عِـوضاً عـن دور العـبادة في زمن وباء كـورونا ، طـقـوسـنا عـلى شاشات الإعلام المرئي في أيامنا ! هـل هـذا سـيغـيّـر مستـقـبلـنا ؟

الأب نوئيل كوركيس
لـقـد برهـنت التجـربة الأخـيرة تصاعـداً كـبـيرا بأعـداد المؤمنين ومشاركـتهم بالطقـوس الدينية عَـبر التكـنـولوجـيا الحـديثة (التواصل الإجـتماعي ــ فـيسبوك ــ حـيث غالبـية الناس والمؤسّسات لهم صفحـتهم) في مشاهـدة الـقـداديس والصلوات، وهـذه التجـربة جاءت بسبب فايروس كـورونا المتـفـشي في جميع دول العالم، والذي يُـعـدي عـن طريق اللمس أو الإقـتراب من شخـص مصاب. ولتجـنب إنـتـشاره ــ حسب تعـليمات مراكـز الصحة العالمية وقـرارات رئاسات الدول ــ تم منع أي تجـمّع للناس، وحالياً جاء قـرار الإلـتـزام بالبقاء في البـيت، لـذا تم إلغاء وغـلق كل مكان فـيه تجمعات للناس حول العالم كـله (ملاعـب رياضية، مسارح الغـناء، صالات الحـفلات، المدارس والجامعات، الشركات، المطاعم، الصالونات … إلخ)، وبعـض الـدول أغـلـقـت حـدودها أيضاً.
ولكـن لنأت إلى موضوعـنا بصورة خاصة وهو الكـنائس (ودور العـبادة أيّا كانت)، من حـيث إلغاء الـقـداديس وإعـفاء الناس من حضور الـقـداس الإلهي أيام الأحـد، فلا ذنب عـلى المؤمن خلال فـترة الإعـفاء “فلن تحسب خطيئة لمن لا يحضر القداس بتفسيح من قبل أسقف الابرشية” (فتوى)، ودعـوة المؤمنين وتـشجـيعهم عـلى مشاهـدة البث المباشر للقـداس عـلى صفحات التواصل الإجـتماعي والحصول عـلى نعـمة اللــه من خلال المناولة الروحـية”.


