الشماس الانجيلي صباح حنا الشيخ
الحلقة الأولى
كنت قد وعدت نفسي بأن أنأى بها بعيداً من صراعات الكنيسة الداخلية ولعبة الكراسي، لكن لا ضميري ولا قلمي رضخوا لعقلي حيث كنيستنا الكلدانية جمعاء على مفترق الطرق. فرتأيت أن أدلو بدلوي لعل إخوتي الاساقفة يقرأون ويرون بعيون العامة مايجري.
أطلَّ البطريرك الكلداني السابق من على قناة نورسات في لقاء في برنامج (النور معنا) عبر تطبيق الزوم يوم 23 آذار 2026، وشنَّ هجومًا عنيفًا على المجمع الشرقي في الفاتيكان، وكشف عن الأسباب الحقيقية التي دفعته إلى تقديم الاستقالة، وهي:
-
فشله في الحصول على حقوق المسيحيين المسلوبة من قبل جهة سياسية، وعدم استجابة الحكومة لطلباته، حتى بلغ مرحلة التعب والإنهاك من هذا المسار.
-
تدخل المجمع الشرقي في الفاتيكان في إدارة شؤون الكنيسة الكلدانية، وخاصة في قرار المجمع الأخير في اختيار المدبّر الرسولي لأبرشية سان دييكو (أمريكا)، وقالها بنبرة مقلقة: لا يحترموننا ولهم وصاية على كنائسنا.
ونود أن نقف عند هاتين النقطتين ونوجّه 3 رسائل إلى السادة المطارنة الكلدان المجتمعين لاختيار البطريرك بابل الجديد، ونقول: أنتم لا تختارون شخصًا، بل تُسلِّمون مرحلةً كاملة، بتعقيداتها وتناقضاتها وأزماتها التي خلّفتها المرحلة السابقة، وعليه التعامل مع هذا الواقع المتأزم، وهو أشبه بحقل ألغامٍ فعليّ يحتاج إلى حكمةٍ وجرأةٍ وصبرٍ طويل، ومناقشات مُستفيضة فعليكم تقع مسؤولية كل مُستقبَل الكنيسة الكلدانية وحضورها في العراق والعالم.
نبدأ بقضية الفشل الأولى وهي الأخطر: هل أنتم مستعدّون فعلاً لاختيار مَن يحمل هذا الثقل والتركة الثقيلة، أم تبحثون عن شخصية تُدير الأزمات الحالية فقط؟ هل المطلوب بطريرك يُرضي الجميع مؤقتًا، أم مَن يزعج الجميع لأنه سيحاول وضع الأمور في نصابها الصحيح؟
عليكم أن تكونوا صريحين معه في كيفية التعامل مع الشأن السياسي في العراق، وكيف له أن يواجه المشهد السياسي المتأزم والفوضوي في العراق، وهذا ملف قائم مُلغَم بذاته. العراق ومنطقة الشرق الأوسط يمران بتحوّلات حساسة وجذرية، واحتمالات التوتر قائمة، وسيناريوهات الانفجار ليست بعيدة. فهناك مليشيات وفصائل ومجموعات مسلحة في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط: العراق ولبنان ولربما سوريا، والمنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات.
البطريرك السابق كان منغمس بالشأن السياسي إلى النخاع ولم يتردد في مقابلاته من بيان آرائه في الشأن السياسي، فاصطفّ مع أحزاب بالضد من أحزاب أخرى، وكثيرا ما كان يُهاجِم شخصيات سياسية ويُهادِن أخرى؟
ناهيك عن أن التواجد المسيحي في العراق واقع بين نارين: نار بغداد ونار أربيل؟ واحترق البطريرك السابق بالنارين فقد اصطفّ مع بغداد بالضد من أربيل في قضيّة الحكم الذاتي (وهنا لابد من الاشادة بموقفه)وعارضها بكل ما اوتيّ من قوّة، واتهم أربيل في تهجير المسيحيين من بغداد والموصل لكسب ودّ الغرب. ثم عادَ وهاجم بغداد في أزمة المرسوم واصطفّ مع أربيل التي استغلّت هذه الفرصة لضرب خصومها في بغداد.
