش، لاسيما وأن هنالك العديد من المراجع السومرية والأكدية التي تفسر هذه التسمية بكل وضوح منها، القاموس السومري للبروفيسور (جان أي هالوران) الطبعة الثالثة صفحة 73 ، كما تأتي المفردة بنفس المعنى في قاموس لابات ص 381 ، وكذلك في قاموس اللغة الأكدية -العربية صفحة 56، كما ترد أيضاً في القاموس المسماري للأستاذ د. نائل حنون ص 317، علاوة على العديد من المصادر الأخرى عراقية وأجنبية. للأسف، أمثال هؤلاء يريدون أن ينفعوا فيضروا!
مثال آخر على الإستخفاف بعقول غير المختصين، يتمثل في باحث وأديب عراقي آخر، يقفز بتاريخ العرب من العراق إلى اليمن، هو فاضل الربيعي، الذي يعتبر أن “أصول العرب، تعود إلى (اليمن) القديم وليس ما بين النهرين أو إسرائيل (التي يسميها فلسطين) مما يكشف عن ضحالة معلوماته التاريخية.
فاضل الربيعي يرى من وجهة نظره الشخصية، أن السرديات التاريخية قد تم تحريفها، وأن اليمن هو المهد الأول للحضارة العربية العربية.” وذلك من خلال تلاعبه بتفسير أسماء المواقع اليمنية في ضوء بعض المقاربات اللفظية، وهذا يذكرني بما يفعله الأكراد (الإيرانيو الأصل) من أجل إبتكار تاريخ رافدي ملفق لهم، يؤهلهم لإقتطاع جزء من وادي الرافدين التاريخي، وذلك من خلال إعتقادهم بأن مفردة (كور) السومرية التي تعني (الجحيم، إله الموت، العالم السفلي، جبل، علامة دالة على البلدان، الإله داكان، عدو، غريب، دخيل، لوطي) علاوة على معان أخرى عديدة، تعتمد على بناء تركيب المفردة. من كل ما ذكرت يستخدم الأكراد (كور) بحجة أن في كلمة (كُردي) يوجد مقارب لفظي للمقطع السومري (كور)، ولأن الأكراد أو الكورد هم أصلاً (بدو جبال) فأن ذلك يعني أنهم سومريين، متجاهلين المعاني الأخرى كالموت والجحيم واللوطي!
لن أناقش هنا معنى السومريين، لأنه موضوع معقد وشائك على غير المختصين، لكن مثل هذا القفز على الحقائق التاريخية بحجة المقاربات اللفظية، هو من السذاجة والخطأ بمكان، ذلك أننا لو أتبعنا هذا السياق الأعوج في تفسير الأصول العرقية ومسقط الرأس التاريخي بناءً على المقاربات اللفظية حسب، فأن أصل قمران عرقياً سيكون مواطناً من القمر، وأصل أمير متأت من أميريكا!
بديهي، أن الآراء الشخصية المضحكة، التي يتبناها الربيعي في مجال التاريخ القديم والأنثروبولوجيا، رغم أن البعض يعتبرها من الدراسات التي تثير النقاش، مع أن هدفها كما يبدو لا يتجاوز حدود الشهرة الإعلامية والربح المادي، لأنه لا يفعل أكثر من دغدغة مشاعر غلاة العروبة وأثرياء المستعربة.
حري بالذكر، أن مثل هذه الإدعاءات الخرافية، تشبه الإدعاء السفيه الذي طلعت به علينا (ستيفاني دالي)، وهيّ مجرد (دسايفر) أي مترجمة نصوص مسمارية،  حيث أدعت بعد خلطها للمعلومات التاريخية بأن (جنائن بابل المعلقة) في نينوى، وأن أسرحدون هو من نحت (أسد بابل) في مصر. مما يجعل من طروحات الربيعي ودالي تُصنف ضمن (علم الآثار الزائف)، لأن هدفها هو إعادة كتابة التاريخ، إما من أجل إضفاء عمق تاريخي على قومية (العرب) التي أبتكرها الرومان في القرن الثاني للميلاد، وهو يفعله مستعربة اليوم، وإما للحصول على الشهرة والمال، كما في مقترح دالي (حول جنائن بابل المعلقة)، وفي كلتا الحالتين يتم عرض هذه المقترحات الباطلة بناءً على إستنتاجات شخصية لا تدعمها المكتشفات الآثارية أو المدونات التاريخية. أنظر: جنائن بابل المعلقة في بابل – تفنيد مغالطات دالي.