إن ما يواجه العالم في الـفـترة الأخـيرة، لهـوَ أمر فـريد من نوعه ولم يشهـد جـيلنا مثله. وهـذا الوباء ــ كـورونا ــ سوف يغـيّـر في العالم الكـثير من المفاهـيم الـتـقـلـيدية بحـيث أصبح الإنسان الحـر سجـين بـيته ووطنه، يعـيش مع القـلق والخوف والتوتر. إنّ ما أثـر فـينا بالأخص نحـن الكـلـدان (والغـريب من الأمر) هـو إغلاق الكـنائس وإلغاء الـقـداديس التي كان الشعـب يهـرع إليها غالباً في حالة الأوبئة والكـوارث وحروبات، ولهـذا جاءت فـتاوي رؤساء الكـنيسة تـقـيّـدا بقـرارات دائرة الصحة من الناحية الصحـية، وبالطبع فهـو قـرار حكـيم لا شك فـيه، ولكـن ألم يُـشكـّـك هذا القـرار بإيمانـنا ويزعـزعه بسبب هذا الفايروس الخـبـيث؟ حـتى وإن لم نـرَه بالعـين المجـردة، والذي أركع جـبروت الإنسان عـلى ركـبتيه، عـلماً أن هذه الـرُكـب كانت تركع في الكـنائس مستغـيثة بالـله أن يوقـف الوباء ويشفي المرضى وووو…
ألا يوجـد هـناك شخـص واحـد عـلى كـوكـبنا الأرضي مَن له “إيمان مثل حـبة الخـردل” أن يقـف صامـداً بوجه هذا العـدو المَخـفي (كـورونا) ويطلب من الـله أن يهـلكه؟.
وهـنا يجـب عـلى الإنسان اليوم أن يراجع إيمانه أكـثر من أي وقـت مضى، لأن المشكلة هي في الإنسان الخائن وليست في الـله الذي هو أمين مع وعـده، اللـه ربنا يسوع المسيح، إله إبراهيم وإسحق ويعـقـوب، فإقـبال المؤمنين عـلى مشاهـدة الـقـداس والصلوات الأخـرى عَـبر صفحات التواصل الإجـتماعي (وما أرخـصها اليوم ــ شكـرا إلى مارك زوكـربـيرغ الامريكي مؤسس FB)، أثبت أنه كان بأعـداد أكـبر بكـثير من عـدد الحـضور الفعـلي للمؤمنين في الكـنائس أيام الأحـد وغـيرها!!! أليس من شأن هـذا ــ الـبـرهان ــ أنْ يغـيّـر المفـهـوم الـتـقـلـيدي في المستـقـبل بعـدم الذهاب إلى الكـنيسة لمشاهدة الطقـوس إلكـترونياً كما أوصوا (أفـتـوا) رؤساء جـميع الكـنائس والأديان الأخـرى أيضا؟ هذا من ناحـية، ومن الناحـية الإقـتصادية كان هـذا البرهان أرخص من كل الجـوانب (غالبـية شركات الإنـترنت قـد مَنحـت خـدمات مجانية ممن ليس له قابلية لدفع الإشتراك “بدون تبسية ܬܦܣܝܐ“)، وهـنا تـتوحّـد البشرية في الأزمات.
لهـذا يجـب إعادة الـتـفـكـير بحـل هـذه المشكلة أكـثر من المشاكل الأزلية التي تعاني منها المؤسسة الكـنسية وهي:
أولاــ أزمة الكهـنة: بهـذه الطريقة تحل هـذه المشكلة، فـيكـفي عـدد قـليل من الكهـنة كي يُـلـبـوا حاجة المؤمنين.
ثانيا ــ إخـتيار الكاهن: غالـباً تكـون طبـيعة الكاهـن او اسلوبه ( Attitude ــ Style) دكـتاتـورية وخاصة الشرقي! وهي سبب إضراب الكـثير من المؤمنين عـن الذهاب إلى الكـنيسة، ولكـن عـن طريق صفحات التواصل الإجـتماعي بإمكان المؤمن أن يخـتار الإكـليروس الذي يعجـبه بمشاهـدة (إشتراك) في الـقـداس والصلاة والإستماع إلى كـرازته ووعـظه حسب الرغـبة (الناس يتذمرون بأن الموعـظة مملة مِن قِـبَـل أكـثـرية الكهـنة والأساقـفة It Doesn’t Make any Sense).
ثالثا ــ هل البـيت كنيسة؟: حـتى لو يقـول أحـدهم أن الظروف هي طارئة وإستـثـنائية، والمؤمن يجـب أن يشترك إشتراكاً فعـلياً بحـضوره إلى الكـنيسة لتـناول القـربان المقـدس!
أقـول: لي حل، بإمكان الأشخاص في البـيت أن يجـلبوا القـربان المقـدس من الكـنيسة بعـدد الأشخاص في العائلة (According to Order) كما نفعـل للمرضى الموجـودين في البـيت أو في دور العجـزة والمستـشفـيات وللناس الكـبار بالعمر الذين لا يستطيعـون الذهاب إلى الكـنيسة (يؤخـذ القـربان إلى بـيوتهم كما كان يفعـل الرهبان النسّاك (كهوف وبراري) في الماضي)، وهكـذا يمكـن للمؤمنين عـندما يشاهـدون (يشاركـون) في القـداس عَـبر صفحات التواصل الإجـتماعي، أن يهـيـئـوا أنفسهم كما أنهم في الكـنيسة. ألم تـقـولوا إجعـلوا بـيوتكم كـنائس؟؟ فعـنـدما يحـين وقـت الـتـناول يتـناولون من الـقـربان المقـدس الذي قـد قـدّسه الكاهن، بحـيث أن رب البيت يوزع الـقـربان.
رابعا ــ الكـنائس فرغت: سـتحل مشكلة تكالـيـف بناء كـنائس كـبـيرة وإدامتها وايضا التـوقـف عـن طلب الـتبرعات دائما. وربما بجمع تلك التبرعات لـتغـطية المصاريف الأخـرى للبناية. او يمكن تحـويل البنايات القائمة من الكـنائس والأديرة والسميـنيرات والمعاهـد الدينية إلى مستـشفـيات ومستوصفات ومخـتـبرات عـلمية صحـية التي برهـنت اليوم أن الإنسان بحاجة إليها أكـثر من هـذه المؤوسسات.
خامسا ــ اللـّه ام الكاهن؟: إيقاف تأليه رجـل الدين الذي غالبا هو سبب المشاكل في العالم، لأنه لا يحـل عـوض اللـه كما يتصور المؤمنون البسطاء، بل تـقـديم الإحـترام الذي يليق بالأطباء والمخـتـبـريّـين والممرضين وكل من يعـمل في هـذا الإخـتصاص وجميع العـلـوم التي تخـدم البشرية، بل وحـتى عـمال الـنـظافة. وهـنا تحل مشكلة التأمين الصحي الباهض الذي هـو أحـد أكـبر المشاكـل التي تواجها الدولة، كي يحـق لكل شخص التأمين الصحي (فلا منية من أحـد).
سادسا ــ سر الإعـتراف السفري: تحل مشكلة جـلـوس الكاهـن لساعات طويلة عـنـد سماع الإعـترافات في الكـنيسة، ولماذا؟؟؟، وايضا إنـتظار المؤمنين طويلا إلى أن يأتي دورهم للإعـتراف. فـقـد تم الإعلان عـن توفـر الإعـتراف مِن شباك السيارة بما يشبه طلب كـوب قهـوة سـفـري. ولماذا لا يكـون عـبر Facetime أو مكالمة بالطرق الحـديثة صورة وصوت؟. ولكن قال قداسة البابا حلة هذه المشكلة ايضا “افعل ما يقول تعليم الكنيسة. إنه واضح جداً: إن لم تجد كاهناً للاعتراف فتحدث مباشرة الى الرب هو أباك، واطلب الغفران من كل قلبك وقل فعل الندامة. وقل للرب: “سأعود واعترف، ولكن اغفر لي اليوم يا رب“. اذا غفر الرب خطايانا، هل نحن بحاجة الى كاهن ان يغفر خطايانا مرة اخرى؟؟؟ ، يا قداسة بابا هل اعتبرت ذاتك اعظم من اللـه، “تأليه الكاهن”!!!!؟؟؟؟


