Articles Arabic

عندما يتحوّل الجناز إلى منبر جدل: تفكيك وهم دعوة البطريرك الكلداني الى ترجمة الطقوس إلى اللغة الكردية

Saad Hanna منقول من صفحة 

نشرت البطريركية اليوم مقالاً او بيانًا عن “لماذا دعوت الى ترجمة طقوسنا الى الكردية”.. https://chaldeanpatriarchate.com/2025/07/04/لماذا-دعوتُ-الى-ترجمة-طقوسنا-الى-اللغة/

وعليه اكتب هذا المقال!

كان يمكن لطقس الجناز على شرف المطران الراحل المثلث الرحمة بولس ثابت أن يبقى مساحة صمت وتأمّل، لولا استغلاله لإطلاق مبادرة لغويّة خلافيّة لا تمتّ إلى المناسبة بصلة.

فقد بدا الحديث عن ترجمة الطقس إلى الكردية، مع كل الاحترام والتقدير للغة الكردية وللشعب الكردي، في لحظة حزن جماعي وكأنه خروج مقصود عن روح العزاء، إذ حُوِّل المنبر الذي اجتمع الناس تحت ظلاله ليودّعوا راعيهم الشابّ إلى محفل دعائي يفتقر إلى الحسّ الرعويّ واللياقة الوجدانية. ما هكذا تُبنى الجسور، ولا هكذا تُستثار قضايا حسّاسة أمام عائلة المفجوعين ووجوه رعيّة تتوسّم في كنيستها الملاذ لا المنبر للالتفاف على وجعها.

يزيد الطرح هشاشةً أنه يتجاهل الواقع الديموغرافي واللغوي للمكان نفسه: فالأهالي في القرية يتكلمون اللغة الكلدانية ويحتفلون بإيمانهم باللغة الكلدانية، ويعتزون بكونها كلدانية، وهي آخر ما تبقّى لهم من هوية أجدادٍ مزّقتهم الهجرات والحروب. أي مسوّغ ملحّ يستدعي إدخال طقس كردي في ناحية لا يسكنها غير الكلدان؟ إن تعميم صورة بروتوكوليّة عن «وفد رسمي كردي» ليُبنى عليها مشروع طقسيّ كامل أشبه بمن يُشيِّد ناطحة سحاب على قطعة كرتون؛ فهو خلطٌ بين استثناء بروتوكولي وحاجة ليتورجية حقيقية لا تظهر على الأرض.

يحتمي البيان بشعار «اذهبوا إلى العالم أجمع»، لكنه يتجاهل أنّ الانتشار الرسولي مقيّد بضوابط كنسيّة دقيقة توازن بين البشارة وصون التراث الطقسي. الاستشهاد المتكرّر بهذه الآية، من دون أي إحالة إلى قوانين الكنيسة أو تعليمات المجامع، يجعل الدعوة أشبه بتسوية خطابية تُستدعى كلما استعصت الحجّة، لا خطة مدروسة بأثمانها ونتائجها. بذلك يصبح النص أقرب إلى عاطفةٍ رنّانة منه إلى برهان يُعتدّ به.

الأدهى أنّ البيان ينفي اتّصاله بالسياسة بينما يُشمّ منه استرضاء واضح لرموز سلطويّة حاضرة في القداس. إن إغفال حساسيّات عربيّة–كرديّة–مسيحيّة متجذّرة في العراق لا يسقطها من الواقع؛ بل يكشف وهماً أو سذاجة في تقدير المشهد، ويُخشى أن يُستخدَم لتمرير أجندات يراد للكنيسة أن تبدو موقّعة عليها. في لحظة تاريخيّة تتطلّب أن تكون الكنيسة صمّام أمان، يزجّ بها هذا الاقتراح في قلب تجاذبات لا طائل لها سوى إضعاف صوتها النبويّ.

إن إلقاء فكرة بهذا الحجم بلا دراسة جدوى أو مسار زمني يجعلها مجرّد بالون يبادل صاحبه التصفيق اللحظي ويورّط غيره بمعضلة لوجستية وأعباء ماليّة. حين تفتقر المبادرة إلى خطة، تتحوّل إلى عبء يضاف إلى قائمة أوجاع جماعة صغيرة أنهكتها الهجرة والفقر.

وأخيراً، يشي الخطاب بنزعةٍ لتذويب الهوية الكلدانيّة عبر إضفاء طابع «وطني» أو «قومي» يلبس كل الجغرافيات ثوباً واحداً. الإيهام بأن القوش «كردية» أو «عربية» يتغافل عن حقيقتها الأعمق: إنها عراقية في جذورها، كلدانيّة في لسانها، وليست رقعة شطرنج على طاولة صفقات الهويّات السائلة. الترجمة تكون جسراً حين تدعو الحاجة، لا حين تُفرض اعتباطاً في لحظة عزاء.

بهذا كله تتكشّف هشاشة الحجّة: توقيتٌ غير ملائم، واقع لغويّ لا يستدعي تدخّلاً، غياب مرجعية كنسيّة واضحة، تعامٍ عن حساسيات سياسية، وانعدام خطة تفصيلية. وما كان ينبغي لمبادرة يُفترض أن تخدم الإنجيل أن تظهر بهذه الخفة فتزرع الشك بدل الرجاء، وتضعف مناعة هوية تحاول أن تبقى حيّة وسط ركام النزوح والانقراض. إذا كان الهدف فعلاً هو الوصول إلى الناس، فبداية الطريق ليست هدم جدران البيت، بل ترميمه بحكمة، والإصغاء أولاً إلى من يسكنونه.

المطران سعد سيروب حنا

………………………………

تنويه: يُسمح بإعادة نشر هذا المقال أو مشاركته كما هو، دون أي تعديل أو اجتزاء، ومن أي جهة كانت، مع الحفاظ التام على مضمونه وسياقه الأصلي. شكرًا لتفهمكم واحترامكم لحقوق النشر.

About the author

Kaldaya Me

Comment التعليق

Click here to post a comment

Follow Us

Calendar

July 2025
S M T W T F S
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031