Articles Arabic

السادس من تشرين أول … يوم الشهيد الكلداني

د. عامر حنا فتوحي

 أود إبتداءً، أن أوضح بأن الهدف الرئيس من هذه الدراسة المبتسرة، العمل على إيقاف حمامات الدم ضد الكلدان (أعرق شعب رافدي) وإدانة التمييز العرقي والتغيير الديموغرافي ومحاولات الإجتثاث التي يتعرض لها الكلدان في وطنهم الأم (العراق)، لاسيما الإضطهادات الحديثة منذ عام 1963م، التي أزدادت أذىً ووحشية بعد تغير نظام الحكم عام 2003م حتى اليوم. لذلك نرى أن إنصافنا من خلال تمييز الكلدان في الدستور العراقي بصفتنا (سكان العراق الأصليين) يمكن أن يلعب دوراً رئيساً وحيوياً في مواصلة بقاءنا في وطننا الأم (العراق).

جدير بالذكر، أنه منذ الإحتلال الأخميني والساساني، إلى الإحتلال الإسلامي العربي، إلى مجازر المغول والعثمانيين والصفويين إلى الخلافة الإسلامية داعش إلى إضطهاد الأنظمة الدينية والشوفينية الحديثة بعد عام 2003م، والتي تتبع أغلبها نظام ولاية الفقيه الإيراني. فأن الإضطهادات وعمليات التغيير الديموغرافي والإبادة الجماعية على الكلدان لم تتوقف سواء بشكلها المباشر والقبيح أو بشكلها غير المباشر الذي يتستر بالديموقراطية التي هيّ حبر على ورق، أو بالإنفتاح على المجتمع الدولي الكاذب والمساواة المخادعة.

الحق، ليس ثمة من جديد على الكلدان، إذ منذ سقوط بابل بخدعة مجاري نهر الفرات التي أبتكرها الخائن ﮔوباريوس في عام 539 ق.م. بقى الكلدان متوثبين للثورة والإنقضاض على الغزاة الفرس، حتى حانت لهم الفرصة بعد سبعة عشر عاماً، عندما أنتفض نبوخذنصر الثالث (ندنتوبيل) في تشرين أول عام 522 ق.م ، الذي جمع حوله الثوار الكلدان في بابل معلناً بأنه من نسل أبنة نبوخذنصر الصغرى، زوجة نابونائيد، لكن جيوش داريوس الأول الهائلة العدد في ذروة قوة الإمبراطورية الأخمينية وتحت قيادة الملك شخصياً، تمكنت من القضاء على الثورة البابلية في شهر كانون أول من عام 521 ق.م.، لكن برغم خسارة البابليين، فأن الكلدان أيقنوا بأن هنالك أمل في طرد الغزاة الفرس يوماً.

في آب من عام 521 ق.م أختار البابليون نبوخذنصر الرابع (عراقا بركلديتا) ملكاً عليهم وأعلِنت الثورة في المدينة وتمكن الكلدان من القضاء على قوات الإحتلال الفارسي. فقام الملك داريوس مرة أخرى بإرسال جيش هائل العدد، تمكن من دحر الثوار الكلدان وإحتلال المدينة، ومن ثم قام المحتلون الفرس بتعليق جثة الملك الذي قاتل حتى النفس الأخير مع أفراد جيشه الصغير (أحياء وأموت) على المرادي (الخازوق) داخل المدينة لبث الرعب في قلوب الكلدان وكسر المقاومة البابلية.

لكن ذلك التصرف الوحشي، لم يُرعب الكلدان أو يجعلهم يتوقفون عن الإنتفاض في وجه الفرس، فثار(بيل شماني) بجيش صغير في أواخر تموز من عام 482 ق.م. وتسنم عرش بابل في شهر آب من ذلك العام، لكنه لم يتمكن من الصمود في وجه الجيش الفارسي الكبير الذي أرسله أحشويرش الأول فخرج من بابل إلى بورسيبا حفاظاً على بابل من التدمير، وأيضاً من أجل التحالف مع الملك الكلداني القوي شمش إريبا أو (شمي رابا) الذي أعلن الثورة أيضاً وتمكنا من طرد الفرس من بلاد بابل الكبرى (وادي الرافدين).

