Articles Arabic

التناقض بين الخطاب المعلن والآليات العملية في منظور رعوي وإداري

(الحلقة الثالثة والأخيرة)

  • أولاً: الخطاب المعلن – روح الجماعية والوحدة

البيان الأخير للبطريرك يتحدث عن:

  • أهمية الجماعية والشركة الكنسية.

  • الثقة المتبادلة بين الأساقفة.

  • روح الخدمة والتجدد.

وهي واجهة إعلامية لشخص ليس له روح الصلاة بالأساس، على الرغم من إن هذه المبادئ تتوافق مع تعليم الكنيسة الجامعة، خصوصاً في ضوء دعوة البابا فرنسيس الى “كنيسة سينودسية” تُصغي قبل أن تتكلم، وتشاور قبل أن تقرر.

ويُعرف ساكو أيضاً بترويج صورة متمسكة بالخط الكاثوليكي كــ “Propaganda”.

  • ثانياً: الممارسة الواقعية – مركزية القرار وضعف المشاركة

رغم الطابع العاطفي والبراق للخطاب، إلا أن الواقع الإداري يُظهر محدودية المشاركة الفعلية داخل السينودس:

  1. كثير من الملفات الأساسية (إدارية أو رعوية) تُحسم مسبقاً في الدائرة البطريركية دون نقاش مفتوح.

  2. آلية اتخاذ القرار لا تستند دائماً الى تصويت جماعي أو محاضر شفافة.

  3. بعض المداولات الداخلية تُسرب لاحقاً الى الإعلام بأسلوب انتقائي، ما يفقد السينودس سريته وهيبته.

هذه الممارسات تضعف روح “الجماعية” التي ينادي بها الخطاب الرسمي، وتحوّل السينودس من مساحة حوار الى هيئة تصديق على قرارات جاهزة.

  • ثالثاً: الخطاب الدفاعي كعائق رعوي

حين يركّز البيان على “الانتقادات والمسيئين والجهات التي تدفع لهم”، يتحول الخطاب الكنسي من دعوة للصلاة والوحدة الى ردّ فعل دفاعي.

هذا النوع من اللغة يُدخل البعد الشخصي في الحياة الكنسية، في حين أن البعد الرسولي يفترض تجردًا عن الذات وانفتاحاً على النقد البنّاء.

  • رابعاً: الحاجة الى إصلاح إداري ولاهوتي

من أجل استعادة مصداقية السينودس، تحتاج الكنيسة الكلدانية الى:

  • تفعيل آليات التشاور والمساءلة داخل السينودس.

  • الفصل بين ما هو رعويويا هو شخصي أو إعلامي في الخطابات الرسمية.

  • تعزيز دور اللجان السينودسية المتخصصة، بحيث لا تبقى القرارات حكراً على المكتب البطريركي.

  • إعادة بناء الثقة بين الأساقفة من خلال احترام السرّية والتواصل الأخوي المنتظم.

انقسامات وتوترات بين ساكو والأساقفة؛ ما هو الحل؟

أولاً: الاعتراف بالاختلاف نعمة وليس نقمة

السينودس ليس اجتماعاً لتأكيد الطاعة، بل مساحة للتعبير عن التنوع وترك فسحة لعمل الروح القدس.

إذا أُدير الحوار بمحبّة واحترام، يمكن أن يتحوّل الخلاف الى غنى روحي، لا الى صراع سلطوي. فقد انتهى عصر الحكم المستبد والأنظمة التي تحكمها قلة من العظماء، وإن وجدت لدى بعض العقليات المتسلطة، الا اننا نحن المسيحيون ليس لنا الا عظيم واحد ورئيس احبارنا وهو يسوع المسيح “ملك الملوك ورب الأرباب”.

ثانياً: التمييز بين “السلطة” و”الخدمة

أحد جذور التوتر هو الخلط بين مفهوم السلطة البطريركية ومفهوم الخدمة الرعوية.

البطريرك هو رأس الكنيسة، لكنه ليس مالكها.

أما الأساقفة فهم شركاؤه في حمل المسؤولية لا مرؤوسوه فحسب.

