حين قرأت مقال ساسوكي عن مثلث الرحمات البطريرك روفائيل بيداويد،
تذكرت المثل العراقي: “اللي ما عنده شغل يلعب بخصيانه”. قلت في نفسي: يبدو أن ساسوكي وجد نفسه بلا شغل ولا عمل، فقرر أن يملأ وقته بأرشيف السينودسات، يفتح الملفات العتيقة، يحصي الأصوات، ويعرضها كأنها مباراة كرة قدم تُبثّ على الهواء. مشهد مضحك كأننا في برنامج ترفيهي بعنوان: “أسرار الكنيسة على الهواء مباشرة”.
لكن عندما أعدت القراءة بدقة وتمحص ظهر لي أنّ الموضوع أعمق من مجرد تسلية أو ملء فراغ. القضية ليست عبثًا ولا حبًا في التوثيق والتاريخ والأرشفة، بل هي انتقام بدم بارد.
وبما أنني اعرف ساسوكي من ايام الموصل وأعرف خباثاته وحقده الدفين، تأكدتُ أن القضية هي انتقام شخصي من البطريرك بيداويد بالذات، الرجل الذي لم يجامل ساسوكي أبدا بل وبّخه أكثر من مرة أمام الكهنة. تذكرت المطران كرمو الذي كان يبكي ليالي من تمرّد ساكو وعجرفته، تذكرت كيف رفض بيداويد ترشيحه للأسقفية في سينودس لبنان وطرده من السمنير. فهمتُ لماذا المقال مكتوب بحبرٍ يقطر مرارة، ولماذا اختار الكاتب أن “يشرّح” تفاصيل انتخاب بيداويد خاصة.
القانون الكنسي واضح وضوح الشمس: ما يُقال في المجامع يبقى في المجامع. الخصوصية و السرية هنا هي قاعدة مقدسة لحماية الأساقفة ووحدة الكنيسة. لكن فجأة، وبجرة قلم، تحوّل ما هو سري إلى مادة للفرجة. (الي ما يشتري يجي يتفرج) جلسة سادسة، جلسة سابعة، أصوات لهذا المطران وذاك، وكأننا أمام برنامج “من سيربح الكرسي البطريركي؟”
أيها السادة هكذا يُهان السينودس، ولا يعود مجمعًا للأساقفة يصلّون ويميزون بروح الله، بل يتحوّل إلى دفتر حضور وغياب، وإلى أرشيف مكشوف لمن أراد أن ينتقم ويشمت.
للوهلة الأولى، قد يظن القارئ أن المقال “توثيق تاريخي”. لكن التوثيق الحقيقي يهدف إلى حفظ الحقيقة لا إلى تصفية الحسابات. وهنا يظهر الخلل: المقال لم يكتبه مؤرخ هادئ رزين الشخصية، بل كتبته (أنانية مجروحة) لم تنسَ إهانة قديمة وتلهثُ وراء الانتقام من الاحياء والأموات. يكرر عبارات: مع الأسف، لم يتحقق، لم يتفقوا، غياب، كنا نتمنى، افتقار ،،،،
ألم يكن ساسوكي يحلم أن يُصبح أسقفًا؟ ألم يكن ينتظر أن يُصفّق له بيداويد كما صفّق له الآخرون؟ لكن بدلاً من ذلك، تلقّى التجاهل والرفض. وهنا تكسّرت الأنا. وما الأنا الجريحة إن لم تجد طريقها إلى الشفاء؟ تتحول إلى مشروع انتقام مؤجّل، تُخزّن الغيظ سنوات، ثم تُخرجه كالسم في لحظة مناسبة.
حين يكتب إنسان متألم عن ماضٍ لم يُنصفه، فإن كلماته لا تخرج ببراءة، بل مغموسة بالسم والغل والغضب. الكاتب لم ينشر أرقام الجلسات ليعلّمنا شيئًا، بل ليقول: “انظروا، كانت معركة أصوات، وأنا أكشفها لكم اليوم … الذي تحسبونه بطريركا فذاً لم يحصل عليها إلا بأصوات متعثرة … كلهم سيئون”. لكن هيهاااات، نحن لك بالمرصاد لاننا نعرف تاريخك الفاشل ايها النرجسي، هذه ليست خدمة للكنيسة، بل خدمة لغرور مكسور يريد أن ينتصر متأخرًا.