في أيلول 482 ق.م، تمكن شمش أريبا من القضاء على حاكم بابل الفارسي زوفيروس ممثل أحشويرش الأول وأستعاد بابل من قبضة الفرس. فغضب الملك المجنون أحشويرش وقرر القضاء على بابل بشكل نهائي، فأرسل زوج أخته وقائد جيوشه (ﻤﻴﮕﺎبايسوس) بجيوش تبالغ المدونات التاريخية في ضخامة عددها بأن مقدمة الجيوش الفارسية كانت تواجه أسوار بابل فيما كانت قوات المؤخرة تمتد لعاصمة أحشويرش ﭘرسبوليس (پارسه)، فتمكن الجيش الكبير من بقيادة ﻤﻴﮕﺎبايسوس من القضاء على الثورة البابلية بشكل وحشي ودمر برج بابل (إيتمنانكي) ومعبد مردوخ (إيساﮔيلا) ونهبت المدينة وحرقت أجزاء كبيرة منها، كما قاموا بأسر أحد تماثيل كبير الآلهة مردوخ من الذهب والأحجار الكريمة المكنى (آسولاخي) ، فنقلوه إلى ﭘرسيبولس ثم قاموا بصهره في طقوسسحرية (دينية)  خاصة لكي لا تقوم لبابل ثانية. مرة أخرى قام المحتلون الفرس بألقاء جثث أكثر من ثلاثة آلاف (ثائر قومي كلداني) على المرادي (الخوازيق) من على سطوح المباني داخل مدينة بابل، وذلك في حدود يوم السادس من تشرين الأول عام 482 ق.م، حيث تعتبر هذه الفاجعة، خاتمة مطاف الحكم الوطني في العراق القديم ونهاية عهد تطلعات الكلدان البابليين نحو الإستقلال.

بعد أنتهاء حكم الأخمينيين الجائر على يد المقدونيين عام 331 ق.م تنفست بابل الصعداء، ذلك أن الملك ألكسندر الكبير الذي أنبهر بعظمة بابل، خطط أن يجعلها عاصمته العالمية ، لكن المنية في غرفة نوم الملك نبوخذنصر في بابل يحيط به كهنة  الإله مردوخ، وذلك في العاشر من حزيران عام 323 ق.م، وبقيت الأوضاع مبهمة في بلاد بابل حتى تم تقسيم أمبراطورية ألكسندر العظيم، فأسس سلوقس الأول نيكاتور السلالة السلوقية في بابل، ومن ثم بني عاصمته الجديدة سلوقيا في منطقة أوﭘﻲ الكلدانية القديمة (المدائن)، وفي عام 125 ق.م سيطر الفرس الفرثيين على بلاد الرافدين لتبدأ الإضطهادات ثانية، ولتستمر بشكل أعنف هذه المرة، ذلك أن الدولة الفارسية التي كنت تتبع الديانة الزاردشتيه، قد رأت في الكلدان الرافدين الذين تقبلوا الديانة المسيحية تهديداً لوجودهم، وهكذا  تعرض الكلدان للإضطهاد المرير على مدى سنوات عديدة ، لاسيما سنوات الإضطهاد الأربعيني (أربعون عاماً) في عهد الملك الفارسي شابور الثاني 340-381م ، ثم توالت المذابح والإضطهادات على الكلدان الذين تقبلوا المسيحية، فتخلى المسيحيون الكلدان عن تسميتهم القومية الكلدانية التي كانت ترعب الفرس، وصاروا يتنادون بتسميتهم الدينية (سورايي ومشيحايي) اللتان تعنيان (مسيحيون)، ومن أشهر تلك الإضطهادات بعد الإضطهاد الأربعيني، ما حدث في عهد أردشير الأول 379-383م وبهرام الرابع 420-438 م ويزدجر الثاني 438-457م أي لفترة 64 عاماً متواصلة!

