الشماس الانجيلي صباح حنا الشيخ
التحدي الأكبر الذي سيواجه بطريرك بابل للكلدان الجديد، سيكون شكل العلاقة مع المجمع الشرقي في الفاتيكان، الذي بات، وبحسب قول البطريرك السابق، يتدخل في كل شاردة وواردة ويتابع أدق التفاصيل ببيروقراطية قاتلة. المجمع وخاصة بعد تولي الكردينال الحالي مهامه وإنهاء تأثير الكردينال السابق، صديق البطريرك الكلداني السابق، والذي وبحسب شهادة المرحوم المطران حنّا زورا والمرحوم المطران سرهد جمّو كان له الكلمة الحسم في انتخابه سنة 2013. المجمع الشرقي باتَ لا يُعير أهمية لقرارات ومواقف البطريرك السابق كونه أحرجَ الفاتيكان في أكثر من مناسبة وخاصة بعد إفشاء ما حصل في جلسات انتخاب البابا ويُقال “في أروقة الفاتيكان أنه يتجاوز على صلاحيات المجمع ويُخاطِب الكرسي الرسولي عبر قنوات فاتيكانية بديلة سعيا للتأثير على قرار المجمع متجاهلا ترتيب السلطات والصلاحيات الإدارية”. بطريرك السابق لم يفهم حدوده سلطته ولايعرف هويته كونه أعلن الولاء والطاعة للكرسي الرسولي، المرجع الأعلى للكنيسة الكاثوليكية. لقد كان يحسب نفسه بابا الكنيسة الكلدانية، في حين أنَّ كل ما يُمكن ان يفعله هو الكتابة إلى الفاتيكان أو البابا والذي بدوره سيُحيل الأمر إلى المجمع الشرقي، وينتظر الجواب. يكفي لنا أن نفهم أن البطريرك السابق لم يحصل من الفاتيكان على سطر واحد توبيخ للأساقفة المعارضين على الرغم من تصريحاته النارية في الموقع البطريركي ضدّهم والتي أشعلت المواقع وقسّمت الكلدان بين مؤيد ومعارض في محاولة منه لشيطنتهم وتسقيطهم إعلاميا.

المجمع الشرقي بدوره صار له ومنذ معارضة الأساقفة الخمسة للبطريرك السابق حضور مباشر ومتابعة حثيثة لما يجري في الكنيسة الكلدانية، ولا يتردد في إيقاف أي إجراء لا يراه مناسبًا وتعطيل قرارات السينودس وعدم الأخذ بها. وعلينا أن نفهم أن استدعاء المطارنة الكلدان إلى روما لعقد السينودس الانتخابي يحمل رسالة واضحة لهم وللبطريرك الجديد: الرقابة حاضرة، والثقة ليست مُسلَّمة تلقائيا وأذاننا تسمع وعيوننا تراقب ونقرأ كل ما يرد إلينا من شكاوى فلِمَ تكون بأحسن حالٍ من سلفِك. لقد انتهى دعم الكردينال السابق وبقية الكرادلة الأصدقاء ولن تفتح لك الأبواب كلما طلبت ويُمكنك أن تسأل سلفك الذي طلب لقاء البابا فرنسيس عدّة مرات ولم يُمنح له بحجة أنه مريض!
البطريرك الجديد سيدخل في علاقة دقيقة ومعقدة مع الفاتيكان: إن شدّد على الاستقلالية مثلما طالب البطريرك السابق، سيُتهم بالتمرد وتُغلَق أمامه كل ألابواب من جديد وسيخسر دعم الفاتيكان له، هذا إن وُجِدَ أصلاً. وإن بالغ في الطاعة، قد يُنظر إليه كمَن فقد زمام المبادرة وسيتعرض لانتقادات البطريرك السابق الذي لم يتوقف منذ اقالته عن الظهور الإعلامي (بدل أن يتفرغ للصلاة كما يدّعي) وسيُقحم الكنيسة الكلدانية في مأزق آخر ويُقسّم الكنيسة بين جماعة البطريرك السابق مدّعي الأصالة والاستقلالية وجماعة البطريرك الجديد المتهمين بالخضوع والخنوع للفاتيكان. وليس خفيا أن جماعة البطريرك السابق طالبوا في منشور قبل أيام بيوحنا سولاقا جديد والانفصال عن الفاتيكان والحفاظ على كرامة الكنيسة الكلدانية. فهل سيقرأ البطريرك الجديد هذا الواقع بموضوعية، أم سيتجاهله ليصطدم به لاحقًا؟ هل سيبني علاقة مؤسساتية واضحة، أم سيحاول إعادة إنتاج علاقات شخصية أثبتت هشاشتها وضعفها أمام الأزمات؟ وماذا سيفعل عندما تُرفض قراراته أو تُجمَّد أو تُوضَع على الرفّ؟ هل سيُصعِّد الخطاء، أم سيحتويه، أم سيتراجع؟
كما أن أزمة مطران سان دييكو (ع ش) خلقت حالة من عدم الثقة في الفاتيكان بإدارة المرحلة السابقة وقدرته على احتواء الأزمات، حيث تراكمت الانتقادات لتضاف على قائمة طويلة، خاصة بسبب التفرّد في القرارات وخسارة دعم السينودس الكلداني للبطريرك. والمجمع سيطالب البطريرك الجديد بإجماع فعلي، لا شكلي، وسيتحقق من آليات اتخاذ القرار في السينودس قبل نتائجه، وسيتحرّى مع الأساقفة إن كان هناك مشاورات سينودالية حقيقية. وهنا واقع لا يمكن تجاهله: زمن القرار الفردي انتهى، وأي محاولة للالتفاف على السينودس ستُقابل ليس فقط بالاعتراض، بل بالتعطيل، وهذا ما اعترف به البطريرك السابق في اللقاء “ما يحترمونا ولهم وصاية علينا.”
