بعد ست عجاف: الأساقفة الكلدان مدعوون الى تشكيل لجان لإدارة البطريركية والمؤسسة الكنسية، عسى ولعل ينقذون ما يمكن إنقاذه

الدكتور ليون برخو

يلتئم شمل الأساقفة الكلدان في اجتماع سنوي كنسي مؤسساتي (سنهودس) بعد بضعة أيام

وقد جذب الاجتماع القادم الكثير من الحديث، لا سيما الدعوة الموجهة الى بعض العلمانيين لحضور جلساته

ونحن الكلدان، كما شأننا في الغالب، والى حدّ ما شأن المكونات الأخرى لشعبنا، نهرع لأي هبة إعلامية او خطابية ونناقشها أكثر الأحيان خارج سياقها

ولهذا كانت أغلب الكتابات التي اطلعت عليها، ومع احترامي الشديد واعتزازي بأقلامها، سطحية المنحى. بمعنى أخر، تناقش الخبر وشكلياته – من سيحضر ومن لن يحضر ومن له حق الحضور ومن هو المخول بانتقاء الشخص الذي سيحضر والى أخره

اختفت من هذه الكتابات إثارة أسئلة مهمة مثل لماذا وكيف والغاية والوسيلة. لم ألحظ كتابات تسأل أولا عن الصلاحيات التي سيمنحها المجتمعون لهؤلاء ولماذا سيحضرون وماذا سيناقشون وحقوقهم وواجباتهم وما هو – وهذا بيت القصيد – جدول الأعمال في الأساس، ومن وضعه وكيف وضعه ولماذا، ومن ثم ماذا حل بالاجتماعات السابقة وهل حصلنا منها على ثمرة طيبة أم لا؟

وواحد من الأسئلة المهمة هي من هو الذي دعا الى حضور العلمانيين وما هي غايته؟ وهل هناك دعوات إعلامية أخرى له – وأقول ما أكثرها – في أمور شتى من سياسية واجتماعية وثقافية وكنسية وجنائية وتنظيمية وطقسية ومالية وغيرها كثير، وماذا حل بها وماذا كانت نتائجها؟

لا أظن أن أي من الكتابات التي سمح لي وقتي قرأتها عرجت على مثل هذه الأسئلة وسألت صاحب الدعوة مثلا: ماذا حلّ بمقترحاته السابقة حول شتى الأمور وماذا كانت نتيجة الكثير من الإعلانات والدعوات والمشاريع الخطابية التي ينشرها بين الفينة والأخرى

ولأن – حسب وجهة نظري، وأرى ان عددا لا باس به من الكلدان قد يتفقون معي – الشعب الكلداني ومؤسسته الكنسية يمران بأزمة شديدة وعاصفة، سببها المباشر الإدارة التي تحكمت بمصير الكلدان ومؤسستهم الكنسية في السنين الست العجاف الأخيرة، أصبح لزاما على الكل وعلى الخصوص المتنورين من الكلدان وضع النقاط على الحروف، لا سيما الجرح المفتوح والعميق الذي أحدثته هذه الإدارة والذي أخشى أنه لن يلتئم دون عملية جراحية تستأصل السبب والمسببات التي أدت الى الوضع البائس الذي صرنا فيه

وهنا سأضع بعض النقاط التي في رأي المتواضع تتطلب تدخلا فوريا من مجلس الأساقفة لتأسيس لجان ثلاث: واحدة إدارية وثانية طقسية والأخرى إعلامية لمسك زمام الأمور من الانفلات الذي لم يعد غائبا عن مختلف شرائح شعبنا الكلداني الأبي

أولا، ابحث اليوم عن كلداني واحد كي يقرأ بيتا من الشعر في لغته أو يذكر كتابا او كاتبا او إعلاميا أو شاعرا كلدانيا او نشيدا بلغته، أقول إن البحث قد يستمر طويلا وقد تكون نتيجته الخيبة. لماذا وكيف صار الوضع هكذا، ومن يتحمل مسؤولية ما وصلنا إليه؟ وهل كان الوضع بهذا الشكل قبل منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم، قبل بروز ظاهرة التأوين الخطيرة والمدمرة للثقافة واللغة والشعر والفنون والريازة والتراث؟ ومن كان ولا يزال قائد هذه الظاهرة التي بسببها خسر الكلدان تراثهم وطقسهم ولغتهم وأشعارهم وفنونهم وكتاباتهم ورموزهم التي لأي شعب في الدنيا تعد من أرقى ثمار الحضارة الإنسانية وتشكل ركنا أساسيا من هوية وتاريخ ووجود أي شعب او أمة تحترم نفسها وكيانها؟

