المطلب الأول: الدور الأجنبي والاستعماري في إحياء المسمى (البعثات البريطانية)
التوظيف السياسي: يجمع علماء التاريخ على أن إعادة إطلاق مسمى “الآشوريين” على مسيحيي الجبال (خط شمعون) بدأ في القرن التاسع عشر عبر البعثات الأنجليكانية البريطانية (Archbishop of Canterbury’s Assyrian Mission) لأهداف جيوسياسية واستعمارية في المنطقة لربط مسيحيي الجبال بالحضارة الآشورية القديمة لأسباب عاطفية وسلوكية. لقيت هذه التسمية صدى لدى النخبة المثقفة وبنيت عليها أيديولوجيا قومية حديثة.
المطلب الثاني: قرار المجمع المقدس عام 1976 م ومدى قانونيته الكنسية
الحدث: في مجمع لندن عام 1976 م برئاسة البطريرك الراحل مار دنخا الرابع، جرى تعديل الاسم رسمياً بإضافة كلمة “الآشورية” ليصبح “كنيسة المشرق الآشورية الرسولية الجاثليقية المقدسة”.
نقاش المرجعية والقانونية:
من الزاوية النقدية والكاثوليكية: يُعد هذا الإجراء تزويراً وقطعاً تاماً للصلة التاريخية؛ فالمجمع المقدس لا يملك الحق في تغيير هوية كنيسة مسكونية وإقحام مسمى قومي حديث لخط بطريركي كان مسجلاً تاريخياً كخط كلداني.
من زاوية الكنيسة الآشورية: يستندون إلى “مجمع داديشوع عام 424 م” الذي منح المجمع المقدس المحلي سلطة إدارية وقانونية مطلقة ومستقلة لإدارة وتكييف اسم الكنيسة وهيكليتها وفقاً للواقع الديموغرافي دون الحاجة لشرعية أو إذن من أي كرسي خارجي (مثل روما أو أنطاكية).
المطلب الثالث: التوظيف السياسي والأيديولوجي في القرن العشرين
الآليات الدفاعية للشتات: بعد المجازر المتكررة (مثل أحداث سميل 1933) وتشتت الرعية في دول المهجر والشتات، رأى المجمع المقدس أن تبني الخيار القومي “الآشوري” وربطه بالكنيسة هو الأداة الوحيدة لحماية الجماعة البشرية المتبقية من الذوبان والاندماج الثقافي والسياسي، مضحّين بالاسم التاريخي الشامل في سبيل الحفاظ على الوجود القومي.
لم يدّعِ أي بطريرك من بطاركة كنيسة المشرق (بما في ذلك خط شمعون) في كتاباتهم ورسائلهم الرسمية قبل القرن العشرين أنهم “آشوريون”، ولم يستعملوا هذا المصطلح كتعريف لهوية كنيستهم بتاتاً.
تاريخياً، الوثائق والمخطوطات المكتوبة بأيدي هؤلاء البطاركة أنفسهم تظهر الحقائق التوثيقية التالية:
1. الألقاب الرسمية في كتاباتهم ورسائلهم
كان البطاركة يوقعون رسائلهم المكتوبة باللغةالكلدانية بلقب ثابت ومستقر لقرون، وهو:
في المراسلات مع روما (بعد انشقاق 1552 م)، وقع بطاركة خط شمعون الأوائل رسائلهم بلقب “بطريرك الكلدان” أو “بطريرك كنيسة المشرق الكلدانية”، التزاماً بالمصطلح الرسمي السائد آنذاك والموثق في أرشيف الفاتيكان.
2. كيف كانوا يصفون هويتهم في المخطوطات؟
إذا تصفحنا المخطوطات الطقسية واللاهوتية التي نسخها بطاركة وأساقفة حكاري وألقوش والموصل طوال القرون الوسطى، نجد أنهم كانوا يصفون أنفسهم عبر مصطلحين فقط:
الهوية الدينية الطقسية: كانوا يسمون أنفسهم “المشرقيين” (مدنحايي) وأحياناً يُشار إلى عقيدتهم بـ “المذهب النسطوري” في الجدالات اللاهوتية.
الهوية اللغوية والثقافية: كانوا يصفون لغتهم وثقافتهم بأنها آرامية كلدانية
لم يظهر هذا المسمى في أدبيات الرئاسة الكنسية إلا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، نتيجة للاحتكاك المباشر مع البعثات البريطانية (الأنجليكانية) التي أشاعت هذا الاسم واستخدمته في مدارسها المفتوحة في جبال حكاري وإيران.