على البطريرك الجديد أن يعرف أيضًا أن بعض المطارنة الكلدان لهم قنواتهم الخاصة مع الفاتيكان، وعلاقات مباشرة مع دوائر القرار فيها، إضافة إلى حضور إعلامي مؤثر، ما جعل قراراتهم أكثر استقلالية. فلم يعد البطريرك المرجعية الوحيدة في الكنيسة الكلدانية كما كان، بل أصبح جزءًا من شبكة معقدة من التأثيرات. فإن لم يستطع البطريرك الجديد أن يجمع الأساقفة حوله ويتوسل رضاهم لمصلحة العامة، فلن تحميه أي علاقة خارجية ولن تشفع له علاقاته خارج السينودس الكلداني، وإن خسر السينودس، سيخسر كل شيء ولو بدا ظاهريًا قويًا كما كان يحاول سلفه أن يُبينها في الإعلام أنه الآمر الناهي والقادر على فعل كل ما يشاء. فهل يستطيع أن يتقبّل أن يكون السينودس شريكًا مسؤولًا في القرار، أم أنه سيتحول إلى ساحة تجاذب تُقيّد أي قرار؟ وهل البطريرك الجديد قادر على إدارة الخلاف داخل السينودس دون أن ينفجر إلى الخارج؟ وإذا تعارض “الإجماع” مع “الصواب”، فماذا سيختار؟
لقد أدّت إدارة المرحلة السابقة، بما فيها من تهميش مطارنة السينودس وعدم التشاور معهم، إلى نتيجة معاكسة: تهميش المركز نفسه. وهنا الدرس القاسي: مَن يُقصي، يُقصى في النهاية، ومَن يحتكر القرار، يفقده.
على البطريرك الجديد أن يستوعب هذه الحقيقة المرّة، وأن يبدأ بإصلاح العلاقة من الداخل لا من الخارج، من ترميم الثقة داخل السينودس الكلداني قبل البحث عن تثبيتها في الفاتيكان عبر صداقات مع الكرادلة أو في الساحة السياسية من شخصيات أو أحزاب طارئة لن يكون لها الحضور الذي يتمنّاه. كما وعليه أن لا يعتمد على علاقات شخصية مع شخصيات نافذة في الفاتيكان، لأن المعادلة تغيّرت، والمجمع الشرقي وضع كل ثقله في سلّة السينودس الكلداني. فمَن لا يحمله السينودس، لن يحمله أحد. ومَن لا يحميه السينودس لن يحميه الكرسي الرسولي.
على البطريرك القادم أن يتذكّر أن ما يواجهه ليس أزمة عابرة، بل مرحلة انتقالية شبيهة بما يحدث في الدول بعد سقوط أنظمة مركزية دكتاتورية: فوضى في المرجعيات، تضارب في الصلاحيات، وحنين خفي إلى الحسم القديم. ولربما عليه أن يتأمل حالة العراق بعد 2003. وهنا يكمن التحدي الأكبر: أن يبني نظامًا دون أن يعيد إنتاج التسلّط العنجهي الذي تفرّد في القرار وأوصل الكنيسة الكلدانية إلى مرحلة قبول استقالة البطريرك بأقل من 24 ساعة من دون التفاهيم معه. عليه يضبط الفوضى دون أن يَخنُق الحياة. وهي مهمة ليست سهلة، كونه سيمشي في حقل ألغام عنقودية، وهي الفرصة الأخيرة لإعادة ترتيب البيت الكلداني قبل أن يصبح الترتيب مستحيلاً.
فهل سيقود البطريرك السينودس، أم سيقوده السينودس؟ وهل سيستطيع أن يكون مرجعية جامعة، أم سيبقى مجرد طرف ضمن توازنات داخلية؟ وإذا تعارضت قنوات الأساقفة الخاصة مع خطه، فهل يواجهها أم يتكيف معها؟
انتظرونا في الحلقة الثالثة