منقول من صفحة Saad Hanna
إلى أخواتي وإخوتي الأعزاء،
وإلى الرأي العام من أبناء كنيستنا الكلدانية،
نَشرت البطريركية الكلدانية اليوم رسالة بعنوان “رسالة تضامن ودعم من أساقفة السينودس الكلداني”https://chaldeanpatriarchate.com/…/%d8%b1%d8%b3%d8%a7…/، وقد ذُكر في هامشها أنني كنتُ من المتحفظين عليها. وللتوضيح، نعم لقد أبلغتُ تحفظي على مضمون الرسالة وصياغتها (افكارها) في إطارها الداخلي، لكنني لم أطلب ولم أفوّض أن يُذكر اسمي في الإعلام أو أن يُعلن تحفظي على هذا النحو.
التحفظ موقف يُسجَّل ضمن آليات العمل الكنسي، ولا يعني تلقائياً تحويله إلى إعلان إعلامي أو إدخاله في سجال عام، خاصة عندما يكون الهدف المعلن هو التهدئة. إن إدراج الأسماء بهذه الطريقة قد يُفهم خطأً وكأنه اصطفاف أو مواجهة، وهو ما لا يخدم سلام الكنيسة ولا يراعي حساسية الظرف.
وإزاء ما أثاره هذا البيان من أسئلة واستنتاجات، أجد من واجبي أن أوضح موقفي بوضوح وصراحة، لأن الصمت في مثل هذه الحالات يخلق التباساً، ولأن أبناء الكنيسة يستحقون كلاماً مسؤولاً لا يواري الحقيقة ولا يجمّلها.
تحفّظي ليس تفصيلاً شكلياً ولا ملاحظة لغوية عابرة، بل هو موقف مبدئي رافض للمنطق الذي تقوم عليه الرسالة وللغة التي تتبناها. فأنا لا أوافق على تقديم كنيستنا وكأنها في حالة عداء مع جهات “تستهدفها”، ولا أرى أن واقعنا يبرّر خطاباً دفاعياً عاماً يوحي بوجود “هجوم” و“تجاوزات” و“أطراف لا تريد الخير”. هذا النوع من الكلام، حين يُطرح من دون وقائع محددة ومعطيات دقيقة ومسار واضح، لا يشرح الواقع بل يعيد تشكيله على طريقة “نحن ضد هم”، ويزرع مناخ شك واستقطاب داخل البيت الكنسي وبين أبنائه، ويحوّل القضايا الرعوية إلى معركة رأي عام.
الأخطر من ذلك أن الرسالة لا تكتفي بنبرة التعبئة، بل تجمع في نص واحد ملفات حساسة ومتباينة: موضوع الهوية، وشرح كتابي (سفر يونان)، وقضية مرتبطة بأبرشية في سان دييغو مع الإشارة إلى “ضجة قبل ظهور الحقيقة وتحقيق العدالة”. إن وضع هذه الملفات جنباً إلى جنب في بيان واحد وبلهجة تضامن مطلقة يخلق إيحاءً بالاصطفاف، وقد يُفهم على أنه إصدار أحكام مسبقة أو ترجيح رواية بعينها قبل اكتمال التحقيقات وظهور الحقيقة. الكنيسة، بحكم رسالتها الأخلاقية، لا تتعجل في صياغة المواقف على حساب الحقيقة، ولا تُدخل أبناءها في سجالات قبل أن تتضح الوقائع وتُستكمل المسارات الكنسية والقانونية.
ومن أسباب تحفظي أيضاً عباراتٌ في الرسالة توحي بـ“تأييد كامل/مطلق” للمواقف أو القرارات. إنني أرى أن هذا الأسلوب لا يخدم الشفافية، لأن الاحترام لا يعني بالضرورة موافقة غير مشروطة على كل خطوة أو قرار، ولا سيما عندما تُطرح قضايا تحتاج إلى نقاش وتقييم ومسارات واضحة. من حق المؤمنين ومن واجب الرعاة أن تكون البيانات دقيقة ومحددة، وألا تتحول إلى غطاء عام يُقرأ كإجماع.
كما أرفض المنهج الذي يجعل من أي نص يُنشر باسم «أساقفة السينودس» وكأنه موقف جامع نهائي، بينما لم يمرّ بمسار تشاوري سينودسي واضح يضمن الدقة والاتزان، ويحدد الهدف والجمهور وضرورات النشر. الناس لا تميّز عادة بين “مبادرة مجموعة” وبين “قرار سينودسي”، وحين يُكتب “أساقفة السينودس” يفهم القارئ تلقائياً أنه إجماع. والشفافية تقتضي أن لا يُنسب إلى الجميع ما لم يُتفق عليه بوضوح وبالطريقة المعهودة في العمل السينودسي. وحتى لو كانت النوايا حسنة، فإن الطريقة الخاطئة في التمثيل تُضعف ثقة المؤمنين وتُعمّق الهوة بين ما يُقال باسمهم وما يشعرون به فعلاً.
أنا أؤمن أن قوة كنيستنا لا تأتي من خطاب مواجهة ولا من صناعة خصم غير مسمّى، بل من وضوحها، وهدوئها، واحترامها للحقيقة، وتمسّكها باللغة الجامعة التي تجمع ولا تستعدي، وتطمئن ولا تُربك. وفي المرحلة التي يعيشها شعبنا بين ألم الهجرة وثقل الأزمات، نحن بحاجة إلى كلمة تعزّي وتداوي وتبني جسور ثقة، لا إلى لغة يمكن أن تُفهم كاستنفار أو تعبئة أو تصنيف الناس بين مؤيد وخصم.
لهذه الأسباب تحديداً تحفّظتُ على الرسالة المنشورة، وأعتبر أن مضمونها ولغتها لا يخدمان مصلحة الكنيسة ولا سلام المؤمنين، بل قد يفتحان باباً لجدالات لا ضرورة لها، ويمنحان الشائعة والعاطفة مكاناً كان يجب أن تحتله الحقيقة والاتزان. ومن الإنصاف أن يُقال ذلك بوضوح، لا لتأجيج الخلاف، بل لحماية الكنيسة من أن تتحول بياناتها إلى أدوات استقطاب بدل أن تكون أدوات رجاء.
أدعو جميع أبناء كنيستنا إلى التهدئة، وإلى عدم الانجرار وراء الشائعات أو الخطابات المتشنجة، وإلى تفضيل الحكمة على الانفعال. وأدعو رعاتنا وإخوتي جميعاً إلى أن نُعيد الاعتبار للشفافية وللمسار السينودسي حين نريد أن نتكلم باسم الجميع، وأن نختار كلماتنا بما يليق برسالة الكنيسة: خدمة الحقيقة وبناء السلام.
ولأجل الشفافية الكاملة، أرفق مع هذا التوضيح ثلاث وثائق للاطلاع: نص الرسالة كما وصلني، وردّي الخطي عليها، ثم النص المنشور/البيان الختامي. أنشرها كما هي، دون تعليق إضافي، كي يطّلع الجميع على التسلسل كما حدث ويكوّنوا رأيهم على أساس النصوص لا على أساس الانطباع.