www.youtube.com/watch?v=WcOB0X3uVi4

الأنكى من طروحات سوسة والربيعي، الحملة الشعواء التي يقوم بها أحد الشعراء ممن تخصصوا في مجال (ميثولوجيا وادي الرافدي)، القريب من حقل تخصصه في مجال الشعر والأدب، منه إلى (علم التاريخ)، وهو ما أشرت إليه آنفاً  في قسم (المستعربة يدخلون ساحة النزال!). المثير للشك، أن هذا المستعرب لا يتهم الكورد بأنهم يمزقون تاريخ العراق بإدعائهم أنهم سومريون، ولا يمزق تاريخ العراق عندما يروج لخرافة عراقة العروبة، ذلك أنه لا يستطيع أن يؤشر بأصبعه لتاريخ الكورد لأنهم قادرون على أن يبتروه، كما أن دغدغة مشاعر المستعربة تعني ضمناً الشهرة والمال!
لذلك من أجل ترسيخ هالته الإعلامية تصور واهماً بأن الكلدان جداراً وطائاً يستطيع أن يعبره (حايط أنصيص)، حيث أدعى في أحد اللقاءات التلفزيونية، بأن (الكلدان) سكان العراق الأصليين الحاليين، إنما يمثلون “قبيلة آرامية، وبأنهم بناءً على أسس طائفية ومذهبية، كونهم أتباع كنيسة تأسست قبل بضعة قرون يمزقون تاريخ وادي الرافدين”.
أن هذا التصريح الأخرق بحق (الكلدان) سكان العراق الأصليين، أساسه مغالطات أشاعها الكلدان النساطرة (المستوردون) للعراق عام 1918م، ممن تبنوا عام 1976م كما أسلفت (التسمية الآشورية)، التي كانت تدل على (تسمية إقليمية) حتى إنقراض الدولة الآشورية عام 612 ق.م. مع ذلك فأنه أختار عن طيش أن يعمي عينه عن حقائق التاريخ الدامغة، التي أوردتها في كتاب (الكلدان منذ بدء الزمان).
ذلك أن من يستخدم عقله ويغسل قلبه من الكراهية ولا يقع في فخ البحث عن الشهرة، يستطيع أن يستوعب حقيقة أن (الكلدان) هم سكان العراق الأصليين، بمجرد الإطلاع على الأدلة الواردة في الفديو التعليمي القصير أدناه (كيف يحسب الكلدان تقويمهم القومي؟).
لأنها كافية ووافية لأن تدحض وبشكل دامغ إدعاء هذا الشاعر المتخصص في حقل الميثولوجيا، ومن يدفعه لمهاجمة الكلدان، فكيف إذا ما أطلع على الأدلة العلمية والتاريخية التي يحتويها كتاب (كالدين ﻟﻴﮕﺎسي)؟!