المقال من أوله إلى آخره ليس إلا محاولة لاستعراض قوّة: “أنا الذي أملك الأرشيف، وأنا الذي أستطيع أن أُخرج الغسيل الكنسي في أي وقت”. إنها ليست قوة حقيقية، بل وهم، لأنّ من يملك القوة لا يحتاج أن ينتقم، بل أن يبني. أما من فقدها، فلا يملك إلا أن ينكش في الماضي ليُرضي ذاته.
المأساة هنا أن المقال جعل من المجمع الانتخابي مسرحية هزلية. أصوات هنا وهناك، تعليقات، رسائل مسرّبة… وكأننا أمام مؤامرة سياسية، لا حدث روحي. والأنكى من ذلك، أن كل هذا السرد جاء ليُحرج بيداويد بعد موته. أي انتقام أقسى من أن تطعن شخصًا راحلًا لا يستطيع الدفاع عن نفسه؟ ومَن أنت حتّى تحكم على آهلية هذا أو ذاك؟ ماذا تحسبُ نفسك؟ وهل تعتقد أن الزمن سيُنصفُك أنت؟ اتقّ الله يا تعيس، كما يقولون الكهنة: (الباطريرك روفائيل بيداويذ المثلث الرحمات كان أب حقيقي لكل كاهن) هذا كان شعورنا حينما نلتقيه …. اسال نفسك أين انت من هذا؟
التاريخ لا يُكتب بهذا الشكل، التاريخ يُكتب بالأمانة والإنصاف، لا بالثأر والشماتة. لكنك فضّلتَ أن تجعل قلمك مطرقة يضرب بها ميتًا، لا أداة إنارة تكشف الحقيقة.
فلنسمِّ الأشياء بأسمائها: ما نُشر ليس وثيقة تاريخية بل وثيقة حقد شخصي. ليس دفاعًا عن الكنيسة، بل إهانة لها. ليس بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن إشباع الغريزة القديمة بالانتقام. ومَن يقرأ المقال يظن أنه يطّلع على وثيقة “أرشيفية”، لكنه في الحقيقة يقرأ دفتر حساب شخصي مع بيداويد. هو ليس سردًا للوقائع، بل إعادة فتح لجرح قديم، وصرخة “أنا” لم تُشفى. ونحن من واكب الباطريرك روفائيل الاول بيداويذ نفهم ما بين سطورك الحاقدة ونعي بكل وضوح غايتك الخبيثة من النشر، لكننا نقولها لك وبصراحة (فشلت من جديد) مهما طال زمن غياب الباطريرك الموقر بيداويذ سيبقى تاجاً على راسك.
حينما أنهيت قراءة المقال للمرة الأخيرة، تذكرت نفس المثل العراقي من البداية: “اللي ما عنده شغل يلعب بخصيانه”، لكنني أضفت هذه المرة تتمّة ساخرة: واللي عنده جرح بكبرياءه يلعب بأسرار الكنيسة!”. هذا ما تفعله علناً يا ساسوكي القزم. تجعل من الكنيسة ملعبًا لجرحك الشخصي، ومن الأرشيف أداة لتصفية الحسابات.
أيها القارئ العزيز: ان المدعو لويس أراد أن ينتصر متأخرًا على بيداويد، لكنه في الحقيقة لم ينتصر، بل هزم نفسه بنفسه … إذ كشف للجميع أن ما يحركه ليس حب الكنيسة ولا غيرة على التاريخ، بل أنا مجروحة تتلذذ بالانتقام حتى لو كان الثمن هو فضح الأسرار الكنسية…
نداء: أوقفوه ايها الأساقفة لأنه بدأ يلعب بكل ما هو مقدس.