موضوع منقول من صفحة Saad Hanna
ينهض مشروعُ نشر أرشيف البطريركية بسؤالٍ يتجاوز تقنية الإتاحة إلى معنى الذاكرة في حياة الكنيسة: هل نفتح الصفحات المطويّة ليتنفّس الماضي، أم نتركها حيث هي كي لا تتطاير غبرة السنين على وجوه الأحياء؟ ليست المسألة «مع» الشفافية أو «ضدّها»، بل كيف نصوغ شفافية راعوية تحوّل الذاكرة من عبءٍ إلى حكمة.
أبديت تحفظي على الأسلوب المطروح لنشر أعمال السينودس الكلداني. فإتاحة الوثائق الكنسية الحساسة يجب أن تمرّ عبر إطارٍ مؤسسي ومنهجي واضح يحفظ سرّية المداولات، ويصون وحدة الكنيسة وثقة المشاركين.
تفاصيل محاضر الجلسات—كعدد الأصوات ونِسَبها، وأسماء المتدخّلين، ومضامين النقاشات—ليست موادًا للنشر العام. هذه المعلومات أُنتجت في سياقٍ مغلق يتيح الصراحة والشجاعة. نشرها كما هي يهدد الثقة المتبادلة ويثبط الجرأة في الاجتماعات المقبلة. يجب التمييز بين ما يجوز نشره من قراراتٍ ختامية وصيغ رسمية وتوصيات موجزة، وبين ما ينبغي حجبه أو تمويهه من التفاصيل الشخصية والحساسة.
هذا العمل التحريري لا يرتبط مباشرةً بالبطريرك من حيث التنفيذ. فالبطريرك رأسٌ راعوي وإداري، أما القراءة الأرشيفية والتحرير العلمي فهما من اختصاص لجنةٍ مستقلة أو باحثٍ مُكلَّف مع فريق يضم لاهوتيين وقانونيين وأرشيفيين. تولّي صاحب المنصب هذا النشر بنفسه، مهما حسُنت النيات، يخلق تضاربًا في الأدوار ويعرّض العمل لشبهة الانتقائية أو التطويع غير المقصود.
ومن جهة المشروعية، ينبغي أن يسبق أي نشرٍ قرارٌ سينودسي صريح يحدّد نطاق المشروع وضوابطه: ما يُنشر وما لا يُنشر، مستويات التعتيم والترميز لحماية الخصوصية، آليات المراجعة والتحكيم، الجدول الزمني، وجهة المتابعة والمساءلة. من دون هذا التفويض الجماعي يبقى النشر ضعيفًا مؤسسيًا ومُعرَّضًا للطعن.
التاريخ ليس محايدًا؛ الوثيقة لا تتكلم وحدها بل تُستدعى وتُفسَّر داخل قواميس راهنة. والذاكرة الجماعية قابلة لإعادة تنشيط الجراح بمجرد استدعاء سرديةٍ قديمة. نشر وثائق بلا سياقٍ كافٍ قد يحرّك مشاعر اتهامٍ واصطفاف ويُنتج انطباعًا بأن الكنيسة تعيد محاكمة ذاتها أو خصومها في محكمة الرأي العام.
راعويًا، الكنيسة جماعة حيّة قبل أن تكون مؤسّسة تحفظ الأختام. رسالة الراعي ليست مجرّد «إتاحة» للمعلومات، بل صون القلوب ووحدة الصفّ وترشيد الضمائر نحو الرجاء. المؤمنون يحتاجون إلى كلماتٍ تجمع وتدلّ على الطريق وسط عواصف أخلاقية واجتماعية، لا إلى سجالاتٍ تنقل ثِقل الأمس إلى أكتاف الغد. فإذا تحوّل الأرشيف إلى مسرحٍ لفضولٍ متعجّل أو إلى منبر لتصفية حساباتٍ قديمة، تضرّرت الثقة المتبادلة وارتبك رجاء الصغار وضعُفت قابلية الإصغاء للإنجيل في اليوميات.
والحياة الكنسيّة تُختبَر يوميًّا في المواضع الصغيرة: صفّ التعليم المسيحي، أعمال الرحمة والمحبّة، وجع أمٍّ فقدت أبناءها بالهجرة، وسؤال شابٍّ يبحث عن معنى. ما الذي سيجلبه لهم فتح الأرشيف؟ غير تبدّد التركيز وطبَع الحاضر بلون الخصومات الغابرة، فهو خروجٌ عن مقصد الرعاية. هنا يكمن جوهر النقد: لا قيمة لأي إجراء — ولو استند إلى شعاراتٍ رنّانة — إن لم يتجسّد في خلاص النفوس وبناء الجسد الواحد.
