موضوع منقول من صفحة Saad Hanna
أكتبُ هذه الملاحظات النقدية على خلفية نشر البطريركية مقالاً جديداً عن «السينودسات التي عُقِدَت في عهد البطريرك روفائيل بيداويد». https://chaldeanpatriarchate.com/2025/09/04/السينودسات-التي-عُق%D9%90دَت-في-عهد-البطري/
الدافع ليس شخصيًا ولا سجاليًا، بل هو شعور بالمسؤولية تجاه نصّ صادر عن جهة كنسية رسمية يُفترَض أن يلتزم أعلى معايير السرية والدقّة والمنهج والتوثيق عندما يتناول ذاكرةً مؤسسية بهذا الوزن.
أرى أنّ المقدّمة تُعلن عن نفسها “مهنية وعلمية”، لكنها تتعثّر عند أول اختبار بسيط للدقة. الخلط بين 1989–2001 و1989–2002، ثم إقحام صورة لسينودس 2002، ليس تفصيلاً عابرًا بنظري؛ إنه خلل في تحديد النطاق الزمني يقوّض ثقتي بما سيأتي لاحقًا. من يعجز عن تثبيت خطّ زمني واضح لا يحقّ له أن يطالبني بتصديق أحكام عامة عن عقدٍ كامل من السينودسات.
وأجد أنّ المشكلة الأعمق هي غياب المنهج. لا تعريف مضبوط للفارق بين “سينودس” و“مجمع”، لا بيان لمصادر المحاضر وحدودها، ولا معايير لاختيار الوثائق أو طريقة لتحليلها. الجملة الحاسمة: “لم يُطبَّق إلا القليل” تُلقى كحكمٍ نهائي بلا أمثلة، ولا نسب، ولا تتبّع زمني.
أما في ما يتعلّق بالسرّية، فمرفوض تمامًا الإيحاء بأن «السرّية تنتهي برحيل الأشخاص». السرّية — بحسب القواعد الكنسية المعمول بها — هي التزامٌ مؤسسي تُحدَّد مادته ومدّته وآلية رفعه بقرارات رسمية من الهيئات المختصة، لا باعتبارات اجتماعية أو وجدانية.
في أعمال السينودس والانتخابات خصوصًا، تُفرَض سرّية على المداولات والتصويت، ويُنظَّم حفظ الوثائق في «أرشيف سرّي» بإشراف السلطة المختصة وبمفاتيح وضوابط. القول بسقوط السرّية تلقائيًا بتغيّر الأشخاص يتجاهل هذه البنية القانونية ويشوّش على الحسّ المؤسسي المطلوب.
ويثور سؤال عملي: أسفي أن يقوم البطريرك نفسه على نشر «محاضر» سرّية؟ رئاسة السينودس لا تمنح صلاحية رفع السرّية من تلقاء الذات. النشر — جزئيًا أو كليًا — يحتاج تفويضًا صريحًا أو قرارًا سينودسيًا/قانونيًا يحدّد ما يُنشر وكيف ومتى. أي نشرٍ أحادي للـ«محاضر»—لا «البيانات»—يُعرّض المؤسسة لتجاوز اختصاص، ويصطدم بحقوق الخصوصية، ويفتح باب الطعن في سلامة الإجراءات والأرشفة. مكانة الرئيس لا تُغني عن الإجراء.
ويبدو ليّ ان الناشر لا يمييز بين «البيان الختامي» و«الأعمال/المقرّرات» و«المحاضر». البيان موجّه للرأي العام ويختزل ما تقرّر الإعلان عنه. «الأعمال/المقرّرات» نصوص تنظيميّة تُنشَر بعد استكمال إجراءات التثبيت والتبليغ. أمّا «المحاضر» فهي مادة المداولات: مداخلات، مسودّات، أرقام تصويت… وهذه بطبيعتها وثائق داخلية تحفظ في الأرشيف وتخضع لسرّية متدرّجة، ولا تُنشَر — إن نُشرت —إلا بقرار مؤسسي لاحق، وبعد تنقيح يحمي الأسماء والبيانات الحساسة، أو ضمن طبعة تاريخية محكّمة بعد آجال مضبوطة.
لغة المقدّمة ونبرتها تزيدان الارتياب. عبارات من قبيل “الانتقادات لن تنتهي” و“الهدف ليس الانتقاد” تجعلنا نشعر أن الكاتب يتهيّب النقد مسبقًا بدل أن يقدّم أطروحة محكمة. إدراج تمنّيات وعبارات وجدانية (“أتمنى”، “للأسف”) مكان المعطيات الصلبة يُضعف النص ويحوّله إلى مرافعة لا مقدّمة بحث.
وأما تجاهل تضارب المصالح الكامن. عندما يعتمد الكاتب، وهو مسؤول مؤسسي، البطريرك في هذه الحالة، على أرشيف مؤسسته ليقيّم حقبة أسلافه، ثم يُصدر أحكامًا تقويمية، أتوقع إفصاحًا واضحًا عن هذا التعارض وآلية مراجعة مستقلة أو تحكيم علمي. غياب ذلك يجعل النص أقرب إلى بيان داخلي متزيٍّ بلباس أكاديمي، وهذا مرفوض بالنسبة لي كمؤمن يطلب الاستقلالية والشفافية.
حتى البناء النصّي لا يساعدنا كمؤمنين وقارئين. لا خريطة طريق، ولا جدول زمني بالسينودسات، وقفزة مباشرة إلى “السينودس الأول” من دون تمهيد يهيّئ مسار القراءة. الصورة المضافة بلا وظيفة معرفية تزيد الغموض. نشعر وكأننا ندخَلُ إلى نصّ يكثر من الوعود ويشحّ بالأدوات.
خلاصة القول: برأيي هذه المقالة كسابقتها أقرب إلى مديح ضمني شخصي ذات حمولة مؤسسية منها إلى مدخل بحثي رصين. للأسف، بدل القياسات انطباعات، والتبريرات بإطار منهجي، والتعميم العموميات بأمثلة موثّقة، فلن تتجاوز كونها نصًا إنشائيًا يرتدي معطف الأكاديمية من دون امتلاك أدواتها. هذا ما أضعه على الطاولة باسمي وبمعاييري التي لا أساوم عليها.
المطران سعد سيروب حنا