الشماس الانجيلي صباح حنا الشيخ
حاولنا في الرسائل الثلاث الأولى توضيح ملامح المرحلة القادمة وما الذي ينتظره بطريرك الكلدان القادم من ملفات شائكة ومعقدة وانفجارية سياسياً وفاتيكانياً وداخل السينودس الكلداني. وبيّنا أن معارضة الأساقفة الخمسة كانت سابقة وهي ستؤكد حضورها القوي والمتنفذ في المرحلة القادمة أكثر خاصة مع تجاهل أساقفة المهجر الكلدان لما يجري في العراق، فهو يعتقدون بل يؤكدون في اكثر من مناسبة أن السنوات القادمة ستشهد هجرة المتبقي من الكلدان من العراق نحو أبرشياتهم وعليهم الاستعداد والتحضير لها. فالحقيقة التي لا يُريد الشارع الكلداني ان يسمعها هو أن أغلبية الكلدان يسكنون مستقرين الآن في المهجر ولا يُفكر أيٌ منهم بالعودة، بل تأتينا الأخبار من أقربائنا وأصدقائنا في العراق بأن لا حياة ولا مُستقبلَ لعوائلهم في العراق وسوريا ولبنان وتركيا وينتظرون فرصة الهجرة في أقرب وقت.
بدأت رعايا الكلدان في المهجر في التعامل مع الجيل الثاني والثالث وعليهم التواصل رعويا مع هذه الأجيال والتعامل مع حاجاتهم الروحية والرعوية من خلال كهنة ولدوا في المهجر يعرفون كيف يتواصلون مع هذه الأجيال. لم يعد هناك حاجة لاستيراد كهنة من العراق بسبب اختلاف الثقافات ووجود عدد كافي من الكهنة في أمريكا وكندا واستراليا لتغطية حاجات الأبرشية الرعوية. فهل البطريرك القادم مستعد ليقود كنيسة لم يعد مركزها الجغرافي في أرضها التاريخية؟ وهل سيبقى العراق “القلب” فعلاً، أم سيتحوّل إلى “ذاكرة” فقط؟ إذا استمر النزيف البشري، فماذا سيبقى ليُدار: شعب حيّ أم إرث يتلاشى؟ وهل يملك البطريرك رؤية واضحة لكنيسة الشتات، أم سيبقى يفكر بعقلية كنيسة محلية لم تعد موجودة؟
هل يستطيع البطريرك الجديد أن يطلب من مطارنة المهجر الالتفات إلى العراق، وهم غارقون في تحديات رعوية يومية متزايدة؟ وهل ما يزال العراق أولوية لديهم، أم أصبح بندًا ثانويًا في جدول مزدحم؟ إذا اختلفت أولويات الداخل والخارج، فمن يحدد الاتجاه؟ ومن يتنازل؟ وهل يمكن بناء قرار كنسي موحّد، بينما الواقع الرعوي منقسم بين عالمين مختلفين؟
هناك زيادة ملحوظة في الحاجات الرعوية للجالية هنا في أمريكا مثلا وهذه الخدمة تستلزم وقتا وجهدا أكبر على حساب الاهتمام بما يجري في الوطن الأم. كما هناك حاجة ماسة لمزيد من الكهنة المولودين في المهجر. وتمويل مالي لنشاطات وفعاليات رعوية في وقت أحدثت فيه أزمة أبرشيّتنا في سانتيغو شرخا في العلاقة وكسرت ثقة الناس من أن أموالهم مُصانة وبأيادي أمينة. هل يستطيع البطريرك القادم إعادة بناء الثقة المالية بعد أن تزعزعت؟ وهل يكفي تغيير الأشخاص، أم أن المطلوب تغيير نظام الإدارة والشفافية بالكامل؟ كيف سيقنع المؤمنين بأن أموالهم مصانة، في ظل ذاكرة لم تُمحَ بعد؟ وهل يدرك أن فقدان الثقة المالية أخطر من فقدان الدعم المالي نفسه؟ وهذه كلّها تحديات عملية يتطلب التعامل معها، فيكون سؤال البطريرك: هل استطيع الاعتماد على مطارنة المهجر في المشورة والقرار؟ هل لديهم القدرة للتواصل أم أنتظر موعد انعقاد السينودس للتداول لأيام والتناسي لأشهر؟
بالعودة إلى العراق، وتوضيح ملف لا يقل خطورة عن بقيّة الملفات، فقد لا يعرف القارئ أو المتابع أن البطريرك السابق أجهّضَ على ملف العلاقات المسكونية مع الكنائس ابان فترة بطريركيّته وكان له تأثير سلبي على الكنيسة الكلدانية التي تمّ اقصائها وتهميشها من قبل الكنائس الأخر خاصة الكنيسة الأشورية والسريانية وبمساندة جهة سياسية معارضة للبطريرك الكلداني السابق، فاستغلوا الفراغ الحاصل وزجوا أنفسهم بقوّة لإثبات حضورهم وقدرتهم على صناعة القرار والوقوف بالضد من البطريرك السابق وتعطيل توجهاته فلم يستطيع تمرير اسم رئيس الديوان ولم ينجح في الحصول على الوزارة أو المناصب المخصصة للمسيحيين وكان هذا هو السبب الأول الذي ذكره في أسباب الإستقالة التي قبلها الكرسي الرسولي بأقل من 24 ساعة ويبعث له رسالة ضمنية: تعبنا منك ومن إدارتك.
الكنائس في العراق استقّرت مع هذا الواقع ولا ترغب برؤية بطريرك كلداني قوي التأثير لإدامة هذا الواقع. وهي تعرف كيف ستتعامل معه. فإن واصل نهج البطريرك السابق ستواصل الإقصاء والتهميش، وإن اختارَ نهجاً آخر ستحاول ابتلاعه واحتواؤه كونه راغب في صداقتهم ومودتهم وهم لن يُعطوها مجاناً ما لم يتنازل عن حقوق للكلدان. فهل يستطيع البطريرك إعادة بناء العلاقات مع الكنائس الأخرى، أم أن مرحلة الثقة قد انتهت؟ هل سيدخل من موقع الندّية وفرض السيادة والسلطة والرئاسة كما طالبَ سلفهُ، أم من موقع الباحث عن قبول؟ وإذا كان ثمن “العلاقة الجيدة” هو التنازل، فأين يقف الحد؟ هل يسعى إلى شراكة حقيقية، أم إلى هدنة مؤقتة تخفي صراعًا أعمق؟
كل ما بقي أن نقول هو: التركة أثقل مما استلمها البطريرك السابق.
والرب يحفظ البطريرك القادم
Add Comment أضف تعليق