لذلك، الحل يبدأ عندما يعترف الجميع بأنهم خدام للإنجيل قبل أن يكونوا أصحاب مناصب. فليتذكروا أعضاء السينودس جيداً دون استثناء عند مراسيم رسامتهم الأسقفية؛ في وضع الإنجيل المقدس على الظهر أولاً قبل وضع الصليب على الصدر، فهل تخليتم عن كلمة الإنجيل وصرتم تتباهون بالصليب؟!!

ثالثاً: آليات عملية لبناء التفاهم

  1. جلسات مغلقة للحوار الصريح

يُفضَّل أن تُخصَّص داخل السينودس أو خارجه جلسات حوار بين ساكو والأساقفة المعارضين، بعيداً عن أي ضغوط أو التأثير بالإعلام الصدامي والبيانات العامة.

  1. تفعيل اللجان السينودسية

الكنيسة الكلدانية تمتلك لجاناً متخصصة (رعوية، ليتورجية، إدارية، مالية…)، لكن بعضها معطّل.

إعادة تفعيل هذه اللجان يضمن أن تُدرس القرارات بشكل جماعي، مما يخفف من شخصنة السلطة.

  1. وساطة رعوية هادئة

يمكن الاستعانة بشخصيات كنسية محترمة أو أساقفة معتدلين يلعبون دور الجسر بين الطرفين.

رابعاً: الإصغاء الى صوت المؤمنين

السينودس لا يخصّ الأساقفة فقط؛ فالشعب الكلداني له حسّ إيماني (sensus fidei) يجب أن يُسمع.

حين يُدرك الطرفان أنّ الخلاف يربك المؤمنين ويضعف الثقة، سيدركان معاً أنّ المصالحة واجب رعوي لا خيار سياسي.

صوت المؤمنين البسطاء هو أحياناً أصدق بوصلة روحية من أي بيان رسمي.

خامساً: طريق المصالحة الروحية

الحل الحقيقي لا يأتي من التصويت أو المناصب، بل من الروح القدس.

  • لذلك على كل أسقف وبطريرك أن يبدأ بالمراجعة الداخلية:

    • هل أبحث عن مجد الله أم عن تبرير نفسي؟

    • هل أصغي لأخي أم أكتفي بسماع صدى أفكاري؟

حين تُطرح هذه الأسئلة بصدق، يولد الرجاء، فنحن أبناء الرجاء ولكن فقدناه بسبب خلافاتكم المخزية.

  • خاتمة

إنّ الرعية التي تعاني اليوم من التهجير والقلق والمصاعب اليومية بحاجة الى كلمة رجاء، لا الى خطابٍ يحمل نبرة عتبٍ أو شكوى. فالمؤمنون يحتاجون أن يروا في قيادتهم صورة الراعي الهادئ الواثق، الذي لا يتأثر بالإساءة، بل يردّ بالمحبة والمبادرة والعمل البنّاء. فما يُنتظر من القائد الكنسي هو أن يرفع القلوب الى الله، لا أن يوجّه الأنظار الى الصراعات البشرية. فإن الخطاب الدفاعي حول الانتقادات واتهام “المسيئين” يضعف من مصداقية القيادة، كما إن استخدام السلطة لإثبات الذات أو لتبرير موقف شخصي يُضعف قيمة الخدمة الكنسية.

من هنا، فإن المؤمنين يشعرون بأن السينودس يبتعد عن همومهم، وأن الخطابات الرسمية في الكثير من الأحيان تهتم بالشكل أكثر من المضمون، بمعنى الرئاسة لكنيستنا الكلدانية تخدم الصورة أكثر من خدمة الرسالة.

اليوم، صار الشعب الكلداني يرزح تحت وطأة خيبة الأمل، في ظل تناقضات كنيسته، وما يشهده من مشاحنات ونزاعات بين أعضاء السينودس المقدس، مما جعله يواجه أزمة ثقة، ويبحث عن إدارة وانفتاح يبعثان من الجديد.

إننا على يقين تام (بأن السينودس الناجح ليس ذاك الذي يتفق فيه الجميع، بل هو ذلك الذي ينصت فيه الجميع لصوت الروح الواحد، ويتناغم فيه القلب مع الحق، وتتجلى فيه الحكمة والرحمة في آنٍ معاً.)

   شعب الله المحتار

          نصلي لأجل

       يقضة ضمائركم وعودة وعيكم

Follow Us

Calendar

November 2025
S M T W T F S
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
30