ثانيا، بالكاد نخرج من معركة دونكيشوتية حتى ندخل في أخرى. ماذا كانت نتائج المعركة الإعلامية الهزيلة مع نائب مسيحي في البرلمان الذي جرجرته الإدارة البطريركية الحالية الى المحاكم؟ هل يليق بإدارة بطريركية يقدسها الكلدان الوصول الى هذا الدرك؟ وهل تقول لنا الإدارة البطريركية الحالية ماذا كانت نتيجة المحاكمة المهينة ومن خسر ومن دفع الأتعاب ومن حساب من وعلى حساب من؟ ومتى كانت البطريركية الكلدانية تدخل محاكم ضد الأخرين لأنهم فقط انتقدوها او كتبوا سلبا عنها؟ وهل يليق هذا بالمقام؟

ثالثا، في أغلب الكتابات التي قرأتها عن الهبة الإعلامية الجديدة للبطريركية بدعوتها للعلمانيين حضور الاجتماع السنوي للأساقفة الكلدان– وما أكثر هباتها وكلها تقريبا ما هي الا مثل زوبعة في فنجان – لم يتم طرح الشريحة او الشرائح من الكلدان التي تستهجنها البطريركية لا بل تحاربها دون هوادة وتقف حائلا بينها وبين خدمة الكلدان بإخلاص وتفان كما يشهد على ذلك تاريخها المجيد وحاضرها المتألق. هنا سأركز على شريحة واحدة وهي الرهبنة الهرمزدية الكلدانية التي لم تترك البطريركية فرصة إلا وشهرت السيف حول رقبتها وتأمرت عليها وترفض مشاركتها في الأنشطة الكلدانية ومنها الاجتماع السنوي للأساقفة وهي أجدر بالتمثيل فيه من أي إبراشية كلدانية ومن أي مجموعة علمانية لدى الكلدان. لا نريد ان نذكر أي أسماء، ولكن بودي أن أصرخ وأقول لقد طفح الكيل في محاربة البطريركية للرهبنة الكلدانية. من هو الأسقف الشجاع الذي يضع حدا لهذا؟ وهل سيناقش الاجتماع هذا الأمر المهم وكيف أن البطريركية قامت بتشجيع ومؤازرة بعض الرهبان الكلدان للهروب من الرهبنة وأوتهم ومنحتهم كل الحماية؟ الأسماء موجودة والموقف السابق موجود. ومن ثم، لماذا التهويل على الرهبنة الكلدانية وتقديم الشكاوى ضدها عند الفاتيكان والتوسط والتوسل كي تصبح تحت سيطرتها والتحايل على القرارات الفاتيكانية في هذا المضمار؟

رابعا، هناك عدم فهم وإدراك لدور الإعلام الذي هو سيف بتار يدمي من يتكئ عليه إن لم يحسن استخدامه. البطريركية في سنيها العجاف تتعامل مع الإعلام وكأنه غاية تبرر الوسيلة من أجل البروز وحب الذات في أغلب الأحيان، فتقع ووقعت في هفوات ومطبات كثيرة. الإعلاميون أكثر الناس إدراكا لاستغلال المواقف والأشخاص لتحقيق غاياتهم، ويرون في ظاهرة البطريركية التي لا تكف ولا تمل من الظهور وسيلة لتحقيق غاياتهم للنيل منها. لا أريد الإشارة الى ما وقع من هفوات وهي كثيرة، ولكن من الظهور الإعلامي المتكرر يبدو ان البطريركية تتهافت على الإعلام دون روية وحكمة وتحضير وشروط ومنها وضع الأسئلة مسبقا ومعرفة توجه وميل الوسيلة الإعلامية ومن ثم تحديد الإجابة ودراسة ووقعها. من هنا وجب وضع حدّ فوري للظهور الإعلامي الممل والهزيل الذي لا يقدم ولا يؤخر وأغلب الأحيان لا يتم تقديره واحترامه من المقابل وتكون نتائجه وخيمة على صاحبه الذي لا يمثل نفسه بل شعبا عريقا ومؤسسة كنسية عريقة

خامسا، كما أن البطريركية تدلي بتصريحات ومواقف إعلامية دون تحضير مسبق، كذلك تتفوه وتعلن عن مواقف في أمور خطيرة جدا كانت ولا تزال تؤرق أكبر مؤسسة في الدنيا، الا وهي التحرش الجنسي. أدلت البطريركية، حسب الأرشيف الذي لدي، بثلاثة تصريحات في هذا المجال، كل واحد منها لو تم رفعه للقضاء في الغرب لأوقعها في مصيبة كبيرة جدا. الأول، كان في الفاتيكان ذاته، واضطرت الى سحبه ورفعه فورا بعد تأنيب الفاتيكان لها. الثاني، كان في رسالة داخلية سرية للأساقفة حول الموضوع ذاته. بيد انه بسبب المعارضة الشديدة للإدارة البطريركية الحالية من بعض الأساقفة بالذات، جرى تسريبها، وهذا خرق خطير ودليل على أنه آن الأوان لتأسيس إدارة جديدة. هذه الرسالة خطيرة جدا وستكون لها تبعات ثقيلة لو جرى تبنيها ضد الإدارة البطريركية الحالية. ولكن أخطر ما وقع هو الحديث الذي ادلت به البطريركية مع شاب كلداني في حاضرة الفاتيكان. هذا الحديث يتم حاليا ترجمته الى عدة لغات من قبل المعارضين الكلدان وهو دليل دامغ بيد هذا الشاب كي يكسب أي معركة قضائية في الغرب ضد البطريركية، ومثل هذا الدليل قد أدى بالفاتيكان الى الضغط على الكرادلة والأساقفة على الاستقالة. لا أستطيع وضع أي شريط او حتى رابط هنا لأن الحديث والتصريح غير مقبول على الإطلاق ولا أظن أن أي شخص مسؤول في عالم اليوم وعلى أي مستوى سيتفوه به ما لم يكن يعاني من “حالة نكران شديدة” وما أدراك ما “حالة النكران الشديدة