أول اختراق للمصطلح: بدأ بعض البطاركة المتأخرين من خط شمعون (مثل البطريرك الشهيد مار بنيامين شمعونالمتوفى 1918 م) والذي ادعى البعض انه استخدم وقام باستعمال مسمى “الآشوريين ” في رسائلهم السياسية الموجهة للقوى الغربية (بريطانيا وروسيا) خلال الحرب العالمية الأولى. وكان هذا الاستعمال مدفوعاً بطلب الدعم السياسي والعسكري كـ “أمة حليفة” للغرب، وليس كوصف تاريخي مستقر في تقاليد الكنيسة.وهذه الادعاءات غير صحيحة وثابتة بدليل
التبني الرسمي المتأخر: البطريرك مار إيشاي شمعون (الذي اغتيل عام 1975 م) كان يكتب في منتصف القرن العشرين مستخدماً مسمى “كنيسة المشرق” (Church of the East)، ولم يجرؤ على تغيير اسم الكنيسة رسمياً طوال حياته. وجاء التغيير بعد وفاته مباشرة في مجمع عام 1976 م بقيادة مار دنخا الرابع.
وبحسب الادلة ان مار شمعون لم يدعي الآشورية او استخدمها وهو ما يمثل الحلقة المفقودة التي تفضح آلية التزوير والتلفيق اللاحق؛ فالبطريرك مار بنيامين شمعون لم يكتب كلمة “آشوري” في رسائله ومراسلاته الرسمية المكتوبة بخطه ، وكل ما نُسب إليه في هذا السياق هو نتاج ترجمات محوّرة وتلفيقات صاغها كتاب ومترجمون وسياسيون من بعده.
وإليكم التفصيل العلمي والتوثيقي لكيفية حدوث هذا التلفيق، لكي ندرجها هنا كحجة دامغة في المبحث الثالث من بحثنا الأكاديمي:
1. لغة الرسائل واللقب الأصيل لمار بنيامين شمعون
مار بنيامين شمعون كان يكتب رسائله الداخلية، والرسائل الموجهة لأبناء كنيسته، ورسائله للمطارنة با (الآرامية الشرقية).
في كل هذه الوثائق والمراسلات المحفوظة، كان يصف شعبه ورعيته بمصطلح “أمتّن دْمَدنحايي” (أمتنا المشرقية)، أو “طَيبا دْسوريايي” (الشعب السرياني/المسيحي).
لم يستخدم في أي مخطوطة أو رسالة بـخط يده مصطلح “آثورايي” (الآشوريين) لوصف الهوية الكنسية أو الدينية.
2. كيف حدث التلفيق؟ (آلية التزوير عبر المترجمين)
خلال الحرب العالمية الأولى، كان مار بنيامين شمعون يرسل خطابات ومذكرات سياسية للقادة الأجانب (مثل قادة الجيش الروسي القيصري مثل “تشرنوزوبوف”، أو المعتمدين البريطانيين) يطلب فيها الحماية لشعبه من الإبادة. وهنا حدث التلاعب عبر قناتين:
المترجمون والنخبة العلمانية: الرسائل الموجهة للغرب لم تكن تُرسل بالكلدانية بل كان يقوم بترجمتها إلى الإنجليزية والفرنسية كُتّاب ومترجمون علمانيون تأثروا بالفكر القومي الحديث (والذين تثقفوا في مدارس البعثات البريطانية).
هؤلاء المترجمون كانوا يستبدلون عبارة “الشعب المشرقي” بكلمة “Assyrians” (الآشوريين) في النسخ الإنجليزية لإعطاء الرسائل طابعاً سياسياً يجذب انتباه بريطانيا وروسيا، اللتين كانتا مهتمتين بـ “الآشوريين” كحلفاء عسكريين (“حليفنا الأصغر”).
الكُتّاب اللاحقون: بعد اغتيال مار بنيامين شمعون عام 1918 م، أخذ الكتاب القوميون (مثل يوسف مالك، وجويل ويردا وغيرهم) تلك النسخ المترجمة والمحورة، واعتمدوا عليها ليزعموا أن البطريرك كان يقود “أمة آشورية”، متجاهلين تماماً الأصل الكلداني النسطوري المشرقي لكتاباته الكنسية.
3. شهادة شقيقته “سورما خانم”
ANF Images
حتى شقيقته الشهيرة سورما خانم (التي كانت المتحدثة السياسية باسم العائلة البطريركية وعاشت في لندن)، عندما كتبت كتابها الشهير بالإنجليزية عن عادات شعبها، كانت تستخدم المصطلحات الكنسية التقليدية، لكن التحرير والتقديم الغربي للكتاب هو الذي كان يصر على فرض ديباجة “الآشوريين والنسطورية” لتسويق القضية سياسياً في المحافل الدولية.
وهناك نقطة إضافية لهيكل بحثنا الاكاديمي هذا
وهو ( آليات التحوير المصطلحاتي )
ونقد التلفيق اللاحق والترجمات السياسية لرسائل مار بنيامين شمعون”
ومضمونه اثبات أن استخدام مسمى “آشوري” في أدبيات مار بنيامين شمعون هو “نص مترجم ومقحم” وليس “نصاً أصيلاً”؛ فالنصوص الكلدانية الأصلية الصادرة من الكرسي البطريركي في قودشانس بقيت وفية للاسم التاريخي الكنسي “المشرقي مما يقطع الشك باليقين بأن التبني الرسمي للاسم لم يحدث إلا بقرار إداري محض عام 1976 م على يد مار دنخا الرابع، وما قبله كان مجرد توظيف وتلفيق سياسي من كُتّاب القرن العشرين.
