Articles Arabic

هل كانت كلمة بابا الفاتيكان إلى أعضاء سينودس الكنيسة الكلدانية  مجرّد ملاحظة عابرة، أم نقدًا صريحًا وهجومًا مبطنًا على عهدٍ انقضى؟ ولماذا جُعلت معالجة إخفاقات ذلك العهد شرطًا لازمًا فيمن سيُنتخب لملء الشاغر الذي خلّفه؟

Leon Barkho منقول من صفحة

إنّ أي قراءة نقدية متأنية للكلمة التي ألقاها البابا لآون على مسامع الأساقفة الكلدان الملتئمين في روما لإنتخاب بطريرك جديد لا بدّ أن تؤول إلى أربع خلاصات رئيسة، تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: مساءلة ممارسات اعتمدتها الإدارة السابقة  للبطريرك لويس ساكو  نهجًا لها، وتمادت في التمسك بها رغم خطورتها وتداعياتها السلبية، حتى ارتدت عليها وانفجرت في وجهها.

فما سرّ هذا الإصرار في الكلمة على تعداد شروط محددة يتعيّن على الإدارة المقبلة الالتزام بها؟ أليست هذه الشروط ذاتها انعكاسًا مباشرًا لسلبيات جسيمة شغلت الرأي العام، وترددت أصداؤها طويلًا في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مرافقِة ذاك العهد البائد؟

حين تدعو كلمة البابا الإدارة البطريركية القادمة إلى الابتعاد عن الأعمال التي تُلبس أثواب البطولة الزائفة والإنجازات الخارقة المصطنعة، وإلى الكفّ عن إثارة الضجيج، فإنّها—لعمري—توجّه نقدًا واضحًا، وإن جاء بلغة مواربة، إلى إخفاق فادح وموثّق للإدارة السابقة. ألم تكن تلك الإدارة المستقيلة تُفرط في تسويق ذاتها، وتغدق على خطابها ادعاءات الإنجاز غير المسبوق، في تضخيم فجّ للذات لا يسنده واقع؟

أما الحديث عن الضجيج والتحذير من مغبّته، فيرقى إلى مستوى الهجوم المباشر على إدارة لم يكن من أبرز سماتها سوى صناعة الأزمات وتدوير العواصف. فما إن كانت تهدأ زوبعة حتى تستولد أخرى. ولعلّ أدق توصيف لها أنها كانت “إدارة الضجيج”، المدمنة على افتعال الصخب الإعلامي والإشعال الدائم لفضاءات التواصل الاجتماعي.

ومن هنا جاءت الدعوة الصريحة إلى أن تتحلى الإدارة  البطريركية المقبلة بالاعتدال والمسؤولية في التعاطي مع الإعلام، وبالحذر في التصريحات العامة. فقد أدرك البابا في كلمته—عن بيّنة—أن الضجيج الذي كانت تراه الإدارة السابقة إنجازًا خارقًا، لم يكن في حقيقته سوى وبالٍ يرتدّ على المؤسسة برمتها.

ولا تغفل كلمة البابا الشأن المالي، إذ تشدد بلا مواربة على ضرورة الشفافية في إدارة الأموال. ولعلّ في هذا التشديد إدانة صريحة لواقعٍ شابته عتمة كاملة في العهد السابق، حيث غابت الشفافية غيابًا تامًا عن الواردات، والنفقات، وأوجه الصرف الشهرية والسنوية، وعن ملفات بيع العقارات وغيرها.

غير أنّ أشدّ مواضع النقد حدّةً، والذي تكرر ذكره أكثر من مرة في متن الكلمة—على قصرها الذي لم يتجاوز الألف كلمة—هو ما يتصل بالنظرة إلى التراث: لغته، وطقوسه، وفنونه، وآدابه وريازته. تلك المسألة التي كانت ولا تزال بؤرة خلاف، ومصدر انقسام وضجيج داخل المؤسسة.

يطالب البابا في كلمته بلهجة واضحة وقوية الإدارة القادمة بالعودة إلى التقليد، أي إلى الطقس، وتصفه بأنه تقليد عريق وخصب، متجذر بعمق في أماكن انبثاق الخلاص.

وفي ثنايا الحديث، يطفو إحساس بالاستغراب والعتاب العميق لما آل إليه التراث الليتورجي بطقوسه وفنونه ولغته وآدابه ورياضاته الروحية. إذ يصرّ البابا في كلمته على التذكير بغنى هذا التراث، وكأن في تكراره شكوى مكتومة من إدارة فرّطت بالأمانة.

ويذهب أبعد من ذلك حين يؤكد أن الإدارة المقبلة يجب أن تكون حارسًا أمينًا للذاكرة الليتورجية الحيّة، النبيلة للكنيسة الكلدانية، لا مفرّطًا ولا متلاعبًا بها.

وتُذكّر الكلمة الحاضرين، استنادًا إلى ما أقرّه المجمع الفاتيكاني الثاني، بغنى التراث الليتورجي الشرقي، فتستحضر قوله الصريح:

«ليعلم الجميع أنّه من المهمّ جدًّا أن يعرفوا ويحترموا ويحفظوا وينمّوا تراث الشّرق الليتورجيّ والرّوحيّ الثّريّ جدًّا، للمحافظة بأمانة على كمال التّقليد المسيحيّ» (الحركة المسكونيّة، Unitatis Redintegratio، 15)

وهذا التذكير، وإن جاء بعبارة هادئة، ليس سوى إدانة غير مباشرة لحملة “التأوين” التي انتهجتها الإدارة السابقة، والتي مثّلت—في جوهرها—انتهاكًا صارخًا لمقررات المجمع، في ما يخصّ الطقس واللغة والفنون والآداب والرياضة الروحية، وواجب الحفاظ على الطقوس الشرقية بوصفها كنزًا للكنيسة الجامعة، ورفض اللتْنَة وفرض الطقوس اللاتينية، والتأكيد على حق الكنيسة المشرقية الكلدانية في العودة إلى تقاليدها الأصيلة.

هذه، في تقديري، جوهر الكلمة وثقلها الحقيقي. فالنقاط الأربع التي تضمنتها ليست مجرد توصيف نقدي لمرحلة سابقة، بل هي في آنٍ معًا خارطة طريق للإدارة القادمة، التي يترقبها الجميع بلهفة.

ولتكن هذه النقاط ميزانًا يُحتكم إليه في تقييم الأداء المقبل، ومقياسًا لمدى نجاعة الإدارة التي ستنهض بأعباء المرحلة القادمة.

Follow Us

Calendar

April 2026
S M T W T F S
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930