Articles Arabic

تفسير شخصي (باطريركي آخر زمن)  لإنجيل الأحد :”الابن الشاطر ” 

أيها الشجعان لا تعتذروا، فالتوبة اختُطفت!

في ظهيرة الجمعة السامطة بحرارتها، وبينما كانت الأرواح تتوق لرحمة الآب السماوي ليبعث لنا الكهرباء والتبريد، طلّ علينا حضرة البطرك المُبجّل، مُمسكًا بقلمه النرجسي كمن يُمسك صولجانًا إلهيًا، ليُفسر لنا مثل الابن الضال… ولكن على طريقته الساسوكية الخاصة. كتب مقالاً لا يُشبه لا لتفسير الآباء ولا حتى خربشات تلاميذ التناول الأول، بل جاءنا بتفسير “طبري خنفشاري” – أعني به من ذاك النوع الذي يُجبر المنطق على الانتحار، ويُلبس النصوص المقدسة ثوب المؤامرة.

في مقاله الذي يصلح أن يُدرّس كمثال في “كيف تُحرف الإنجيل بفهلوية”، أصرّ ساسوكي أن الاعتذار هو مفتاح الغفران وبابه، وأن الآب لا يعانق ابنه قبل أن يسمع منه اعترافًا رسميًا، ممهورًا بختم الندم وموقعًا بثلاث صلوات توبة!

يا مفسر زمانك… هل نسيت أن الماسير الطيبة في الصف الأول للتناول أخبرتنا أن الآب خرج راكضًا نحو ابنه لأن أحشاءه تحرّكت، لا لأن ابنه قدّم استمارة اعتذار؟ أين عشت هذه القصة؟ في بشارة لوقا أم في سردية درامية كتبها عقلك المتخم بالبطولات الوهمية؟ راجع النص ولا تفضحنا مع طلاب التناول الأول.

أنت نفسك، كتبت عن الآب أنه: “نقي، صريح، صادق، صَبور، مُنفتح، متواضع، رقيقُ القلب، وضميرٌ إنسانيٌّ. يحب أولاده (يموت عليهم)”. طيّب يا حضرة الاب الأقدس:  إذا كان “يموت عليهم”، فلماذا عليه أن ينتظر الاعتذار ليحضنهم؟ هذا يتناقض مع صفاته التي تغنيت بها كما يتناقض الشتاء العراقي مع مكيفات الحكومة.

نقرأ الإنجيل، ونجد: “فقام ومضى إلى أبيه. وكان لم يزل بعيدًا إذ رآه أبوه، فتحرّكت أحشاؤه، وأسرع، فألقى بنفسه على عنقه وقبّله طويلًا.” ثم يتحدث الابن. نعم، يتحدث، لكنه لا يقول: “أنا آسف”، بل يعترف بحاله: “لستُ أهلاً…” — وهذه ليست توبة بل (لحظة ادراك الحقيقة). يقظة. صحوة. فكيف خرجت لنا بفكرة أن “الاعتذار سبق العناق”؟ من أين جئت بهذه الخرفات؟ أقرأ النص وتتبع حركات الأب وحركات الأبن؟ لا بد أنها إحدى تقنياتك القديمة الجديدة:  غيّر القصة، تفسرها بالي يناسبك! ثم اتّهم من لا يوافقك بأنه ضد الرحمة، ومشيّها براس الجهّال، منو يقرأ منو يكتب؟

لكن يبدو أن غبطتكم قرأتم النص بالمقلوب، أو عبر مرآة نرجسيتكم، فرأيتم الأب ينتظر ختمًا رسميًا من السماء لقبول ابنه.

ثم يا حضرة المُصلح الأعظم، إن كنت ترى نفسك الابن الضال، فالخطوة الأولى أن تعترف أنك فعلاً ضَلَلَت وضلّلَت الناس وأبعدتهم عن الحقيقة بتهريجك الإعلامي. أما إذا كنت تظن أن هذا المثل ينطبق عليك، فاسمح لي أن أقول لك:  لا، أبدا لا ينطبق. لأنك لم تَقم ولم تَمضِ إلى أبيك، بل ما زلت تكتب المقالات لتبرر ضلالك.

وإن كنت تُصرّ أن الاعتذار فضيلة الكبار والشجعان، فابدأ بنفسك، واعتذر للكنيسة التي جررتَها إلى أزمات متتالية كأنها فصول مسلسل تركي مكسيكي هندي طويل: خلينا نذكرك إذا ناسي: أزمة مع مطرانك كوركيس كرمو، أزمات مع كهنة الموصل وخاصة ابونا حبي،، ازمة وحقد مع مطران شيخ الشهداء  فرج رحو ونحن شهود على ذلك، ثم مع البطريرك بيداويد أيام الدورة، أزمة أزمة مع البطريرك دلي، أزمة مع رعيتك في كركوك (وابونا ألبير شاهد للتاريخ)، ولم تنتهِ القائمة، ما زالت السينودسات تشهد لأزماتك وحقدك الدفين ضد المطارنة الذين عارضوك بشجاعة، والفاتيكان يأنّ، والرهبان الكلدان يشتكون، وحتى السياسيون تحاشوك. حتى اصبحنا تقول عنّك: حتى الله عندك معه أزمة!

وفي كل أزمة تُحبك قصة، وتلفّق رواية، وتُقدّمها كملحمة بطولية كونك المنقذ والفهيم والعالم والحكيم، وفي النهاية إذا فشلت، تبدأ بكائياتك: “أنا الضحية، الجميع ضدي ، والسماء صامته !” – لا يا المُبجل الفاشل ، السماء ليست صامتة، بل تنتظر منك أن تصحو.

انهض يا رجل، وبدل أن تُلبس النص ثوبًا ليس له، جرّد نفسك من ثوب الكِبر، وارجع إلى أبيك السماوي، فهو وحده يعرف كيف يرحم من تواضع وندم.

أمّا الاعتذار… فدعوه للشجعان، لا للذين لا يزالون يعتقدون أنهم أبطال روايات كتبوا نهايتها بأيديهم ثم طلبوا من الآخرين أن يُصدّقوها.

Follow Us

Calendar

August 2025
S M T W T F S
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31