لائقين بالربّ

يوسف جريس شحادة

كفرياسيف_www.almohales.org

“أقيموا لأنفسكم أساقفة وشمامسة يكونون لائقين بالربّ، أناسا ودعاء غير محبّين للمال مؤتمنين ومختبرين، لكي يقيموا لكم هم أيضا هذه الخدمة التي يقوم بها الأنبياء والمعلمون”. {سفر الديداخي الفصل الخامس عشر، موضوع الافخارستيا كما في الديداخي من كتابنا شرح القداس الإلهي بجزأين}

نص في غاية الخطورة والرهبة وقبل ان نوجز النص فلا بدّ من كلمة نردّدها على الدوام لا تعميم ولا للكتابة مكان وزمان وكل من يرى ان الحديث عنه فأدان نفسه بنفسه

“لائقين بالربّ”، بئس وبؤس لما نسمع ويحدث، كهنة مهرطقة عاشقة وتعظ عن العفّة والإخلاص وهي هي التي تهين وتلعن الرب بسلوكها على الدوام

“ودعاء غير محبين للمال” حين تسمع خوري يسافر ويتاجر بالنفوس لصالح الفلوس، وآخر يتاجر بالملابس ليربح ما تيسّر له من اليوروهات، أو قل دولار هات، كيف يمكن لخوري ان يهجر رعيته للتجارة بالرحلات؟ كيف لخوري لا يقيم الليترجيا بزمن الصوم الفصحي كما مكتوب لأنه رافق مجموعات سياحية؟ أو ليكون سائق سيارة؟ أو يحرّف التعاليم ويقيم مساء الأربعاء صلاة المسبحة الوردية والزهرية والبنيّة؟ أين المهرطق المطران؟

“مؤتمنين ومختبرين” السؤال عن أي أمور؟ الائتمان على اللينات والانزواء بهن بالزوايا؟ الائتمان بربح المال؟ أم الائتمان على الليّنة؟ ومختبرين بالسعي لطلاق سيدة من اجل الربح المالي؟ كما في بعض المحاكم الكنسية التي للخزي والعار حوّلها البعض ل “جنكسية” ، كما اقترحها احد الكتاب ولغويا تجوز وتسمى كلمة منحوتة من كلمتين”جنس+كنيسة= جنكسية

عن أي خدمة يتحدث صاحب الديداخي المسكين؟ هل سمعتم عن خوري يفتقد الأيتام ويخدمهم؟ هل سمعتم عن خوري أمين مؤتمن على نفوس الرعية؟ ويهجرها لسفره أو خجلا من مواجهى الرعية لان الناس تعرف عوراته المخفية المنكشفة؟ كيف لخوري لا يقيم خدمة الصلوات في الزمن الفصحي كل يوم؟ كيف يتجاسر خوري ان يطلب من الناس ان يحضروا القداس او مع مثله خدمة كنسية، وهو هو لا يقيم الخدمة كما يجب؟ كيف لخوري يمكن ان يكون مؤتمنا على الرعية ويهرب من الخدمة؟

في الفصلين الرابع عشر والخامس عشر من الديداخي نقتبس فقط القليل بخصوص خادم الافخارسيا أي الكاهن :” رحّبوا بكلّ من يأتيكم ليعلّمكم كل الأشياء المذكورة قبلا. غير انه اذا حاد المعلِّم عن التعليم إلى ما يناقضه فلا تُصغوا إليه. كلّ نبيّ ثبت صِدقه، صدق تعاليمه وهو يقيم سر الكنيسة _الافخارستيا ويعيش عالميا غير انه لا يعلّم الآخرين ان يعملوا ما يعمله هو، لا تحكموا فيه بينكم لان دينونته هي مع اللـه ويقول الرب:” قَائِلًا: «عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ”.{متى 3 _2 :23 }

ونسرد شرح الآباء للآيتين من كتاب الأب تادروس يعقوب مالطي:” اضطّر السيِّد أن يُعلن الويُلات أمام الجموع والتلاميذ ليس تشهيرًا بالكتبة والفريسيين، وإنما تحذيرًا لشعبه لئلاّ يُعثرهم هؤلاء بتصرُّفاتهم، وما هو أهم لئلاّ يسقط شعبه فيما سقطوا فيه. والعجيب أن الكتبة والفرّيسيّين صوبوا سهامهم ضدّ السيِّد المسيح، أمّا هو ففي لطف وعطف يقول: “كل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه واِعملوه”، وكأنه يحث الشعب على الخضوع لهم، لا من أجل سلوكهم، ولكن من أجل كرسي موسى الذي جلسوا عليه

لقد جلس الكتبة والفرّيسيّون على كرسي موسى، أي تسلّموا ناموسه، لكي يسجّلوه ويقرأوه ويفسروه، فما ينطقون به ليس من عنديَّاتهم، ولا هو ثمرة قلبهم الشرّير، وإنما هو ثمرة الكرسي الذي يجلسون عليه، أمّا أعمالهم فهي عظة مُرّة وقاتلة تحمل ثمار قلوبهم الدنسة. لهذا شجَّع السيِّد الشعب أن يسمعوا لهم فيما يصدر عن الكرسي لا ما ينبع عن قلوبهم