https://kaldaya.me/2026/01/11/29241

الحق أن من يقبل على نفسه أن يدلي بمثل هذه التصريحات الخرقاء والباطلة التي تفتقر للحد الأدنى من العلمية والمهنية، لا يدري، بأنه، لا يضر الكلدان، وإنما يكشف بكل جلاء عن حجم (ضحالة معلوماته)، وتوجهاته السلوكية (المريضة)، التي تهدف إلى ضرب شرعية الكلدان في وطنهم الأم، من أجل مساواتهم بالغزاة العرب واللاجئين الأكراد، مما يؤهل العرب والكورد، (إنتزاع الشرعية التاريخية) من سكان العراق الأصليين (الكلدان) وتحجيم وجودهم، من خلال حصرهم في خانة (مكون ديني)، ومن ثم إحتوائهم أو التخلص منهم متى شاءوا، علماً بأن (العرب والكورد) لم يقصروا عن ذبحنا وتهجيرنا من وطننا الأم منذ بدء الإستعمار الإسلامي عام 636م حتى اليوم!
من الغريب حقاً، أن هذا الأستاذ المستعرب الذي كما يبدو جلياً، لا يعرف أصله أساساً، كما لا يعرف حجم وبشاعة عمليات التعريب التي يتعرض لها الكلدان منذ أن فقدوا سيادتهم على وطنهم الأم، وإلا لما تطاول على سكان العراق الأصليين الكلدان، أو ورط نفسه وبشكل معيب في عملية التلاعب بتاريخ الكلدان (سكان العراق الأصليين)، بحجة سعيه إلى نشر العلم وفق عقليته العروبية المريضة بالوهم.
ناهيكم عن أنه يتجاهل حقيقة (نظام المولاة) الذي تم فيه إحتواء الشعوب الأصلية للبلدان المقهورة بعد الإستعمار الإسلامي في القرن السابع للميلاد، التي يقول عنها الباحث سليم مطر “الساميون ليسوا عرباً بل سكان المشرق الأصليين” أنظر، سليم مطر، (الذات الجريحة) ص263 ، وكذلك ص321.
برغم حقيقة بشاعة (نظام المولاة) الذي أدى إلى خلق توليفة عروبية مطاطة، تحمل في داخلها عامل موتها، فأن شاعرنا ومؤرخنا في حقل الميثولوجي هذا يتجاهل أيضاً وهو الشيعي، أو ربما يتنكر لقول إمامه الأول (علي بن أبي طالب) وكذلك الإمام السادس جعفر الصادق، مؤسس المذهب الجعفري اللذين يتفقان على أنهما ينحدران من (نبط  كوثى) أي (كلدان بابل).
لا يسعني  هنا إلا أن أحيله بهذا الصدد إلى حديث إمامه الأول علي بن أبي طالب (نحن معاشر قريش حي من النبط (كلدان) من أهل كوثى (تل إبراهيم/بابل). هذا الحديث نقله ثقاة المحدثين وفي مقدمتهم أبن عباس ومحمد بن سيرين وأبن الأعرابي، كما يوجد في المصدر المعروف (تاج العروس) الجزء الثالث، بمعنى أن (آل البيت) هم من كلدان من بابل. كما أن وكلاء الإمام الحجة عن يؤكدون عن الإمام المهدي في حديثهم عن النبط “ويرد السواد إلى أهله، هم أهله”.
أنظرعلى ضرغام (مقدمة كتاب المواطنة العراقية). كما يؤكد أرسطوطاليس في كتابه الموسوم (ﭘولتيكا) في حديثه عن الكلدان بأنهم النبط وأهل السواد: “وكانت دار مملكتهم العظمى مدينة كلوذا من أرض العراق. ويقول في مقطع آخر من ذات الصفحة، ونبط العراق (الكلدان) أهل السواد”. أنظر د. هاشم الطعان (مساهمة العرب في دراسة اللغات السامية) ص 38.
حول مفهوم (النبط) أي (الكلدان) أنظر، (طبقات الأمم)، صاعد الأندلسي، ص6. أنظر أيضاً (تاريخ بغداد)، الخطيب البغدادي، 1/12. أنظر أيضاً، أبو الحسن المسعودي، (التنبيه والإشراف)، ص 68.
من المثير للسخرية أيضاً، أن الإدعاء الباطل الذي طرحه هذا الباحث المتخصص في الميثولوجيا الرافدية، بإدائه التمثيلي وكأنه يقرأ أحد أشعاره، ليس بجديد على الكلدان، إذ أنه كما أسلفت، كان جزءاً من الإدعاءات الباطلة التي دأب على إستخدامها النساطرة الحاقدون على الكلدان منذ منتصف عقد التسعينات، وهيّ ذات الإدعاءات التي تم دحضها بالأدلة العلمية والمكتشفات التاريخية وبيانات الكتاب المقدس منذ عام 1999م، حيث تضمنها كتاب (الكلدان منذ بدء الزمان) في طبعتيه الأمريكية عام 2004م والعراقية عام 2008م، بمعنى أن الكلدان يعرفون تاريخهم الموثق جيداً، ويعرفون كيف يحافظون عليه من تهجمات الآخرين، فيما يجهل هذا المستعرب وأمثاله نسبه وتاريخ من يتسمون باطلاً بالعرب وتاريخهم المختلق الذي هو أشبه بحصاة في فلاة!
له ولأمثاله من المتجاوزين على الكلدان أقول: نحن لا ندق باب أحد، لأننا نعرف أنفسنا وتاريخنا، لكن من يدق بابنا سيسمع جوابنا، كما أن من يتصور بأن بأمكانه التجاوز على تاريخ ومكانة الكلدان وشرعيتنا في وطننا الأم، فأننا جاهزون لأن نلقنه الدرس المناسب (بالعلم والمعرفة والوثيقة الدامغة).
