Articles Arabic

هل العراق وطن مدني أم جامع؟

لماذا سكان العراق الأصليين الكلدان يُعاملون كمواطنين من درجة ثانية في وطنهم الأم؟

توطئة

من المعروف أن سياسة (فصل الدين عن الدولة) ينسب تطبيقها للرئيس الثالث للولايات المتحدة، توماس جيفرسون، في ولاية كونيتيكت 1802عام، وهيّ حقيقة لا غبار عليها مع أنها حقيقة نسبية، لأن أول من شرع فصل الدين عن الدولة قبل ما يقرب من 4360 عام، كان الملك سرﮔون الأكدي إقليماً والكلداني (عرقاً)، الذي أسس أول إمبراطورية في التاريخ، ووضع العديد من الأنظمة والتقاليد الإدارية التي وحّدت إمبراطوريته وعززت من قوّتها، ومن بين أهم القوانين التي شرعها سرﮔون ألغاء منصب “إنسي” في الأراضي الخاضعة لبابل، وهو المنصب الذي كان يجمع بين السلطتين الدينية والمدنية. كما حصر دور الكهنة في المعبد فقط، بينما أوصى بتولي مسؤولو الدولة للشؤون المدنية حصراً، تبعه في ذلك الملك العادل حمورابي الذي ألغى منصب “إنسي” بشكل نهائي.

وقد تواصل العمل بتشريع (فصل الدين عن الدولة) منذ عهد سرﮔون العظيم مروراً بحمورابي والسلالات البابلية، حتى نبوخذنصر الثاني وعهد الإنتفضات الكلدانية الذي أنتهى عام 482 قبل الميلاد.

كما عمل تشريع التمييز في المهام ما بين القضاة وبين المهام التي كانت تُناط سابقاً بالحكام المحليين إلى إنهاء ديكتاتورية الحكام المحليين.

جدير بالذكر هنا أنه على الرغم من تشريع سرﮔون قانون (الفصل بين السلطات الدينية والدنيوية)، وبشكل أشمل بين السلطتين التشريعية التي تستمد سلطتها من الآلهة وبين السلطة التنفيذية التي تسمتد قوتها من الملك، إلا أن سرﮔون وليس كورش كما تروج الويكيبيديا والمؤسسات العلمية (كذباً)، هو أول من أسس وثيقة حقوق الإنسان، حيث قام الإمبراطور سرﮔون من أجل إشاعة العدل والمساواة وضمان حقوق المواطنين في إمبراطوريته، بالتأكيد في مكاتباته وحولياته على إستخدام مصطلح (المواطنين) أي (صلمات قاقديم) بمعنى ذوي الرؤوس الداكنة (حيث يدل اللون على لون الشعر)، وذلك بغض النظر عن العرق والدين.

كما أن البابليين لم يعتبروا (اليهود) عبيداً في مملكة بابل كما يدعي المطبلون لكورش، وإنما كانوا مواطنين أحرار، يؤكد ذلك قيام ملوك بابل الكلدان بتقديم المساعدات الإجتماعية لليهود من غير القادرين عن العمل أسوة بكلدان مملكة بابل.

يذكر ساﮔز أيضاً: “لم يعارض الكلدان الديانة اليهودية، بل إن بعض الكلدان تخلّى عن دياناته الوثنية القديمة واعتنق اليهودية كديانة توحيدية”، الأهم من هذا وذاك، المعرض التاريخي الذي أقيم في إسرائيل/ أورشليم عام 2015م وأكد من خلال عرض ما يزيد عن مائة رقيم بابلي على أن يهود بابل كانوا مواطنين من الدرجة الأولى. أنظر التفاصيل في كتابي كالدين ليكاسي الصفحات 126-140 وكذلك كتاب يهود بابل ماضياً وحاضراً الصفحة 16. أنظر أيضاً الروابط في آخر الموضوع.

فماذا حصل حتى أنقلب الحال بسكان العراق الأصليين (الكلدان) من السيادة والعز إلى مواطنين من درجة أدنى في وطنهم الأم. يمكنني أن ألخص السبب في عبارة واحدة مرتبطة بالعام 636م وهيّ “طلع البدر علينا”!