……………………………….
ملاحظات على المقال الأخير: https://chaldeanpatriarchate.com/…/%d8%a7%d9%84%d8%b3…/
1. سرّية المداولات السينودسية: خُرقت بنشر تفاصيل كعدد المصوّتين ورسم الاصطفافات (“فريق اندراوس صنا” في مقابل “فريق عمانوئيل دلي”) وذكر تقييماتٍ شخصية. السرّية ليست تعتيمًا بل شرطًا لصدق الحوار. الأصل نشر القرارات والمراسيم وأسبابها العامة، لا محاضر النقاش ولا نسب الأصوات.
2. خلطٌ بين تحرير الأرشيف وخطاب السلطة: تكرار «في عهدي…» ومقارنة قرارات الماضي بإنجازاتٍ راهنة يحوّل النص من توثيقٍ محايد إلى سردية تبريرية لمنهجٍ قيادي حاضر.
3. الاستشهاد بالسفير البابوي: تقديم أقواله بوصفها «خريطة طريق» يمنح النص سلطة رمزية، لكنه يقتطع توصيفاتٍ قاسية من سياقها، (“كنيسة راكدة، مشلولة”)، لتسويغ قراءة معينة للتاريخ. إن كان الهدف دراسيًا، فليُدرَج الاقتباس ضمن جهازٍ نقدي يبيّن سياقه وظروفه ومآلاته، لا كأداة تأديبية بأثرٍ رجعي.
4. قصورٌ منهجي: لا بيان واضحًا للمصادر ولا معايير التحقيق والمقابلة، ولا لما حُجِب ولماذا. عبارة من نوع «وجدتُ صعوبة… فعُدتُ إلى المحضر المترجَم» لا تكفي لإصدارٍ أرشيفي رصين. التحرير العلمي يقتضي وصف النسخ وتوثيق الفروق ووضع هوامش وبيبليوغرافيا وفهارس، وتحديد سياسة تعتيم الأسماء والبيانات الحساسة.
5. أحكامٌ تعميمية تُحيي الاستقطاب: تعليقات حادّة على مرحلةٍ كاملة وربطها بالحاضر (كمسألة مقاطعة سينودس 2024) يحوّل النشر من جسرٍ للتعلّم إلى منصّة محاسبة علنية، بما يضرّ وحدة الجماعة.
6. تناقضٌ خطابي: الدعوة إلى «كتمان سرّ ما يدور في الاجتماع» تقابلها إتاحةٌ علنية لجزءٍ معتبر مما دار؛ فيضعف ذلك الرسالة التربوية. يكثر المقال من التفاصيل الإدارية الدقيقة (تعيينات، اعتذارات، خلافات رهبانية، مسائل مالية، وضع أبرشيات صغيرة بالأرقام): ما المصلحة العامة في معرفتها؟ هل تضرّ بسمعة أشخاص أحياء أو بذكرى راحلين؟ هل تقود إلى فهمٍ أفضل لصناعة القرار أم تغذّي الفضول؟ إن كان المقصود تعليم الأجيال، فلتُنتقَ المواد بعناية مع شرحٍ سياقي، لا نشر محاضر خام تُلقي ظلالًا على أشخاص وقرارات.
7. خصوصيات الرهبانيات: تناولُ خلافٍ داخلي بين «بنات مريم» بأسماءٍ وتفاصيل شخصية وخلطُ الخبر بالتقييم يعرّض السمعة والخصوصية للخطر، ويُربك القارئ في نسب القرارات بين السينودس والبطريرك والزائر الرسولي والمجمع الشرقي، مع غياب وثائق مسانِدة وجهاز نقدي. الصياغة الرصينة تكتفي بالنتيجة المؤسسية (تعيين زائر رسولي ثم تشكيل قيادة جديدة)، مع إحالةٍ إلى النصوص الرسمية لمن يحتاج الاطلاع العلمي، وتعتييم الأسماء الحساسة، واستخلاص درسٍ عام حول آليات حلّ النزاعات وتحديث القوانين الداخلية وعلاقة الرهبنة بالأساقفة، صونًا للكرامة والسمعة وتحقيقًا لغاية التوثيق الإصلاحي بلا إيذاء.
أخيرًا، لا صلة لما نقوله بتصنيفات «نقدٍ ناعم» أو «غير ناعم». النقد بنّاء ما دام خاليًا من الإهانة وموجَّهًا إلى الفكرة والمنهج، لا إلى الأشخاص. وهذه الملاحظات قصدُها حماية ثقة الجماعة وسمعتها، لا تجريح أحد.
المطران سعد سيروب حنا