في المقابل، فأنه من الناحيتين (العلمية والتاريخية)، ليس هنالك ثمة تاريخ قائم على كم هائل من الأكاذيب والتناقضات والخرافات والإدعاءات الباطلة والتزييف الممنهج، مثل تاريخ (أدعياء العروبة)، الذين يتوزعون على طول وعرض (الدول الناطقة بالعربية)، حيث يقول الأب الدكتور، جورج شحاته قنواتى في كتابه الشهير (المسيحية والحضارة العربية) ص43: “نحن نواجه صعوبة عندما نأخذ الجنس العربي كمعيار للبلاد العربية، فهذا المعيار صعب جداً في تطبيقه، لأن العرب كانوا شعباً رحلاً، بمعنى أن معظم هذا الشعب كانوا أهل وبر وخيام”، ثم يحدد الأب الدكتور قنواتي في موقع آخر من ذات المصدر حدود بلاد العرب بقوله: “أن تلك البلاد لم تكن لتتجاوز الحجاز.”
لعل من المفارقات الباعثة على السخرية بخصوص (أكذوبة تاريخ العرب) الذي يشبه في غموضه وتفاصيله الملفقة ومجهولية أصله، محاولة العثور على أبرة في كومة هائلة من القش!
أن معظم تاريخ العرب ومستعربة الدول الناطقة بالعربية اليوم الذين يريدون أن يعرفوننا بأصولنا مع أنهم يجهلون أصولهم، وأن جُلَّ تاريخهم قائم على ما قالته النسابة، أي (المهتمين بأنساب القبائل البدوية)، بناءً على إستعارات شفاهية، وإدعاءات من نوع: (قال فلان عن فلان) أو (يعتقد فلان كذا وكذا)، أو سمعتُ (فلان يقول لفلان)، دون تعزيز تلك الأقاويل والإدعاءات والمعتقدات الخرافية بأية أسانيد علمية أو مكتشفات آثارية، وعلى سبيل المثال:
الإدعاء بأن أصل العرب، هم (العرب البائدة)، وهو مصطلح هلامي، يتم تلقينه لسكان الدول الناطقة بالعربية للدلالة على شعوب بائدة (لم تتحدث بالعربية أصلاً).
وفقاً لخرافات المستعربة هذه، حول تاريخهم العرقي الضبابي، فأنهم يدعون بأن يعرب، وهو (شخصية كلدانية خرافية)، بأنه كان أول من أنعدل لسانه عن السريانية (لغة أهل بابل الكلدان)!
وأن ذلك الإنعدال أو بالأحرى (الأعوجاج) قد حدث وفقاً لإدعاءات (النسابة العرب) الذين لم يكونوا يجيدون القراءة والكتابة، في مطاوي القرن الثالث للميلاد، كما جاء في (صحاح الجوهري)، لأبُي نَصْرٍ، إِسْماعِيلُ بنُ حَمَّادٍ الجَوهَرِيُّ (تولد 1003م)، وهو لُغَوِيٌّ (غير عربي!!)، أصله من فارابَ في (كازاخِستانَ)، كما جاء في (الجمهرة) 1/266 لأبي بكر محمد بن الحسن ابن دُريد (تولد 933م)، كما أورد ذلك أيضاً (صاحب أخبار الزمان) المنسوب لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي (المتوفي عام 956م): “أنه -أي يعرب- كان أول من تكلم العربية وكانت لغته السريانية.”!
أنظر أيضاً ص33 من كتاب (مساهمة العرب في دراسة اللغات السامية)، للدكتور هاشم الطعان.
رغم أن هذا الإدعاء بصدد يعرب (مثير للسخرية)، إذ هل يمكنك أن تتصور، أنك كلداني ضمن أمة عريقة وفجأة بدأ أحد أبنائك يتحدث بلغة المندرين (لغة الصينيين) فهل هذا يجعله أباً للصينين؟
خرافة تأسيس العروبة هذه، يكررها د. أحمد سوسة، (صاحب أكذوبة عروبة الأكديين!) فيقول: أن القبائل العربية تنقسم إلى قسمين، بنو قحطان وبنو عدنان، وأن القحطانيين هم بنو يعرب من قحطان (رأس قبائل اليمن في الجنوب)، ويمثلون الطبقة الثانية من طبقات العرب بعد البائدة، وهم بحسب النسابين (العرب العاربة)، أما العدنانيين فهم القبائل الشمالية، وينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم، ويضيف بأن العدنانيين بحسب النسابة، هم النزاريون أو المُعديون، وقيل لهم (العرب المستعربة)، لأنهم أنضموا إلى (العرب العاربة) من الأمم المجاورة، لذا فأنهم يمثلون الطبقة الثالثة من طبقات العرب. أنظر جواد على، الجزء الأول، (العرب قبل الإسلام).
فهل لكم أن تتخيلوا (أمة قومية) تتأسس بفعل إعوجاج لسان شخص خرافي ما (يعرب)، فتخرج من ثقب في الأرض أو تنزل علينا من السماء أمة جديدة، أسمها الأمة العربية!
الأنكى أن تنموا هذه الأمة (قومياً) بإنضمام (أقوام) من شعوب مجاورة متعددة الألسن والأعراق، ليصبحوا جميعاً (سَلَطةً قومية) بمعنى (عرب قومياً)!
علماً بأنه ليس هنالك نصاً تاريخياً واحداً أو مكتشفاً آثاريا من القرن الثالث للميلاد، يؤرخ لهذه الحادثة الخرافية التي تشبه خرافة بناء أبراهيم الكلداني للكعبة!
عن خرافة (العرب البائدة) و(العرب المستعربة)، يتناول جورج سال الإدعاءات التي يجترها الكتاب المحدثون العرب، الذين يدعون،  بأن (العرب البائدة) كانوا بحسب (الرويات الشفهية) قبائل متعددة منها عاد (عاز) وثمود وطسم وجديس وجرهم وعماليق، ثم يضيف في موضع آخر: يتفرع العرب البائدة من فرعين رئيسين (بحسب الروايات الشفاهية)، لاحظ (الروايات الشفاهية) لأناس لا يعرفون القراءة والكتابة، أحدهما قحطان الذي يدّعون بأنه (يقطان بن عابر) بحسب التكوين 10 : 25. والآخر عدنان من ذرية إسماعيل (الكلداني).
ثم ينتهي العلامة جورج سال إلى حقيقة: أنه “ليس عن العرب البائدة أخبار يركن إليها، وليس لمن يسمونهم بالعرب المستعربة ما يثبت دعواهم بأنهم من ذرية إسماعيل”. أنظر جورج سال ص 65 -66 (حقائق عن العرب في الجاهلية).