تعد مصر الإسلاموية من أوائل الدول العربية التي أدخلت عبارة “الإسلام دين الدولة” في دستورها بشكل رسمي وصريح، وتحديداً في دستور عام 1923 (المادة 149) بعد استقلالها عن الحماية البريطانية، حيث نصت على أن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية” مع أن مصر دولة مُحتلة ومُنتزعة من سكانها المسيحيين الأقباط.

ذات التوجه فرض على دستور العراق لعام 1925 الذي كان يدعى (القانون الأساسي) حيث تم إدخال عبارة “الإسلام دين الدولة الرسمي” في المادة 13، وتم التأكيد عليها في الدساتير المؤقتة اللاحقة، مثل دستور عام 1968. وقد نص الدستور العراقي الدائم لعام 2005 في المادة الثانية على أن الإسلام “دين الدولة الرسمي، وبأنه مصدر أساس للتشريع”، مع ضمان الحقوق الدينية لغير المسلمين وهيّ عبارة مطاطة وكاذبة، تفضحها ممارسات الحكومات العراقية لاسيما حكومة ذيول إيران الولائية.

هنا يتبين لماذا تصر حكومات ما بعد عام 2003م على حصرنا داخل إطار (كوتا للمسيحيين وأخرى لغير المسلمين) أما للأحزاب الخاصة بالمكونات المسلمة فأنها خليط بين مكونات دينية وأخرى عرقية، مثل التركمان والشبك؟!

لهذا أيضاً نرى علم العراق لا يحمل إلا ألوان القومية العربية (ألوان علم ثورة الحجاز) وشعار ألله أكبر الإسلامي الذي تحت رايته، تم ذبح أكثر من سبعة ملايين مسيحي كلداني بعد عقود من غزو المسلمين لوادي الرافدين، كما أن دستور العراق وبكل صفاقة ينتقص من جميع العراقيين من غير المسلمين. – السؤال الذي ينبغي على كل عراقي منصف ومحترم أن يسأل نفسه هو: هل العراق وطن بمعنى (دولة مدنية) أم جامع (بمعنى دولة خلافة إسلامية)؟!!

مع أنني أعرف يقيناً بأن هذا الموضوع سوف يواجه بعدم الإكتراث لكنني أرى أن التحدث فيه مُوجبٌ ولازمٌ. من البديهي أن جيلنا بكل تأكيد عاش العصر الذهبي العراقي، لكن ذلك لم يأتِ من فراغ، إذ أن ستينات وسبعينات القرن الماضي جاءت بعد عقود من التأثير الإنكليزي الحضاري على العراق، ومجيئ ملك عملي تعامل مع المواطن العراقي بشكل متعقل، لذلك أرتبطنا بصداقات مع عراقيين من مختلف الخلفيات العرقية والدينية في محيط لم يعر أهمية لهذا التنوع. وإنما كان تعامل العراقيين مع بعضهم آنذاك على أساس المواطنة حسب. لكن هذه الفترة كانت أستثناءً، لأننا منذ أن أحتل الغزاة المسلمون وطننا الأم، لم يتوقف غلاة المسلمين يوماً عن أذيتنا، إبتداء بسلب هويتنا الوطنية والعرقية والتجاوز على مقدساتنا والتعامل معنا كمواطنين من درجة أدنى (ذميين). الأنكى، كان قيام المحتلون المسلمون بإشاعة مغالطات عن المسيحيين بأنهم ضالين وبأن اليهود مغضوب عليهم وبأنهم مصدر الشر في العالم، من الناحية العلمية وبخاصة علم النفس فأن المضُطهِد يتهم المضُطهَد بكل ما في المُضطَهِد من مساوئ

أعتقد بأن الأوان قد آن لكي يعيد العراقيون التفكير في حجم الأكاذيب التي أمطرنا بها المحتلون المسلمون والمستعربة وذيول جارتي الشر إيران المسؤولة عن الخراب والتخلف الذي يعيشه العراق وتركيا الحالمة بأمبراطورية التخلف والخراب العثمانية.

أعلم أيضاً، أن غالبكم الأعم لا يشاهد إلا برامج التلفزيون العربية ولا يطالع إلا صفحات الأخبار العربية بما تحتويه من سموم مبطنة تجاه دولة إسرائيل (الدولة الشرعية والديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط). أما محيط إسرائيل الإسلامي فعبارة عن دول مسروقة من سكانها الأصليين

برغم ذلك تصدع القنوات العربية والإسلامية رؤوسنا ليل نهار عن الإحتلال، مع أنهم من يحتلون بلداننا أصلاً!

