منقول من صفحة Leon Barkho
توطئة
ما حدث في ألقوش من هدم لمذبح كنيسة مار قرداغ من قبل لويس ساكو قبل حوالي أسبوع ليس فعلًا عابرًا ولا حادثة يمكن تبريرها بذرائع التحديث أو الصيانة أو الترميم أو توسيع المبنى؛ إنما هو طعنة في ذاكرة الإيمان واعتداء على هيبة المكان المقدس الذي عاش فيه الناس وهم يقدسون حجارة المذبح كما يقدسون دموعهم وصلواتهم.

لم يكن المذبح جدارًا من مرمر بل كان قلبًا نابضًا في صدر الكنيسة ومن يهدم القلب يقتل الجسد حتى لو بقي الجسد واقفًا. لويس ساكو ارتكب خطيئة لا تُغتفر لا لأنها طالت حجارة بل لأنها طالت رمزًا وهوية وطقسًا وتراثا وذاكرة كلدانية ضاربة في عمق المشرق. من يجرؤ على محو ذاكرة كهذه إلا من كره جذره وحن إلى غربٍ لا يعرف طعم البخور الشرقي ولا رنين لغتنا التي صلّى بها أجدادنا تحت النيران.

غرور الكرسي
إنها ليست مسألة طراز معماري أو ذوق شخصي بل مسألة هوية كاملة هُدمت أمام أعين الناس بلا تفسير ولا تبرير ودون مقدمات سوى نزوة السلطة وغرور الكرسي الذي يظن أن بوسعه أن يغيّر ما ورثته الأجيال بالدمع والصلاة. من هدم المذبح في ألقوش هدمَ آخر ما تبقّى من الجمال البسيط الذي كان يربطنا بتاريخنا كأننا لم نتعلم من كل ما فُقد من قبل ولم نفهم بعد أن التراث حتى بأثاره إن كانت من الحجر أم الطين أم الطوف أم اللبن ما هو إلا جسراً بين الأحياء والأموات بين ماضينا وجذورنا وبين الله وذاكرة الإنسان.
فعل لا يمكن تبريره
هذا الفعل لا يمكن تبريره بأي حجة دينية أو طقسية أو إصلاحية أو ترميمية لأنه ينطوي على نزعة اقتلاع لا إصلاح وهدم وليس تجديد أو حداثة وطمس لهوية مشرقية وليس بعث الحياة فيها، وهذا ديدن لويس ساكو في أغلب ممارساته – نزعة احتقار لما هو مشرقي أصيل واستبداله بما هو دخيل باهت بلا روح. إن من يجرؤ على هدم مذبح كهذا قد يجرؤ غداً على حرق كتاب الطقوس وعلى محو اللغة وعلى تحويل الكنيسة من بيت صلاة إلى صالة عرض بلا ذاكرة. أولم يفعل لويس ساكو كل هذا؟
نحن أمام مأساة أخلاقية وروحية لا تُمسح باعتذار ولا تُبرر بصيانة فنية لأن الذي يُهدم في مثل هذه الأفعال ليس الحجر بل ما في الحجر من قداسة ومعنى. المذبح كان مثل قلب ألقوش يخفق كلما رُفعت عليه ذبيحة القداس واليوم صار رمادًا بأمر من رجل يزعم الرعاية وهو في الحقيقة يمارس محواً ممنهجًا لكل ما يذكّره بأصالة أمته وإيمانها وطقسها.
سيذكر التاريخ هذه اللحظة كوصمة عار في جبين من خان التراث وخذل الذاكرة وسيبقى اسم ألقوش شاهدًا على أن التراب يمكن أن يبكي وأن المذابح يمكن أن تُصلَب كما صُلِب أصحابها قبل قرون باسم الحداثة وباسم التأوين وباسم فهمٍ جديدٍ للدين في حين أن الحقيقة أنها رغبة قديمة في اقتلاع الجذور لأن الجذور تؤلم من يريد أن يعيش بلا ماضٍ.