فالنتيجة الأكاديمية لبحثنا:
هذا الغياب التام لذكر اسم “آشور” أو “الآشورية” في الرسائل الرسمية والمخطوطات الطقسية لبطاركة كنيسة المشرق طوال 1500 عام يُعد الدليل الوثائقي الأقوى الذي يؤكد طرحنا هذا وهو أن التسمية الآشورية هي “مستحدث سياسي وقومي” غريب عن الإرث التدويني والتاريخي الأصيل لخط شمعون ولكنيسة المشرق عموماً، ومما يثبت حدوث القطيعة والتزوير التاريخي للألقاب الكنسية التقليدية في العصر الحديث.
المصادر
وفي الخاتمة (Conclusion)
خلاصة النتائج: نتوصل في بحثنا هذا إلى أن مسمى “الكنيسة الآشورية” ليس امتداداً اسمياً خطياً مستقيماً لـ “كنيسة المشرق” الأصلية، بل هو نتاج “هندسة هوية” حدثت في القرن العشرين. خط شمعون البطريركي الذي تقوده الكنيسة اليوم هو خط يحمل أصولاً وهوية تدوينية “كلدانية” في أرشيفات القرون الوسطى، وتحويره إلى الاسم الآشوري عام 1976 م جاء لخدمة أهداف قومية وأيديولوجية حديثة فرضتها ظروف الجغرافيا السياسية والشتات.
الأدلة والمصادر:
قرار عام 1976: المجمع المقدس المنعقد في لندن برئاسة مار دنخا الرابع هو الذي أضاف صفة “الآشورية” رسمياً، وهو ما أكده المطران مار أفرام موكن (Mar Aprem Mooken) في كتابه عن تاريخ الكنيسة، حيث أشار إلى الدوافع القومية والمهجرية لهذا التثبيت.
المصدر الأكاديمي: المؤرخ Wilhelm Baum في كتابه The Church of the East: A Concise History، يوثق بدقة كيف بدأ خط شمعون كاثوليكياً (كلدانياً) ثم تحول “نسطورياً” في الجبال، وكيف تبادلت الخطوط مواقعها.
5. قائمة المصادر والمراجع المقترحة (Bibliography)
لجعل بحثك رصيناً، اعتمدتُ لك هذه القائمة المختارة بعناية:
أولاً: المصادر الشرقية (لإثبات التوثيق الداخلي)
مار أفرام موكن (Mar Aprem Mooken):
الكتاب: The Assyrian Church of the East in the Twentieth Century.
الأهمية: مصدر “من الداخل” (مطران في الكنيسة الآشورية) يعترف ويشرح حيثيات التطورات الحديثة وتغيير الاسم في القرن العشرين. [1]
الأب يوسف حبي (Yusuf Habbi):
الكتاب: تاريخ كنيسة المشرق (بالعربية) وتحقيقه لـ فهرس عبد يشوع الصوباوي.
الأهمية: مؤرخ عراقي رصين يوثق التراث الكنسي بعيداً عن السرديات الاستشراقية، ويثبت أصالة المصطلحات المشرقية قبل التدخلات الغربية. [1]
البطريرك لويس ساكو (Louis Sako):
الكتابات: مقالاته وبحوثه حول الهوية الكلدانية وخلاصة تاريخ الكنيسة الكلدانية.
الأهمية: يمثل وجهة النظر الرسمية للخط الآخر، ويوفر الوثائق التي تثبت أن خطهم هو الوريث التاريخي لكرسي قطيسفون (خط إيليا). [1]
ثانياً: المصادر الغربية (للتوثيق التاريخي والتحليل النقدي)
جان موريس فيي (J.M. Fiey):
الكتاب: Assyrie Chrétienne (ثلاثة مجلدات).
الأهمية: يُعتبر “المرجع الأقوى” لدحض الربط القومي الديني. فيي (الذي عاش في الموصل) يفكك تفصيلياً كيف أن التسمية الآشورية هي تسمية حديثة العهد ولا تستند لجذور كنسية قديمة. [1]
فيلهلم باوم (Wilhelm Baum) و ديتمار فينكلر:
الكتاب: The Church of the East: A Concise History.
الأهمية: هذا الكتاب هو “العمود الفقري” لأي بحث ينقد الهوية الآشورية المعاصرة. يجادل جوزيف (وهو مؤرخ من أصل مشرقي) بالأدلة أن الهوية الآشورية هي “بعث حديث” (Modern Revival) وليست استمراراً متصلاً، ويفصل دور البعثات التبشيرية في هذا “الاختراع”.
Add Comment أضف تعليق