سادسا وأخيرا، وهذه نقطة مهمة. بسبب سياسات هذه الإدارة بدأ الكلدان يخسرون خصوصيتهم (أنظر النقطة الأولى). سياسة التأوين تقترب جدا ما لدى الكنائس الحرة الإنجيلية (بالطبع ليس هناك أي سلبية لدي حول أي مؤسسة كنسية، وأقف على مسافة متساوية من جميعها). ولكن عندما تذهب الخصوصية ويتم محاربتها وتهميشها كما تفعل البطريركية الحالية (واللغة هي من أهم مقومات الخصوصية)، يصبح الناس فريسة سهلة لثقافات وخصوصيات دخيلة، لأنها تراها متشابهة. وهذا ما يحدث اليوم لدى الكلدان الذين يغادرون مؤسستهم الكنسية زرافات ويلتجئون الى مؤسسات كنسية أخرى لأن لم يبق تقريبا أي خصوصية لمؤسسة الكنسية الكلدانية بسبب السياسات التي أشرنا إليها. وهذا الخطر نما اول ما نما كان في محافظة كركوك (واللبيب يفهم) وأراه حاليا وبسبب سياسة التأوين البطريركية خطرا كبيرا محدقا بالكلدان كوجود وثقافة وخصوصية. ولقد ازدادت وطأته على المسيحيين المشرقيين بصورة عامة والكلدان خصوصا بعد تسنم الإدارة ذات التوجه الإنجيلي للبيت الأبيض وصار للإرساليات التبشيرية الإنجيلية من المكانة والسطوة لدى الكنائس المشرقية في العراق وسوريا ومصر ولبنان والأردن وفلسطين ما كان للإرساليات الفاتيكانية في القرن التاسع عشر. وسياسات البطريركية الحالية تساهم في مغادرة الكلدان وبهذه الأعداد التي نعرف عنها. ومن ثم، لقد منحت الإدارة الكردية في أربيل والإدارة المحلية في الموصل كل الامتيازات للإرساليات الأجنبية وهي تهرع الى المنطقة أفواجا وتركز نشاطها ضمن صفوف المسيحيين المشرقيين حصرا، ويقدم لها الأكراد والعرب في الموصل كل المساعدة للتبشير في صفوف الكلدان والسريان في العراق. أكرر، أنا لا أنظر سلبا الى أي مذهب مسيحي وأقف على مسافة واحدة من الجميع، ولكن بالنسبة للكلدان فإن تغيير المذهب يعني التخلي الكامل عن أي عامل وشرط للمحافظة على الهوية والخصوصية نتيجة للسياسات التأوينية الهدامة للإدارة البطريركية الحالية. يغادرون مؤسسة الكنيسة الكلدانية وينتمون الى مؤسسة أخرى لا علاقة لها من قريب او بعيد بإرثهم المشرقي المجيد المتمثل بلغتهم وطقسهم وأناشيدهم وفنونهم وريازتهم وتاريخهم وتقاليدهم وهويتهم. ولماذا يكترثون إن كان شعار الإدارة البطريركية الحالية هو التأوين ومن ثم التأوين الذي تفسره وتمارسه بصورة خاطئة يعارض ويعاكس مفهوم وممارسة المصطلح على أرض الواقع تماما

وهذا غيض من فيض. قد يتحفنا القراء الكرام بالمزيد او قد يحاولون الرد على ما اتينا به نقدا او تسليطا لمزيد من الضوء على النقاط الست أعلاه


بيد أنني أمل أن النقاط الست التي ذكرتها وأخرى أهملتها لضيق الوقت وعدم الإطالة – والأساقفة الكلدان ربما أدرى بشعابها – تشكل حافزا وعاملا وجزءا من جدول أعمال في اجتماعهم القادم لانتخاب إدارة أسقفية جماعية لوقف نزيف السنين العجاف الأخيرة، ومنح الكلدان – وهم يستحقون – بصيص أمل كي يبقوا شعبا متماسكا أينما حلوا على وجه البسيطة من حيث الثقافة واللغة والفنون والإدارة والطقس

التدخل المباشر من قبل الأساقفة أصبح حاجة ملحة ومصيرية ودونه أخشى أننا ذاهبون في النفق العميق والمظلم دون نهاية والذي تم حفره في السنين الست العجاف الأخيرة