أعتقد المسيحيون الرافديون الكلدان الذين تقبلوا المذهب النسطوري في القرن الخامس، وكانوا آنذاك يعانون من عذابات الفرس بأن المسلمين العرب هم (فرقة مسيحية أبيونية)، بخاصة وأن دعاتها ينحدرون من قصي مؤسس مكة الذي كان (مسيحياً أبيونياً) وداعماً كبيراً لهذه البدعة (اليهودية-المسيحية) في بلاد الحجاز، فطلب كلدان الرافدين من المسلمين أن يأتوا ويساعدوهم في التخلص من ويلات الوثنيين الفرس، وخلال معارك المسلمين ضد الفرس قام النساطرة الرافديون (الكلدان) بمساعدة القوات العربية المسلمة في الإنتصار على الفرس في معركة القادسية. لكن سرعان ما أنقلب الجيش الغازي على الكلدان، وبدأ قادة جيش المسلمين بممارسة ذات الممارسات التعسفية التي يستخدمها الغزاة ضد أي مدينة منتهكة ، فكان جزاء الكلدان الذين يمثلون نسبة 95% من سكان البلاد، فيما كان عددهم يزيد عن تسعة ملايين نسمة وخيماً، إذ راحت قوات الغزاة المسلمين بإمتهانهم بواسطة فرض الجزية الدينية الباهضة والإنتقاص منهم والتجاوز عليهم بإستخدام كلمات نابية وصفات مهينة ،كما صار المسلمون يهددون ويقومون بتخويف المسيحيين الكلدان من خلال إستخدام سياسة الأتاوات الدينية الباهظة وأطلاق تسميات مهينة عليهم مثل (النبط) بمعنى المزارعين أو (العلوج) بمعنى الكفرة، ومن لا يستطيع منهم دفع الجزية، كان عليه أما أن يتحول إلى الإسلام أو يقطع رأسه وتوزع ثروته ونسائه وبناته على المسلمين، مما دفع بالكثيرمن العوائل التي عجزت عن دفع الأتاوات الدينية الباهضة (الجزية) بالتحول إلى الإسلام، فيما هرب القسم الأكبر منهم إلى المناطق الجبلية المحاذية لقرى السهل الكلداني في نينوى.

كما أدت الإضطهادات البالغة في العهد الأموي وخاصة في فترة حكم عبد الملك بن مروان 685-705 م  الذي فرض سياسة تعريب قاسية على دواوين الدولة، كما قام وزيره الحجاج بن يوسف الثقفي في بلاد ما بين النهرين بمنع إستخدام اللغة الكلدانية (قراءة وكتابة) وإغلاق المدارس الملحقة بالكنائس لقطع تواصل الكلدان مع لغتهم وثقافتهم وتاريخهم.

وفي زمن الدولة العباسية عانى الكلدان من إضطهادات مريعة، إذ أذاق المهدي 775-785م مسيحيو بغداد مر الهوان والعذاب. أما سيء الصيت الخليفة المتوكل 846-861م  فيعد أول من أستقدم (التركمان) من بلاد الترك بأعداد كبيرة، وبرغم مما قدمه له الكلدان (السريان وفق التسمية الدينية) من خدمات كبيرة في مجال الطب والعلوم ومراجعة حسابات بيت المال والهندسة، ناهيكم عن أن المهندس المعماري والمشرف على إدارة وزارت الخليفة المتوكل، دليل بن يعقوب النصراني قام بتصميم وبناء (المأذنة الملوية) في سامراء، لكن المتوكل بدفع من وزيره الحاقد الفتح بن خاقان وكاتبه المتملق والخبيث (الجاحظ)، قام بفرض (القوانين العُمَرية) السيئة الصيت، فألزم المسيحيات بإرتداء الحجاب فوق ملابسهن، كما ألزمهنّ بإرتداء عباءات مهينة تميزهن عن المسلمات، ومنع المسيحيين من ركوب الخيل أو النزول إلى الأسواق أيام الجمع ودمر مقابر المسيحيين في بغداد، كما قام بتدمير عدد من الأديرة والكنائس والبِيع (مصلى أو كنائس صغيرة)، وحول ما لم يكتمل بناؤه من كنائس إلى جوامع وتكايا دينية (زوايا شوارع لتعليم القرآن)، ولم يسمح بإلحاق أولاد المسيحيين بالمدارس العامة التي خصها بالمسلمين، وزيادة في التنكيل فقد أمر الخليفة المتوكل بوضع علامات خشبية بشكل شياطين على أبواب منازل المسيحيين لتمييز بيوتهم عن بيوت المسلمين، كما أمر بوشم جباه رجالهم بعلامات مهينة كما فعل ذلك من قبل عثمان بن حنيف.