الحكام الشيعة من ذيول إيران ومليشاتها العميلة التي تستبيح العراق والعراقيين لا تؤمن أصلاً بالدولة العراقية وإنما بأمة الإسلام وبالطائفة لذلك تنهب جميع خيرات العراق وتعطيها لإيران كما فعل المالكي عندما تبرع من ميزانية (الخلفوه) خمسمائة مليار دولار للنظام الإسلامي في إيران. أما على الصعيد المجتمعي، فتقوم هذه الحكومة المارقة والمستبدة بتبديد ثروات العراق من خلال برامج مالية تدفعها لمارقي مخيم رفحا الذين لا يؤمنون بالعراق أصلاً، ومن ناحية أخرى يستحصل الإيرانيون الكورد على 17% من خزينة العراق (علماً بأنهم يستخدمون نسبة كبيرة من هذه الأموال من أجل تعمير الإقليم)

أما نحن (سكان العراق الأصليين الكلدان) فلا نحصل من ثروات وطننا الأم على سنت واحد، لأن الغرباء من عرب وكورد وتركمان وشبك، منشغلون بإستباحة العراق وثرواته أرضاً وماءً وسماء).

الكلدان (سكان العراق الأصليين)، لا يسعون لإقامة مملكة أو جمهورية كلدانية لأن هذا أمر غير منطقي، كما أن الكلدان لا يطالبون بطرد العرب أو الكورد وبقية المكونات العراقية غير الأصيلة، لأن هذا ظلم يعادل ما يتعرض له الكلدان من ظلم منذ قرون، وهذا ما لا نقبله.

العرب والكورد وغيرهم في العراق أمر واقع ونحن الكلدان نؤمن بأن وطننا يتسع للجميع، لكن مثلما تم تمييز الهنود الحمر بصفتهم سكان أصليين، لهم مكانتهم وحقوقهم المتميزة التي تدعمها شرعة حقوق الإنسان، فأن الكلدان (سكان العراق الأصليين) من حقهم أيضاً أن يتميزوا في الدستور العراقي بعد تخليصه من الإسقاطات الدينية التي لا علاقة لها بمفهوم المواطنة.

تمييزنا في الدستور وضمان حقنا التاريخي هو كل ما نطمح إليه دونما منة من أحد، وهذا هو حقنا الشرعي 100% ومن يرفض هذا الحق المشروع لا يتحلى بأخلاق المواطنة ولا يستحق شرف المواطنة العراقية. لذلك أقول لأخوتنا المسلمون الطيبون وشركائنا في الوطن: حكموا ضمائركم وتصرفوا وفقاً للحق وليس وفقاً للعاطفة الدينية التي ترى شركائكم في الوطن، لاسيما سكان العراق الأصليين (الكلدان) بصفتهم ذميين ومواطنين من درجة أدنى، مع أنكم تعيشون في وطن الكلدان الأم!

أخيراً، أقول للمسيحيين العراقيين، لاسيما سكان العراق الأصليين (الكلدان)، متى تعرفون بأن (ما ضاع حق وراءه مطالب)، لذلك راجعوا ضمائركم وما يقره الكتاب المقدس وحقائق التاريخ والآثار وتعاملوا مع الكورد وقوى الإحتلال الشيعي بمنطق الند للند، وذلك من خلال أخذ مظلمتنا لمحكمة العدل الدولية في الوقت الملائم!

المصادر

Chaldean Legacy, Fatuhi, Amer Hanna, US 2021

www.ChaldeanLegacy.com

The Jews of Babylon, Amer Hanna, US 2023

www.JewsofBabylon-book.com

Ancient tablets reveal life of Jews in Nebuchadnezzar’s Babylon

https://www.reuters.com/article/us-israel-archaeology-babylon/ancient-tablets-reveal-life-of-jews-innebuchadnezzars-babylon-idUSKBN0L71EK20150203?fbclid=IwAR2YKn4VDF8ACnwhfaL2N4vog4Bksk3J9EBjOqDiaHO885iPb1rjXCEpejs

Follow Us

Calendar

April 2026
S M T W T F S
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930