وفق ذات السياق الذي يستهين بالعقل والمنطق، يتهكم الكاتب المسلم سليم مطر في ص 76 من كتابه الموسوعي، (الذات الجريحة) من خرافات مدعي العروبة، مثلما يستهين من تباين المعلومات وإختلاف النسابة في أصل العرب، حيث يقول:
“أختلفت النسابة العرب في أصل العرب، أهم أحفاد إسماعيل (من أب كلداني وأم قبطية)، أم هم بعض من أهل بابل (الكلدان)؟
ويستطرد: إن كانت العربية قومية كما يدعي المستعربة، فلماذا يجيء في (اللسان)، قول محمد بن سيرين: سمعتُ عبيدة قال، سمعتُ علياً (رض) يقول: من كان سائلاً عن نسبنا فإنا نبط من كوثى (بمعنى كلدان من بابل).
هذا الأصل البابلي (كوثى)، تمت الإشارة إليه أيضاً في كتاب (تواريخ الصابئة)، ذلك أن أبراهيم الخليل وفق كتابات تلك الفرقة الدينية، قد تربى في كوثا (بابل). أنظر: (موسى بن ميمون حياته ومصنفاته)، إسرائيل ولفنسون، ص 112.
ما يزيد الطين بلة وتضارب المعلومات غموضاً، أن هنالك نسابة آخرون يرجعون أصل العرب إلى (الحبشة) التي خرجت منها قبائل مهاجرة، أسس أفرادها في اليمن حضارتي (التبابعة) و(الحمير)، وهما تسميتان حبشيتان تعنيان (الأقوياء) و(أصحاب البشرة الحمراء)، وذلك وفقاً لما جاء في النص المذكور في (البحر المحيط) لأبي حيان الأندلسي (تولد 1353م)، عن كتابه النفيس المفقود (جلاء الغبش عن لسان الحبش)، وهو ما يدعيه أيضاً الأستاذ عبد المجيد عابدين في كتابه (بين الحبشة والعرب) ص 277!
وكأن هذه الإختلافات الشاسعة والتناقضات الواسعة لا تكفي لرفض إدعاءات (قومية العرب الخرافية)، نجد أن هنالك مصادر أخرى تدعي (قوشية العرب)، بمعنى أن هذه المصادر، بدلاً من إرجاع أصل العرب إلى بلاد الحبشة (أثيوبيا)، كما جاء على لسان عبد المجيد عابدين، فأنهم يؤكدون بأن جد العرب هو (قوش بن حام)، لكن منازل العرب هذه المرة، ليست في الحبشة أو فيما تسمى اليوم بجزيرة العرب، وإنما في (الأحواز)، أي الأرض المحاذية لبلاد  الرافدين و(خليج بلاد الكلدان)، الذي يقرأ باللغة الأكدية (تام تي شا مات كلدي)، وأن موطن جد العرب، أي (قوش) كان بحسب تلك المصادر في شوشن (عيلام). أنظر كتاب (حقائق عن العرب في الجاهلية) للعلامة جورج سال، ص 19-20.
من البديهي، أن جميع هذه (الروايات الشفاهية) ومشابهاتها لا سند تاريخي لها، لذلك ينأى رسول المسلمين (محمد) عن إرجاع نسبهم لأبعد من (مُعد بن عدنان) وفق عمود نسب لا يتجاوز تسعة أصول، تنتهي بعبد المطلب التي أنتهت إليه سيادة قريش، أنظر جورج سال ص 81، حيث يستشهد العلامة سال بما جاء في (الآثار الباقية) و(صبح الأعشى) و(عيون المعارف)، ذلك: “أن محمد نفسه، وهو في زعمهم نبي مؤيد بالإلهام لم يسلم من هذا الغلط، وذلك أنه حاول ذات يوم إلحاق نفسه بالأصل الإسماعيلي فأخطأ فيه خطأً ردته عليه العرب، فأضطر أن يعتذر ويقول بأن النسابين كذبوا عليه، ونهى قومه أن يتجاوزوا في نسبه معد بن عدنان”.
علماً بأن نسب محمد المتفق عليه، لا يتجاوز قصي (الجد الرابع) كما يرد في ص 13 من كتاب (قس ونبي) للعلامة أبو موسى الحريري.
جدير بالذكر أيضاً، أنه علاوة على تعدد المناطق والبلدان وتنوع الأجداد، نجد أن هنالك من يدعي بأن العرب ينحدرون من منطقة (عربة)، علماً مفردة (عربة) كما أسلفت، هيّ باللغة العربية، فيما يكتب الأصل (عَرْبا) ويلفظ (عَرْﭭﺎ) باللغة العبرية، التي كانت في (أدوم)، وهيّ مستقاة من لقب (عيسو بن إسحق). تكوين 8 : 36، الذي هو أصلاً من نسل أبراهيم (الكلداني)، الذي خرج وأهل بيته من أور الكلدان، ليصبح أباً للشعب العبراني.
حري بالذكر أيضاً، أن منطقة سكن عيسو كانت جبل (سعير) جنوب شرق يهودا، وأن ﭘيترا (البتراء) كانت عاصمة الأدوميين والأنباط، التي أطلق عليها الرومان خطأً تسمية (عربية الحجارة)، من خلط أسمي منطقة (عَرْبا) أو (عَرْﭭﺎ) العبرانية وعمارة  (ﭘيترا) البتراء المنحوتة في الحجر، علماً بأن هذه المنطقة لا علاقة لها بالعرب من قريب أوبعيد، لأنها لم تكن أصلاً جزءاً مما تسمى اليوم بجزيرة العرب، وإنما كانت عربية الحجارة (أربيا ﭘيترا) وفقاً للتسمية الرومانية، تعني (شبه جزيرة سيناء) حصراً. أنظر د. قنواتي ص 43.
الحقيقة، أن هذه ليست أول مرة يستخدم الجغرافيون والمؤرخون واللغويون تسميات غير صحيحة للتعبير عن شعوب ولغات ومناطق ومنجزات لا علاقة لها بالأصل، حيث يتم تصحيح بعضها أحياناً، فيما يظل البعض الآخر رغم عدم صحته قيد الإستعمال بسبب شيوعه ويُعرف بالخطأ الشائع، على سبيل المثال:
سبق وأن تم تصحيح أسماء عدد من المناطق والملوك والملكات ومن أشهر الملكات الملكة (ﭘو-آبي) التي كانت تقرأ سابقاً (شبعاد)، وذلك بعد أن تبين للمختصين خطأ قراءتهم الصوتية للعلامات المسمارية أو المقاطع الصوتية. في المقابل فأن هنالك الكثير من التسميات والمصطلحات والترجمات التاريخية الخاطئة، ما زالت رغم خطأها قيد الإستعمال، برغم كل اللغط الذي يدور حولها والدعوات لتصويبها، على سبيل المثال:
أعتمد الباحثون تسمية (علم الآشوريات / آسيريولوجي) بسبب إعتقاد أعضاء الجمعية الآسيوية الملكية عام 1857م بأن الألواح المسمارية المكتشفة في خورسباد تمثل أقدم كتابة رافدية، كما أعتقد الباحثون الذين أبتكروا ما يصطلح عليه اليوم بأسم (الصليب المالطي) الذي أكتشف أولاً في مالطا بأنه أقدم أنواع الصلبان التي لها تلك الهيأة، لكن بعد بضعة عقود تبين لهم أن تصميم الصليب المالطي قد عرف في وادي الرافدين منذ عصور الفخار الأولى، كما نسب الباحثون (قوس النصر) إلى التقاليد الرومانية، ثم تبين لهم أن قوس (بوابة عشتار) هو أول قوس نصر معروف في التاريخ، وأخطأوا ثالثة عندما نسبوا (خاصية الأعداد الفيثاغورية) إلى فيثاغورس، ثم تبين لهم أن البابليين عرفوا خاصية الأعداد الفيثاغورية قبل ولادة فيثاغورس بقرون عديدة، وأخطأوا رابعة عندما تم في عام 1759م نسبة (مذنب هالي) إلى الفلكي الإنكليزي إدموند هالي الذي تنبأ عام 1705م بظهوره في ذلك العام الذي سمي فيه المذنب بإسمه، ثم بينت الإكتشافات الآثارية اللاحقة بأن العالم الكلداني (كيدينو) كان قد تنبأ نظرياً وسجل عملياً تسجيلين عن مسار وفترة ظهور هذا المذنب قبل ما يزيد على ألفي عام من تنبؤ العالم هالي، وأخطأوا خامسة عندما نسبوا (كاديكوس) الطب إلى إله الطب الإغريقي إسكاليبوس، ثم أكتشفوا أنه رمز رافدي قديم كان شائعاً في الإقليم البابلي منذ عهد (سلالة ﻟﮕش) أي قبل أن يتبناه الإغريق بألفي عام، وأخطأوا سادسة عندما أطلقوا على ما يسمى اليوم بمصطلح (الحيثيات) أو اللغة (الحيثية)، ثم تبين لهم أنها لغة الشعب الهندوأوربي المعروف بأسم (النيساتي) وتدعى لغتهم (النيساتية)، وأخطأوا سابعة عندما أعتقدوا بأن مبتكر (نظرية إقليدس) المعتمدة تسميتها حتى اليوم ،هو أقليدس الذي عاش في حدود القرنين الرابع أو الخامس سواء كان الأول (الفيلسوف) أو الثاني ا(لرياضي)، مع أن هنالك من يرجح (أنهما شخصاً واحداً)، هذه النظرية التي تعتمد مبدأ تشابه المثلثات القائمة الزاوية المحدثة من إنزال عمود من الزاوية القائمة في مثلث قائم الزاوية على الوتر، تبين لاحقاً من خلال الحفريات في مدينة (شادو ﭘوم) البابلية (تل حرمل)، بأن الرياضيين البابليين قد أبتكروا وطبقوا هذه النظرية عملياً  قبل أن يعرفها اقليدس بسبعة عشر قرناً !!
فلا يستغرب أحد إذا ما بقي في الإستعمال مصطلح (العرب) الذي أبتكره الرومان خطأً، وأن يبقى قيد الإستعمال (علم الآشوريات) برغم كونه خطأ لا يغتفر، كما أن صليب أريدو (الألف الخامس ق.م) ما زال يدعى بالصليب المالطي وقوس النصر البابلي ما زال ينسب للرومان، وما زالت خاصية الأعداد البابلية تنسب إلى فيثاغورس، وما زال مذنب (البابلي كيدينو) يدعى مذنب هالي، وما زال رمز الطب الخاص بالإله (ﻨﻨﮕﺷزيدا) ينسب للإله الإغريقي إسكلابيوس، وما زالت اللغة (النيساتية) تدرس تحت تسمية علم الحيثيات، وما زالت نظرية (شادوبوم البابلية) تدعى حتى اليوم نظرية إقليدس!
حول خطأ مصطلح (علم الآشوريات)، فأن من المفيد هنا أن أشير إلى ما أورده الباحث ستيفن بيرتمان  في الصفحة 142 من كتابه الموسوم (الدليل للحياة في وادي الرافدين القديم) الذي يؤيد وقوع المؤرخين في أخطاء يتبين عدم صحة آلية إعتمادها، وهو ما لا يمكن لأي باحث عن الحقيقة تجاهله، لما في إشارته من صراحة ووضوح، حيث يقول: “بسبب أن أولى المكتشفات الآثارية لوادي الرافدين قد أكتشفت في بلاد آشور، فقد أطلق علماء الآثار الذين كانوا يدرسون الكتابة المسمارية آنذاك على ذلك النوع من المكتشفات مصطلح (علم الآشوريات).”
بديهي أن هذا يفند وبشكل قاطع إعتقاد البعض (الباطل) بأن قدمية آشور وأفضليتها على منجزات مناطق وادي الرافدين الأخرى، قد دعت العلماء البريطانيين إلى إبتكار مصطلح (علم الآشوريات) والترويج له، مع أن علماء الآشوريات، يؤكدون في مدوناتهم بإن (علم الآشوريات) هو علم (دراسة النقوش المسمارية القديمة) في بلاد ما بين النهرين والثقافات المجاورة التي أستخدمت الكتابة المسمارية. للمزيد حول هذا الموضوع يمكنكم الإطلاع على الفلم الوثائقي أدناه، (حقيقة مصطلح علم الاشوريات)، وهو من إخراج إيدي أسمر وإنتاج قناة (معارف رافدية):