وقد أستمرت هذه المعاملة المهينة والمذلة لأهل العراق الأصليين (الكلدان) في عهدي المقتدر 908-932م والقادر 991-1031م حيث جرت في عهد القادر مجزرة راح ضحيتها العديد من الكلدان الأبرياء.

أما في العصر المغولي المتذبذب، فقد قتل عدد كثير من المسيحيين وفرت أعداد كبيرة منهم إلى الشمال، وفي عهد جلوس السلطان غازان على العرش عام 1295م، فيما قام وزيره (نوروز) الحاقد على المسيحيين الكلدان، بإصدار مراسيم تقضي بهدم كنائس المسيحيين، ومنع إقامة طقوسهم ونهب ممتلكاتهم وقتل رؤساء المسيحيين (الكلدان) ومنع الرجال من النزول إلى الشارع في يوم الجمعة لكي لا يدنسوا صلوات المسلمين، كما قام بتبديل أسماء شوارع بغداد الكلدانية بأخرى عربية وإسلامية. وقد حذا حذوه الخان المغولي (خربندة) فبالغ في إيذاء المسيحيين (الكلدان) حتى أنه أصدر مرسوماً بإخصائهم وقلع إحدى أعينهم في حالة رفضهم الدخول إلى الإسلام. وفي عامي 1333-1334م أمر السلطان (أبو سعيد بهادر المغولي) جميع المسيحيين واليهود بلبس الغيار(أي أن يلبس الرجل قطعة من القماش تخالف لون ثوبه وأن تلبس المرأة حذائين مختلفي اللون). كما أمر بتهديم كنائسهم وأديرتهم ومعابدهم ، ولا ننسى ما فعله (تيمورلنك) بالمسيحيين (الكلدان) من مذابح مما دفع بالكلدان إلى الهجرة إلى المناطق التي يسكنها المسيحيون في الشمال الرافدي دشتا وطورا (سهل نينوى وجبالها)، وفي عهد حكم التركمان من قبائل (الآق قوينلو) و(القرة قوينلو)، ساد الجهل والتخلف الشارع العراقي، ومعهما زادت حدة التجاوزات الدينية والعرقية، فلم ينج الكلدان من مجازر غلاة المسلمين المتعصبين من (صفويين) وغيرهم ممن عملوا السيف في رقاب المسيحيين الأبرياء وهتك أعراضهم ونهب ممتلكاتهم وتدمير كنائسهم وأديرتهم وتخريب مقابرهم فهجر الكلدان البصرة وميسان وبغداد وجميع المناطق في وسط وجنوب العراق ما عدى الموصل وتوابعها (وقصدوا قمم الجبال في بلاد فارس وحوض حكاري وتياري) حتى أنقطع ذكرهم من عاصمة العباسيين كما يؤكد ذلك الوزير الكاتب والمؤرخ يوسف رزق ألله غنيمة في مؤلفه (نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق).

بعد الهيمنة العثمانية، قام العثمانيون بإستقدام بعض قبائل الكورد (من المذهب السني)، فأدت مذابح الكورد منذ إستقدامهم عام 1515م حتى يومنا هذا إلى الإستيلاء على المئات من القرى والبلدات الكلدانية في شمال العراق، لمزيد من التفاصيل، أنظر الدراسة الموسومة (الكورد بين الإيهام الفيدرالي والطموح الإنفصالي).

كما قامت قوات (المماليك) التي جلبها العثمانيون بالكثير من الإنتهاكات وأعمال القتل بحق المسيحيين الكلدان، كما أدت مجازر الكورد (الثلاثة عشر الكبرى) بحق الكلدان إلى نشأة هجرة عكسية توجه الكلدان فيها إلى المناطق التي يسكنها العرب فتركز معظمهم في بغداد والموصل وميسان والبصرة أي (العودة) إلى أراضيهم التاريخية قبل نزوحهم منها.