في الخـتام: شكـرا للإنسان عـلى هـذه التكـنولوجـيا التي سهّـلت أمور حـياته ولكـن في الـوقـت نـفـسه يجـب عـليه أن يتـوقـف عن عدم تغيير ما وضعه الرب في انجيله قائلا: اصنعوا هذا لذكري – فتناول القربان المقدس من المستحيل ان يتبدل الى امر اختياري حسب رغبة المؤمن. كذلك على الانسان ان يتوقف عـن صنع أي نوع من الأسلحة لـتـدمير الإنسان الذي خـلقه الـله على صورته ومثاله، وأيضا عـلـيه أن يحافـظ عـلى الطبـيعة، لا أن يغـيرها، كي يقـترب من اللـه الذي أحَـبه وهـو ربه، ومن الإنسان أخـيه.
وَقَالَ : «تُحِـبُّ الرَّبَّ إِلهَـكَ مِنْ كُلِّ قَـلـْـبِكَ ، وَمِنْ كُلِّ نَـفْـسِكَ ، وَمِنْ كُـلِّ قُـدْرَتِـكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ». انجيل لوقا 10 : 27

Comment التعليق

Click here to post a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

  • أخي وأبتي العزيز نوئيل
    طرح موفق بكل المعايير وخصوصًا الحلول السهلة والتي في متناول اليد والتكاليف شبه معدومه. لكن ينبغي عمل دراسه لبقيه الأسرار أيضا . لكن السؤال المطروح هنا وعلى ضوء المعطيات الجديدة هل سيتغير اللاهوت الكنسي بالنسبه لهذه الأسرار