Articles Arabic

سلطان ليس إلا  “حبر على ورق ” …

يُحكى أنّ سلطانًا شاخ قبل أوانه، وأصابت ذاكرته خرفٌ غريب! خرفٌ لا يُنسيه ما يجب أن يُنسى، بل يُعيد إلى ذهنه ما كان ينبغي أن يُدفن في القبور مع أصحابه. بما معنى انه: (لا ينسى بل يتناسى)

 يجلس كالعجوز الذي ضاعت منه أيامه، يفتّش في دفاتر عتيقة كمن يبحث عن أسنانٍ سقطت منذ أربعين عامًا، وأخذ يُقلب أوراق المجامع القديمة كما يقلب لحمًا يابسًا على نارٍ خامدة.

من يقرأ مقالته يظنّ أنّه أمام مؤرّخٍ رزين، لكنه سرعان ما يكتشف أنّ القلم لم يكن قلم المؤرخ، بل صرخة نفسٍ مجروحة، لم تُشفَ من توبيخٍ قديم ولا من رفضٍ مُهين، ولا من طردٍ مخزٍ، ولا من مرارةٍ تجرّعها كخمرٍ رديئة.

نفسٌ فشلت أن تبرأ، فحبست غيظها ثلاثين عامًا كاملة، لتخرج في شيخوخة مخرفة صارخة: “سأنتقم ولو من العظام!”

هنا تنكشف الفضيحة: لم يكن ما سُطِّر قلمه توثيقًا، بل قناعًا – لم تكن الأرقام أرقامًا، بل سهامًا مسمومة – لم يكن المقال إلا رسالة واحدة: “لن أنسى… لن أسامح… لن أغفر… سأقتصّ حتى من الموتى”.

أيها المخرَف المفضوح! 

*ألم تكن أنت، يااامن تتظاهر اليوم بمقام المؤرخ، من هرول كعبدٍ ذليل إلى باب الدكتاتور متوسّلًا لقاءً معه؟

*ألم تكن أنت من انحنى، وارتجف، وتوسّل كلمة رضى تُنقذك من جنديةٍ كان يُساق إليها شبابٌ أطهر وأنقى وأشرف منك، شبابٌ ارتوت الأرض بدمائهم، بينما أنت تحصّنت خلف إعفاءٍ تافه منّ به عليك الطاغية؟

*ألم تكن أنت من جعلت من قدّاس الكنيسة نشيدًا من أناشيد البلاط؟ كل إنجيلك صار مديحًا لكرسيّ الدم، وكل ذبيحتك بخورًا لعرشٍ نجس. كنت تذكر اسمه أكثر مما تذكر اسم المسيح! يا للوضاعة! يا للعار! تتغنّى بمناقب جلّادٍ كان يغتصب النساء، ويهتك الأعراض، ويُرمل الأمهات، وتظنّ نفسك “بطلاً” لأنك خرجت من الخدمة العسكرية سالمًا؟

أي خساسة أكبر من هذه؟ يا لك من مهزومٍ حاقد، خسيسٍ ناكرٍ للجميل! الكنيسة هي التي رفعتك من الحضيض، صنعتْ لك اسمًا بعدما كنت نكرة تتسكّع في الأزقّة والدرابين المعجوقة .

هاا أنت اليوم عدوّها، لأنّها لم تُصفّق لك بالقدر الذي تشتهي.

كيف تجرأت أن تُظهر للناس أنّ الكنيسة كانت سوق نخاسة؟ وهل نسيت أن نفس “السوق” الذي تزعم فضحه هو الذي حمل اسمك للأسقفية وبارك ترشيحك؟ ألم يكن هو الذي فتح لك الباب لتجلس على الكرسي الذي تتبجّح به اليوم؟ فكيف، بوقاحةٍ لم يُعرف لها مثيل، تزعم أنّ مَن اختيروا لم يكونوا مؤهّلين، وأنت أحدهم؟

أي مفارقةٍ أشدّ سخريةً من خرفك هذا؟ أن تلعن اليد التي باركتك! أن تحتقر البيت الذي آواك! أن تفضح السوق الذي اشتراك… وأنت، يا مسكين، بضاعة خايسة من ذلك السوق!

أيها السلطان المتعجرف: لو أنّك يومها قُهِرت وقبلت الهزيمة بشرف، لما وصلت اليوم إلى أن تقرع أبواب القبور. لكنك لم تتذوّق طعم الشرف يومًا، فاخترت أن تتلذّذ بطعم الثأر. انتظرت ثلاثين عامًا لا لتبني صرحًا، بل لتفتح جرحًا. لا كحكيمٍ يكتب التاريخ، بل كطفلٍ أحمق يمزّق دفاتر المدرسة القديمة انتقامًا من المعلّم.

والنتيجة التي اعلنتها بغباءك هي:  أنّك لم تنتصر قط على أحد ،،،

لم تنتصر على خصمك الراحل، فهو بين يدي رحمة الله.

لم تنتصر على التاريخ، فالتاريخ لا يكتب بأحقادٍ شخصية.

لم تنتصر على الكنيسة، فهي أوسع من ثأرك. بل لم تنتصر سوى بالهزيمة وبدرجة إمتياااز.

كشفت ما في داخلك: فراغ، غيظ، حقد، غضب، جرح لم ولن يلتئم. أردت أن تُظهر نفسك سيّد الأرشيف، فإذا بك عبدٌ لذاكرة الماضي. أردت أن تفضح غيرك، فإذا بك تفضح ذاتك. أردت أن تُهين خصومك، فإذا بك تُهين المؤسسة التي صنعتك.

وهكذا، بتنا نرى السلطان الخرفان يوزّع أرقام الماضي كما يوزّع بائعٌ متجوّل بضاعةً كاسدة لا يشتريها أحد.

منبره لم يعد منبر الإنجيل، بل دفتر ثأر / قلمه لم يعد أداة تاريخ، بل سكين انتقام / وعقله لم يعد عقل شيخٍ حكيم، بل عقل ذاكرةٍ مهووسة تتلذّذ بالنبش في القبور ///

فليُسجّل التاريخ:  زمن سلطانٌ خرفان، يلعب بالكنيسة كما يلعب جاهل بلعبة مكسورة، يلهو بالأسرار حتى يُشبع نزوة ثأرٍ لا تنتهي… سلطان ليس إلا ” حبر على ورق ” .

Follow Us

Calendar

September 2025
S M T W T F S
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
282930