www.youtube.com/watch?v=GVsW90dQY-0

بطبيعة الحال، أن المغالطات وتضارب الآراء الشفاهية والتخريفات والتناقضات حول أصل العرب واسعة إلى درجة يصعب الجمع بينها أو تناولها في دراسة علمية مبتسرة لسعة ما فيها من مغالطات وأكاذيب فاضحة، علماً بأن هنالك أفتراضات أخرى تقترح أكثر من موطن ومسقط رأس للعرب، دونما سند علمي أو مكتشف آثاري أو يجمعها جامع، ومن بينها، أن أصل العرب يتراوح في تناقضه بين الحبشة (أثيوبيا) واليمن، إلى نجد وجنوب الرافدين وصولاً إلى أرمينيا!
مع ذلك فأن اللغوي أبو عمرو بن العلاء البصري يرفض رفضاً قاطعاً الأصل اليمني للعرب، الذي يرد في بعض المصادر التي تم ذكرها، وبضمنها ما يروجه الأديب العراقي فاضل الربيعي، حيث يذكر أبو عمرو بن العلاء في (الأحكام في أصول الأحكام) 1/31 ، فيقول في عدم صلة العرب باليمن: “ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا”، أي أن ليس هنالك ثمة من وشيجة لغوية أو عرقية تربط العرب بأهل اليمن. أنظر د. هاشم الطعان، مساهمة العرب في دراسة اللغات السامية، ص 43.
يلوح جلياً، من خلال هذا الإستعراض السريع لمفهوم (العرب وأنحدارهم القومي) الخرافي وأصل لسانهم الحالي، أنهم برغم إنعدام المصداقية في الروايات الشفاهية وأختلاف الأراء الكبير حول أصل العرب وموطن سكناهم الأول، إلا أن مستعربة اليوم يضربون بكل هذه الحقائق الدامغة عرض الحائط، فينتقون ما يناسب واقع اليوم، مؤكدين على إنتسابهم للجزيرة العربية التي شككت فيه الغالب الأعم من الأراء، لا لسبب إلا لأن هذا الإنتساب يربطهم بما يسمونه قرآنياً (البيت العتيق)!
أما من الناحية العرقية فأنهم يتعكزون على نسبهم لإسماعيل (الكلداني!) وأمه المصرية (القبطية!)، لا لسبب إلا بدعوى أولوية الإنتماء الروحي، مع أن إسماعيل بن أبراهيم (كلداني)، وأن أمه (هاجر) جارية أبراهيم (قبطية)، بمعنى أن لا علاقة لهما بالعرب من قريب أو بعيد.

