ليس حزني على الوقائع في ذاتها، فالتاريخ يُحمل كما هو، بل على طريقة عرضها، وعلى الخلط المؤذي بين الذاكرة الشخصية والخبر المؤسسي والحكم القاطع. مؤمنونا يستحقون خطاباً يليق بكرامتهم ويُبني وحدتهم، لا نصاً يحوّل ما يجب أن يكون شفاءً للذاكرة إلى جرحٍ مفتوح.
وإن كان المقال يحمل مادةً ثمينة من الأرشيف، لكن ما غاب عنه هو التواضع المنهجي ولغة الرعاية. حين ننشر أرقام تصويت ومداولات مجمعية مغلقة بلا إذن أرشيفي أو تفسير كنسي، نحن لا نمارس شفافية، بل نُضعفُ الثقة التي تُتيح للأساقفة أن يتكلموا بحرية أمام الله. السرّية في السينودس ليست ستراً على فساد، بل ضمانة للضمائر. وما لم نُحسن التفريق بين ما ينبغي أن يُحفظ في المحاضر وما يجوز نشره للرأي العام، سنُربك شعبنا ونُعرّض بعض إخوتنا لظلمٍ مجاني.
كما أنّ خلط الأجناس الأدبية أوقع القارىء المؤمن في الحيرة. العنوان يعد بجرد للمجامع بين 1989 و2001، بينما المتن يمتدّ إلى سيرة ومواقف وحكمٍ قاسٍ على أشخاص وخيارات. إن كان النص مذكّرات فليُقدَّم كذلك، وإن كان دراسة فليُسند بالهوامش والإحالات، وإن كان بياناً رعويّاً فليتحلَّ بميزان الرحمة وبناء الجماعة. أمّا أن نجمعها كلها في مقالة “أخبار” فهذا يسيء إلى العلم والروح معاً.
ولقد آلمني أن تنزلق العبارة إلى أحكام عامة جارحة من قبيل “اختير أساقفة يفتقرون إلى الأهلية”. هذه عباراتٌ لا تبني ولا تصلح، وتلقي ظلالاً كثيفة على خدمة أُنجز فيها الكثير بجهدٍ محدود وموارد شحيحة. نعم، قد تكون وقعت أخطاء، وربما قرارات موجعة، ولكن إصلاح الأخطاء لا يكون بالتشهير، بل بإظهار الحقيقة في محبة، وبوضع الوقائع في سياقها، وبإتاحة حق الرد، وباستحضار معيار الإنجيل: أن نَصدُقَ في المحبة.
أما سرد لقاءات سياسية حسّاسة من غير تفكيك للسياق التاريخي وضغوط المرحلة، فيُعرّض النص لسوء فهم كبير. علاقتنا بالسلطة، في كل الأزمنة، كانت ميدان تمييز شاق. نحن نقرأ هذه الصفحات اليوم لكي نتعلّم كيف نُبقي كرامة الكنيسة وشهادة الإنجيل، لا لكي نُثبّت انطباعات سريعة أو نُمرّر تبريرات سهلة. مؤمنونا، وخاصة الأجيال الجديدة، يحتاجون أن نفكك لهم اللغة الرسمية للزمن الماضي ونقول بوضوح أين كان الاضطرار وأين كان الهامش، وأين أصبنا وأين أخطأنا.
كلي أسف لأن منبرنا الرسمي سمح بنصٍ لا يراعي هذا الميزان. نحن مسؤولون أمام الرب وأمام ضمائرنا أن نرفع مستوى الخطاب، وأن نحفظ كرامة الأشخاص أحياءً وأمواتاً، وأن نفصل بين الرأي الشخصي وبين التاريخ المحرَّر، وأن نميّز متى تكون الشفافية واجبة ومتى تصير فضولاً يجرح. لا نريد أن نكمّم الحقيقة، بل أن نخدمها حتى لا تتحوّل إلى مطرقة تُحطّم من نريد إصلاحه.
وأما بذور الخيرٍ: الإشارات إلى إصلاحات مؤسسية، وحنينٌ إلى ليتورجيا مفهومة، وشغفٌ بتنشئة رصينة، وتوقٌ إلى سينودسية صادقة. هذه كلها مداخل رحمة إذا أُعيد تحريرها بلغة تواضع، وإذا أُسندت بمراجع واضحة، وإذا قدّمت عِبَراً عملية لمؤمن اليوم: كيف نفهم ونصلّي، كيف نختلف بكياسة، كيف نُحاسِب بلا تجريح، وكيف نُعاوِنُ بدل أن نحاصر بتعليقات تُضعف ولا تبني.
إن مسؤولية الكلمة في الكنيسة ليست ترفاً أدبياً، بل وجه من وجوه الأسرار. الكلمة قد تفتح نافذة رجاء وقد تغلق باباً في وجه أخٍ متألم. وإن كان لا بد من قول الحق، فلنقله بميزان المسيح: الحقيقة من دون محبة قسوة، والمحبة من دون حقيقة تمييع. أمّا نحن، فسنُسأل عن الاثنين معاً.
ولكي يكون لما نكتب معنى عند المؤمن اليوم، لا بدّ أن ننتقل من «الحُكم» إلى «التمييز». نحن مدعوّون أن نسمي الجراح بأسمائها، وأن نقرّ بأخطائنا، وأن نشكر على النِعم التي أُعطيت لنا، وأن نُخرج من الماضي دروساً عملية: لغةٌ رصينة في التواصل، محاسبةٌ قابلة للتحقّق لا للتشفي، ليتورجيا مفهومة تُنير العقل والقلب، وتنشئةٌ تُخرِج خُدّاماً لا متنافسين. أطلب الصفح من شعبنا لأن منبرنا الرسمي لم يراعِ هذا الميزان، ولم يحفظ الحقيقة في ميزان المحبة: فالسريّة في الاقتراع تُصان، وحرية الانتخاب تُحترم، وسمعة الأشخاص تُحفظ، والأرشيف يُدار بأمانة، وكلّ ذلك ليس شكلياتٍ قانونية، بل تجلّياتٌ لعدالة الإنجيل في الكنيسة.
أكتب هذا وأنا متأسّف على المستوى الواطئ الذي انزلقت إليه المقالة في شكلها ومنصّتها، ومقتنعٌ بمخالفتها القانون وحرفه: سرّيةُ الاقتراع وفق ق. 71 §2، سريّةُ الأفعال بحسب ما يقرّره السينودس مع حفظ ما أوجبه القانون العام (ق. 111 §2)، حرّية الانتخاب التي يَبطُل معها كلّ تأثيرٍ مُخِلّ (ق. 952)، صيانة السمعة والخصوصية (ق. 23)، واحترام نظام الأرشيف السرّي (ق. 256–260)، فضلاً عن واجب التعبير بالرأي مع حفظ الكرامة (ق. 15 §3).
اتمنى ان يمحى هذا المقال من ذاكرة المؤمن: أن نُصلح لا أن نفضح، وأن نداوي لا أن نُضعف، وأن نكتب تاريخنا بضمير الكنيسة لا بنزق اللحظة. بهذه الروح، تُصبح كتابةُ تاريخنا فعلَ خدمةٍ لا أداةَ خصومة، وشهادةَ رجاءٍ لا وثيقةَ انقسام.
المطران سعد سيروب حنا