الجـزء الحادي عـشر- أبـرام ܐܒܪܡ ܟܠܕܝܐ (إبـراهـيم ) الكـلـداني

قـراءة معـمقة للمشروع الخلاصي بناءاً عـلى نـصوص الكـتاب المقـدس

أبـرام ܟܠܕܝܐ (إبـراهـيم ) الكـلـداني

الجـزء الحادي عـشر

مقـدمة

في الجـزء العاشر من هذه السلسلة التي تخص النبي إبراهيم، طرحنا ثلاث نقاط رئيسة: 1- تطور الـفكـر الديني . 2- التعـصب الديني . 3- موقـف المؤسسة الدينية تجاه معـرفة الحـقـيقة.

يـذكـر سفـر التكـوين (11/31) أنّ تارح أبو إبراهيم أخـذ بنيه وزوجاتهم وأحـفاده وخـرج من أرض أور الكلدانيـين إلى أرض حاران. تـرى ما هـو سبب هـذا الخـروج المفاجيء؟ هل هو سبب إجـتماعي، أم إقـتـصادي، أم ديني؟ أم كانت دعـوة إلهـية؟. هـذا ما سوف نبحـثه في هـذا المقال.

أبرام الكلداني يشعل فتيل النار:

من الحـوار الذي قـرأناه في الجـزء السابق بين أبرام وأبـيه تارح، يُـبـين لنا أن أبرام يرفـض عـبادة الأوثان مع أبـيه وإخـوته ويقـول: إن الـله هـو سبب الخلق، أي القـوة التي أبدعـت هذا الكـون والأرض هي الـله (إيل – إيلوهيم فـيما بعـد). من هـذا المنطلق ــ التطور الـفكـري واللاهـوتي ــ في المجال الديني لـدى أبرام، جعله أن يأخـذ موقـفاً جـريئاً تجاه عـبادة الأوثان، في أن يحـرق معـبد الأوثان في أور الكلدانيين الـذي كان والـده يكهـن فـيه، كما كان متـداولاً في قـصص شعـب إسرائيل في ذاك الزمان.

(12) في السنة الستين من حـياة أبرام، في الأسبوع الرابع، في السنة الرابعة، نهض أبرام في الليل، وأحـرق بـيت الأصنام. أحـرق كل ما فـيه، فـلم يعـرف به أحـد.

(13) ونهـضوا في الليل وحاولوا أن يخـلّصوا آلهتهم.

(14) وإنبرى هاران لمساعـدتهم، ولكـن إشتعـلت النار فـيه فمات في أور الكلدانيين.

(15) ترك تارح أور الكلدانيين هـو وأبناؤه ليمضي إلى أرض لبنان وأرض كـنعان. أقام في أرض حاران. وأقام أبرام مع تارح أخـيه في أرض حاران أسبوعـين من السنين.

كـتاب اليوبـيل (12/12-15). يكـشف لنا هـذا الـنص سبب خـروج تارح وبنيه من أرض أور الكلدانية.

فـكـرٌ أصيل وموقـفٌ هـزيل:

من النص أعلاه يتبـين لنا أن أبرام يواجه تصادماً فكـرياً فـلسفـياً مع أبناء شعـبه حـول الـفكـر الديني المتعـصب الذي لا يرى مجـريات الأمور إلا ضمن حـدوده ومحـيطه، ولا يتعـدى حـدود المحسوس الذي يخاف أن يلمسه لـئلاّ يسقـط في خلل يُـضعـف وجـودَه في الحياة. أبرام أراد أن ينـقـذ أبناء جـلدته من هذا الفكـر الضيق إلى فكـر أعمق، يحـرر الإنسان فـيها من مخاوفه، إلى مَن هو أعـظم وسبب وجوده ووجـود كل ما حـوله في أن ينمو ويكـثر في عالم إنغمس في محـدوديات أفكاره ولا يرغـب الخـروج منها. إنّ فكـر وفلسفة أبرام هي ثورة ومعـركة ضمن مجـتمع يحـمل ثوابت في حياته، يوهم نفسه ومن حـوله إذا تغـيرت تـنهار أسس تكـوينه وقـوامه. حـقـيقةً أبرام مدرسة فكـرية متطورة في زمانه تخـوض جـدالاً عـقـيماً مع شعـب هـزيل يرفـض تحـرير ذاته من مخاوفه ومعـتـقـداته.

هذا ما دعى أبرام وعائلته إلى الخـروج من أرضه الى إرض أخـرى لكي يحـيا وينمو في فكـره وينعم بحـرية قـد فـقـدها في أرضه وضمن شعـب لا يرى أكـثر من مستـوى قـدميه.

خاتمة:

إن ما حـدث لأبرام الكلداني، يحـدث على مر العصور في ((مجـتمعات وشعـوب ومؤسسات دينية)). هناك رجال يحملون في داخلهم ثورة فكـرية أو عـلمية تـدعـوا الى تحـرر الإنسان من مكـنون عـبوديته وما يحـيط به، لكـنه يجابه بردود أفعال تجعـله أما أن يحـيا بكرامة، أو يموت.

هـذا ما أكـتـشفه أبرام أن قـوة الـله الخالق في داخله، وعـليه أن يحـيا بكـرامة وحـرية في إرضٍ يمكـن أن يكـثر وينمو فـيها على مدى الأجيال. من له إذنان سامعـتان فاليسمع، ومن له عـينان بصرتان فاليـبصر.

الاب پـيتر لورنس

التعليق

Click here to post a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

  • شكرا ابونا بيتر على هذا التفسير الكتابي والواقعي الذي يربطنا نحن الكلدان مع ذريتنا ابراهيم المؤمن باللـه خالق الكون

  • الاب بيتر لورنس المحترم : مجرد سؤال ! قرات ما نشرت من الموضوع الشيق ولكن مجرد ملاحظه بسيطه وهي ان تارح هو ابو إبرام ولكن في الفقيره ١٥ ذكرت بان إبرام وأخيه تارح !! علما بان تارح هو ابو إبرام وليس أخيه !! اتمنى ان توضح هذه النقطة وأكون لك من الشاكرين … ادامكم الله بسلام وامان امين