هذا هو حال كل خادم متكبّر يقدّم للآخرين كلمة اللـه، ليس من عندياته وإنما من الكتاب المقدّس، دون أن ينتفع هو به، وكما يقول عنه القديس أغسطينوس: {الخادم المتكبّر يُحسب مع الشيطان، أمّا عطيّة المسيح فلا تَفسد بل تفَيض نقيّة خلاله وتعبُر كالماء إلى أرض مخصبة، فيكون الخادم كقناة من الحَجر لا يقدر أن يقدّم ثمرًا بالمياه التي تعبر القناة الحجرية إلى أحواض الزهور في الحديقة. أنها لا تقدّم نموًا في داخلنا كقناة حجرية بل تهب ثمرًا كثيرًا في الحدائق}

ربّما يسأل أحدهم: كيف نحفظ ما يقوله هؤلاء الأشرار، مع أن السيِّد يقول في موضع آخر: “الإنسان الشرّير من الكنز الشرّير يُخرج الشرور، يا أولاد الأفاعي كيف تقدرون أن تتكلّموا بالصالحات وأنتم أشرّار؟” (مت12: 34-35)؟

يجيب القديس أغسطينوس، قائلًا: {يخرج الشرّير من عندياته ما هو شرّ… لأن قلبه شرّير… ولا يطلب السيِّد المسيح منّا طاعة الأشرار، لأن ما يخرجوه من كنز قلبهم الشرّير يختلف عمَّا ينطقون به وهم على كرسي موسى. مثال ذلك: في المحكمة ينطق الحاجب بما يقوله القاضي. فما ينطق به لا يُنسب إليه طالما يتّكلم في حضرة القاضي. ما ينطق به الحاجب في بيته يختلف عما ينطق به وهو في المحكمة، إذ ينطق هنا بما يسمعه من القاضي. فالحاجب ينطق بالعقوبة، أراد أو لم يرد، حتى لو كانت العقوبة موجّهة ضدّ صديق له. وينطق أيضًا بالبراءة، شاء أو لم يشأ، ولو كانت لصالح عدوّ له. فلو نطق الحاجب بحسب ما في قلبه لأعطى براءة لصديقه وعاقب عدوّه، لكنّه إذ يتكلَّم من كرسي الحُكم قد يعاقب صديقه ويبرِّئ عدوّه. هكذا بالنسبة للكتبة أيضًا، فلو أنهم تحدّثوا بحسب ما في قلوبهم لسمعتم قولهم: “لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت” (إش 22: 13)، أمّا إذا تكلّموا من على كرسي موسى فيقولون: “لا تقتل، لا تزن، لا تسرق…”. إذن لنعمل حسب ما يُعلنه الكرسي الرسمي على فم الكنيسة، لا ما تتفوَّه به قلوبهم. لذلك ينبغي عليك ألا تضطرب عندما تسمع قول الرب: “كل شجرة تُعرف من ثمارها، هل يجتنون من الشوك عنبًا؟ أو من الحَسَكِ تينًا؟” (لو 6: 44؛ مت 7: 16)… لكن أحيانًا تتشابك كروم العنب بين الحَسَك. لذلك عندما تسمع “الشوك” لا تتجاهل التفكير في العنب، إنّما اِبحث فتجد جذور الأشواك، وعليك أن تميِّزها من بين جذور الكرْم، وأعلم أن إحداها تُشير إلى قلب الكتبة والفرّيسيّين، والأخرى تُشير إلى كرسي موسى

حقًا لنقبل كلمات الخدّام ولا نمتثَّل بضعفاتهم أو شرورهم، كما لا ندين تصرفاتهم. هذا من جانبنا، أمّا من جانب الخدّام فيليق بهم أن يهتمّوا أن تكون أعمالهم ختمًا لكلماتهم، حتى لا تتحوّل عظاتهم وتوجيهاتهم إلى “فلسفة نظريّة“. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما أسوأ أن نكون فلاسفة في الكلمات لا في الأعمال

يقول السيِّد: “فإنهم يحزمون أحمالًا ثقيلة عسرة الحَمل، ويضعونها على أكتاف الناس وهم لا يريدون أن يحرّكوها بإصبعهم”. الوصيّة في ذاتها ليست مستحيلة ولا ثقيلة، وإنما إذ تصدر عن معلّمين لا يجاهدون فيها يجدها الشعب حِملًا ثقيلًا عسر الحمل، قد حزمها المعلّمون، لا ليحملوها مع الشعب، وإنما ليثقِّلوا بها كاهل الآخرين، أمّا هم فلا يفكِّرون حتى في مجرّد تحريكها بإصبعهم. وعلى العكس فإن ذات الوصيّة إذ يقدّمها معلّمون مختبِرون ومجاهِدون يفرح بها الشعب ويتسابقون على حِملها معهم. هذا ما فعله السيِّد المسيح نفسه، فإنه إذ رأى البشريّة تتسابق على الكراسي فيحزمون لإخوتهم أحمالًا ثقيلة وهم لا يريدون أن يحرّكوها بإصبعهم، إذا به يترك كرسي مجده لينزل وسط شعبه يحمل أثقالنا ويكمّل الناموس عنّا، فيصير النير هيّنًا والحمل خفيفًا