لكن هذا هو منطق العرب الأعوج وهذه هيّ قناعاتهم العمياء، التي تذكرنا بقصص تغريبة بني هلال أو المبالغات البطولية لعنترة العبسي، الذي ما أن يزعق حتى يهلك آلاف الفرسان!
الخلاصة: ليس هنالك عن أصل العرب ولو (حقيقة علمية واحدة) تسندها المكتشفات الآثارية أو يمكن أن نركن إليها، لكن يمكننا وبكل ثقة أن نؤكد بأن الغالب الأعم من تاريخ العرب من الناحية العلمية، لا يتعدى أن يكون ركاماً من الأباطيل وكثباناً من الترهات التي ما أنزل ألله بها من سلطان!
أخيرا، يهمني أن أؤكد بأنني لم أكن لأنشر هذه الدراسة لو لم يتطاول علينا من يجهلون أصولهم العروبية الخرافية. مع ذلك فأنني وأنا أؤكد على أن الكلدان هم سكان العراق الأصليين، فأنني لا أدعو إلى أخلاء العراق من العرب أو تأسيس (دولة كلدانية)، لأن مثل هذا المطلب الخيالي بعيدٌ عن المنطق وواقع الحال، ويعالج الظُلم بالظُلم.
نحن الكلدان مسالمون وطيبون ونحب أخوتنا في الوطن على تنوع أعراقهم ودياناتهم. لكن من حقنا بصفتنا سكان العراق الأصليين، أن لا نقبل تخرصات من يتجاوزون على تاريخنا وأصالتنا الرافدية، كما أن من حقنا بصفتنا سكان العراق الأصليين، أن تكون لنا مطالبُنا البسيطة العادلة والمشروعة، وهيّ في تصوري المتواضع، الحل الوحيد لقيام وطن عراقي مزدهر.
مطالبُنا العادلة والمشروعة، لا تتعدى إقرار (دستور جديد) يفصل ما بين الدين والدولة ويساوي بين العراقيين بغض النظر عن العرق والدين، مع (تمييز الكلدان)، بصفتنا (سكان العراق الأصليين)، وذلك وفقاً لشرعة (الأمم المتحدة الخاصة بالشعوب الأصلية)، ومن بين هذه المطالب البسيطة، أن يحتوي جواز السفر العراقي وهوية الأحوال المدنية ووشهادة الجنسية العراقية للكلدان، عبارة (مواطن أصلي) بخط ذهبي باللغتين العربية والإنكليزية.
لقد حاول غزاة ومستعمرون منذ ما يزيد على ألفين وخمسمائة عام، أن يعتموا على حقائق تاريخنا، وأن يجتثونا ويدفنوننا لعقود وقرون، متجاهلين حقيقة أننا في أرضنا بذور، وبأن الكلدان شاء من شاء وأبى من أبى، هم “ملح أرض العراق وخميرة إزدهاره.”

بعض من مؤلفات الباحث د. عامر حنا فتوحي

الآشوريون، سكان دولة أم قومية، ديترويت، 2001م.

(الكلدان منذ بدء الزمان) الولايات المتحدة باللغة (العربية) عام 2004م. الطبعة الثانية من الكتاب صدرت في العراق عام 2008م. يتوفر مجاناً على الرابط أدناه:

http://kaldaya.me/2016/06/27/2579

القصة اللا مروية عن سكان العراق الأصليين / الكلدان، (باللغة الإنكليزية) الولايات المتحدة، 2012م

www.NativeIraqis-Story.com

مآثر الكلدان | كالدين ﻟﻴﮕﺎسي 5300 ق.م – إلى الوقت الحاضر (باللغة الإنكليزية)، الولايات المتحدة، 2021م

www.ChaldeanLegacy.com

يهود بابل، ماضياً وحاضراً، (باللغة الإنكليزية)، الولايات المتحدة، 2024م

www.JewsofBabylon-Book.com

About the author

kaldayaadmin

التعليق

Click here to post a comment
  • الأستاذ الدكتور الباحث المؤرخ عامر حنا فتوحي المحترم
    حقيقةً هكذا يكون البحث وإلا فلا…. هذا بحث رائع ومجهود جبار غتي بالمصادر والمراجع
    بحث جامع شامل للمواضيع المطروحة، بحث رصين بمصادره
    أستاذنا الكبير الدكتور عامر حنا فتوحي المحترم: تحية لكل هذا الجهد الجبار الذي صرفا عليه الوقت الكثير
    والكثير من أجل أن يخرج بهذه الشمولية وهذه الرصانة العلمية والمعلوماتية
    لا أدري كيف أصفه لأنه فاق الوصف، وجعلت مَن يدعي غير ذلك أن يكوزن قزماً أمام كثافة
    المعلومات الموثقة والمدعومة بالمصادر الرصينة
    تحية لهذا الجهد الجباروتحية لهذا الجندي المجهول ، وتحية لهذا الفكر النيّر، وهذه المصداقية الرائعة
    تحية لإسمك الكبير المؤرخ الدكتور عامر حنا فتوحي ، تحية من القلب
    أخوك د. نزار عيسى ملاخا

  • الاستاذ د. عامر حنا فتوحي المحترم
    تحية طيبة لك ولكل متابعيك
    الحقيقة أنتم فخرنا ورفعة راسنا

    أنتم كلما كشفتم مؤخرة المتأشورين يصابون بفقدان الوعي ويبدأون التهجم عليكم وعلى الكلدان تحديداً
    لان الهجمة شرسة جداً وخاصة بعد عام 2003
    يوجد شخص أسمه (يعكوب ابونا)
    هذا الجحش مصاب بالخرف وفاقد للوعي يستغل موقع عنكاوة المتأشور لنشر الاكاذيب والتزوير

    أردعوا وأسحقوا كل من يتطاول على الكلدان لأن السكوت عنهم يتمادون أكثر

Follow Us

Calendar

February 2026
S M T W T F S
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728