البطريرك الجديد لن يُمنح فرصة الحياد، بل سيُدفع دفعًا ليُصنَّف: مع مَن أنت؟ في أي محور تدور؟ وهذه هي أولى الفخاخ، ولربما أول لغمٍ سينفجر عليه سريعًا. فإن صمتَ، فُسِّر صمته موقفًا. وإن تكلّم، حُسِب كلامه اصطفافًا. فهل له الشجاعة لتنسيق المواقف مع بقية المطارنة في العراق؟ أم سينفرد بالرأي مثلما فعل سلفه؟
وهنا تبرز تساؤلات أخرى لا يمكن الهروب منها: هل يمتلك البطريرك بابل القادم الشجاعة ليقول “لا” حين يجب أن تُقال، حتى لو خسر علاقات سياسية خاصة وأن القرار السياسي في القرار ليس موحدًا بل يأتي دوما بالضد من جهات سياسية فاعلة في المشهد السياسي؟ أم سيقع في إغراء التوازنات الهشّة، فيُرضي هذا على حساب ذاك، حتى يفقد الجميع ثقته به؟ كيف سيحمي الكنيسة من أن تتحول إلى ورقة تفاوض بيد القوى السياسية؟ وهل لديه رؤية واضحة لدور الكنيسة في الدولة، أم سيبقى يتخبط بين ردود الأفعال والضغوط اليومية؟ هل سيواصل نهج البطريرك السابق، الذي أقرّ بفشله في هذا الملف؟ وماذا ستستفيد الكنيسة من تكرار تجربة ثبت عجزها، ويكون هو امتداد لصراع قائم؟ أم سيتخذ نهجًا آخر، فيُقرأ ذلك فورًا كاصطفاف مع معارضي سلفه، ويُعطيهم فرصة الابتسامة: كُنّا على حق في تقيمنا لأداء البطريرك السابق، وهذا يكفينا للتاريخ.
البطريرك السابق، وبحسب قوله، فشل في التعامل مع المشهد السياسي، ومن الواضح أن كثيرًا من السياسيين باتوا يتحفّظون في التعامل معه بعد قداس التطبيع يوم 20 كانون أول 2026، ما أدخله في عزلة لم يتحمّلها، وهو المعروف بعلاقاته الواسعة وزياراته المتكررة والتي توقفت على نحو مُفاجئ. وكانت هذه العلاقات يومًا مصدر قوته وزوادّة لمواصلة النهج والأسلوب فتحوّلت فجأة إلى عبءٍ ثقيل يكن مستعدا لقبوله.
على البطريرك الجديد أن يدرك أن زمن العلاقات الشخصية كبديل عن المؤسسات قد انتهى، وأن أي اقتراب مفرط من السياسيين قد يُترجم سريعًا إلى فقدان ثقة شعبه قبل أن يكسب دعمهم. وهنا تبرز أسئلة أكثر واقعية وإيلامًا: هل سيستطيع أن يقبل بالعزلة إن كانت ثمنًا للموقف الصحيح؟ أم سيبحث عن الحضور في المشهد السياسي بأي ثمن، حتى لو كان على حساب مصداقيته؟ هل سيبني علاقة مع حكومة اللادولة؟ مع الأحزاب؟ مع المليشيات؟ هل سيكون صوتا مُستقلا مُطالبا بالحقوق أو متوسلاً يطرق أبواب الساسّة علّهم يترحمون عليه؟ وهل يدرك أن أخطر خسارة ليست خسارة السياسيين، بل خسارة ثقة المؤمنين والمطارنة من جديد؟
كيف سيتعامل البطريرك الجديد مع هذا الواقع السياسي المعقّد؟ ما هي رؤيته؟ هل سيخالف توجهات سلفه، فيُثبت ضمنًا فشل المرحلة السابقة، ويصطف مع معارضيها؟ أم سيواصل النهج نفسه، فتتراكم الأزمات؟
أخطر ما يمكن أن يقع فيه هو أن يتحوّل إلى “بطريرك ردّ فعل”، إمّا نقيضًا مطلقًا أو امتدادًا أعمى لما سبق، وتدويرًا للمواقف، فتخسر الكنيسة الكلدانية حضورها على الساحة الكنسية والعراقية ويدفع الكلدان الثمن.
لكن السؤال الحاسم يبقى: هل سيملك البطريرك القادم رؤية تُبنى عليها المرحلة، أم سيبقى أسير إدارة الأزمات اليومية؟ وهل نحن أمام بداية جديدة، أم مجرد فصل آخر من الأزمة نفسها بأسماء مختلفة؟
انتظرونا في الحلقة القادمة
نعم كلام في الصميم وأعتقد ان من لديه خدمة لمدة اثنى عشر سنة في ابرشية البصرة والجنوب ومتمرس بالعلاقات الداخلية ومسلح بثقافات عظيمة وقبلها عشر سنين في بريطانيا اعتقد سيكون الأنسب لقيادة السفينة