لكن هذا الأمان المؤقت لم يدم طويلاً، لاسيما  في عهد الملك غازي 1933 – 1939م الذي أزدادت فيه وتصاعدت حدة الشعارات القومية العروبية والإسلاموية ضد الكلدان من المسيحيين واليهود، وتنامت هذه الظاهرة بشكل خطير في عهد الإسلاموي العروبي جمال عبد الناصر وتأثيراته السلبية على حكام العراق، حيث يعتبر الرئيس المصري جمال عبد الناصر أول من أدخل عبارة (الإسلام دين الدولة) في الدستور وهو البند الذي أدخله البعثيون في دستور العراق. كما أنعكس تأثير أفكار عبد الناصر على ممارسات عبد السلام عارف الذي عملت إضطهاداته للمسيحيين وممارسات تمييزه العرقي والديني إلى هجرة الكلدان الكبرى في ستينات القرن الماضي إلى الولايات المتحدة وأستراليا وأوربا، ومن ثم هجرة الكلدان بعد حرب الخليج، وما أعقبها من هجرات لاحقة إلى مناطق دشتا وطورا (إقليم كوردستان العراق)، وأيضاً وإلى خارج العراق بعد تفجير الكنائس في يوم الأحد الدامي في الأول من آب عام 2004م في بغداد والموصل أثر مؤامرة السلفيين لإفراغ العراق من سكانه الأصليين الكلدان.

وفي عام  2015 عانى مسيحيو العراق (معظمهم كلدان)، علاوة على سريان سوريا من إضطهادات ومذابح دولة الخلافة الإسلامية في العراق وسوريا، التي حدثت بعد 100 عام من مذابح (سيفو) العثمانية عام 1915م، حيث تعرض الأرمن والإغريق البنط وكلدان العراق وسريان سوريا خلال مذابح (سيفو) العثمانية، إلى قتل جماعي وتهجيرات غاية في البشاعة، ذهب ضحيتها ما يزيد عن مليون ونصف أرمني و350 ألف من الإغريق البنط، وكذلك ما يزيد على نصف مليون مسيحي من (كلدان العراق) و (سريان سوريا). علماً بأن ذات العقلية الإسلاموية التمييزية والمهينة لغير المسلمين من مسيحيين ويهود وويزيديين ومندائيين وبهائيين ما تزال مهيمنة على أنظمة الشرق الأوسط الإسلاموية الثقافة والتعليم، والتي تدعي كذباً الديموقراطية والإعتدال. علماً بأن مثل هذا الإدعاءات المخادعة تتعارض بشكل صريح مع مواد الدستور العراقي التمييزي الإسلاموي.

من أجل كل ما مر على كلدان الرافدين من مذابح وإضطهادات وإبادات جماعية منذ عام 482 ق.م حتى القرن الحادي والعشرين، قامت الأحزاب الكلدانية والمنظمات المجتمعية والثقافية والناشطون الكلدان في العالم في أيلول من عام 2013م بالإتفاق على أختيار (يوم السادس من تشرين أول) يوماً رسمياً لإحياء ذكرى (يوم الشهيد الكلداني) مستذكرين شهداء الكلدان بعد مذابح الفرس للبابليين من القوميين الكلدان، الذين لم يقبلوا أن تهان كرامتهم أو تستباح (بابل) مدينة فخرهم، كما يؤكد ذلك الكتاب المقدس في سفر إيشعيا (بَابِلُ، بَهَاءُ الْمَمَالِكِ وَزِينَةُ فَخْرِ الْكِلْدَانِيِّينَ)، وأيضاً، تأكيداً على أن دماء القوميين الكلدان لن تذهب هباءً، وبأن الكلدان أمة حضارية حية وعصية على الفناء.

جدير بالذكر أن أختيار هذا التاريخ المرتبط ببطولة وإستشهاد القوميين الكلدان لم يأتِ إعتباطاً، لأن هذا التاريخ يعتبر الفاصل الزمني الواقعي بين 4818 عام من هيمنة سكان العراق الأصليين (الكلدان) على مقدرات وطننا الأم (وادي الرافدين)، وبين 2506 عام من خسارتنا لحرية القرار في وطننا الأم ومحاولتنا رغم مرارة الخسارة أن نواصل العيش جيل بعد جيل على أمل أن نتوصل يوماً لنيل حريتنا وأنتزاع حقوقنا ممن يهيمنون على وطننا الأم بأسلوب حضاري يتناسب وعصرنا الحديث، علماً بأن جميع من جاءونا غزاة أم لاجئون أغتنوا من تاريخنا ومعارفنا التي أزدهرت في وطننا الأم، وتأثروا بتواصل ريادة الكلدان في شتى المعارف منذ 5300 عام قبل الميلاد حتى اليوم.

أن أحياء ذكرى (يوم الشهيد الكلداني) في (السادس من شهر تشرين الأول) من كل عام ليس هدفه التعبير عن إحترامنا وإعتزازنا وإستذكارنا لتضحيات أسلافنا الكلدان الذين إستشهدوا دفاعاً عن الإسم الكلداني على طول تاريخنا العريق حسب، لكنه مناسبة لإبقاء تضحيات أسلافنا الكلدان حية في الأذهان، ومناسبة للحفاظ على تراث أمتنا الكلدانية وأبنائها وبناتها العصيين على الفناء في مأمن من أي تهديد محتمل وأي نوع من الإرهاب والإضطهاد.

لذلك نؤمن بصفتنا سكان العراق الأصليين الذين يعتبرون أول من أسس معايير القانون والحقوق والعدالة، بأنه من أجل تحقيق العدالة الإنسانية وإحترام حقوق المواطنة وشرعة حقوق الإنسان، ينبغي حذف العبارة التمييزية المهينة (الإسلام دين الدولة)، وذلك من أجل إحقاق المساواة بين جميع المواطنين، لأن العراق (وطنٌ وليس مسجداً)، كما ينبغي أن يحتوي الدستور على مادة تميز الكلدان بشكل واضح وصريح بصفتهم (سكان العراق الأصليين).

حتى إقرار مثل هذه التعديلات الدستورية اللازمة، ينبغي على الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن ومنظمة الشعوب الأصلية أن تشمل الكلدان بحمايتها من أجل الحفاظ على الكلدان من الإنقراض، لاسيما وأن الكلدان هم أقدم شعب حي على وجه الكرة الأرضية.

أخيراً، لقد حاول الفرس الزرادشتيون، والعرب المسلمون، والعثمانيون، والمغول، والسلاجقة، والفرس الصفويون، والمماليك، والتركمان الأذريبجانيين والأكراد، وغيرهم من الغزاة المسلمين جاهدين قمع واضطهاد وقتل ودفن الكلدان، سكان بلاد ما بين النهرين الأصليين؛ لجهلهم بأن الكلدان العصيين على الفناء هم (البذور الحية) لمهد الحضارة الإنسانية.

لذلك، بغض النظر عن الوحشية والهمجية التي يمارسها الغزاة والمحتلون، وعلى الرغم من كل جهودهم في القضاء على الكلدان وإجتثاثنا من وطننا الأم، وبرغم أن نسبتنا في وطننا الأم قد أنخفظت من 95% في منتصف القرن السابع الميلادي إبان غزو المسلمين لوادي الرافدين، إلى ما يقرب من 0.01% بعد عام 2003م، فأننا برغم كل المصاعب والتحديات وبرغم كل الممارسات اللا إنسانية والشريرة ضد الكلدان (سكان العراق الأصليين)، فأننا سننبت من جديد ونزدهر ثانية في الأرض التي يحاول الغزاة أن يدفنونا فيها، جاهلين أو متجاهلين بأن الكلدان هم ملح أرض العراق، وبأنهم (البذور الحية) لبلاد ما بين النهرين (أرض جنة عدن)، وبأننا مثلما قام السيد المسيح من الموت وقهر الموت بالحياة، سوف ننهض ونشرق ثانية!

للمزيد أنظر كتب د. عامر حنا فتوحي أدناه:

الكلدان منذ بدء الزمان، (باللغة العربية) الولايات المتحدة 2008، العراق 2004م

The Untold Story of Native Iraqis, Chaldean Mesopotamians 5300 BC-Present, US 2012

Chaldean Legacy, US, 2021

The Jews of Babylon, Past & Present, US 2023

Follow Us

Calendar

October 2025
S M T W T F S
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031