الاب بيتر لورنس
حاولت في الفترة الماضية أن لا أكتب عن بهلوانيات البطريرك الكلداني في تشويه طقس كنيستنا الكلدانية ولاهوته الأصيل والعريق، الذي تمتد جذوره إلى القرن الأول الميلادي .
أعتقد أن ما يحتاج غبطته هو الذهاب الى الرب يسوع ليلاً على مثال نيقاديموس الفريسي (يوحنا 3)، حتى يستطيع أن يولد من جديد بالماء والروح في أحضان الكنيسة الكلدانية لمعرفة اكتشاف السر الخلاصي المتأصل في عمق الطقس الكلداني المرتبط ارتباطاً وثيقاً بشخص المخلص. حينها من الممكن أن يعدل من تشوهاته الفكرية واللاهوتية والطقسية، ويجعل من كنيسته أن تبنى على أصالة الكنيسة وخصوصيتها، وتنمو بالروح على مثال آباء الكنيسة الكلدانية.
إن سبب كتابة هذا المقال بناءً ما ورد على مسامعنا من السينودس الأخير للكنيسة الكلدانية المنعقد في بغداد بتاريخ 2025/11/18 المقترح من قبل غبطته لأخذ الرأي من السادة الأساقفة ومشورة الآباء الكهنة والشمامسة لرفع عيد الختان (عيذا دكزورتا دمارن) من تقويم الطقس الكلداني.

غبطة البطريرك والسادة الاساقفة هذا المقترح يجب
أولاً: ان يخضع للدرس والبحث وليس للمشورة وأخذ الرأي كما تفضلتم.
ثانياً: مادة الدرس والبحث يجب أن تكون على أساس الكتاب المقدس، واللاهوت الكنسي، وسبب وجوب هذا العيد في الطقس الكلداني ومعناه في التدبير الإلهي للخلاص.
ثالثاً: إن هذه المناسبة الروحية والايمانية تمتاز في طقسنا الكلدانية بصفة (العيد)، وليس (تذكار)، أو (عبادة)، حتى تستطيع رفعها حسب رغبات غبطتكم. الموضوع هنا هو ليس شخص ما يذهب إلى مطهرجي حتى يقطع قلفته، أو هذا العيد من تقليد العهد القديم، ونحن أبناء العهد الجديد لسنا بحاجة له. مهما كانت الاعذار والاسباب لرفع هذا العيد من التقويم الكلداني هو تشويه في مسيرة الرب يسوع الخلاصية، لأن ربنا يسوع المسيح حسب قوله: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل” (متى 5: 17).
مادة بحث في عيد الختان:
الختان في العهد القديم:
يأخذ الختان في العهد القديم علامة انتماء الى شعب اسرائيل وأمر إلهي: (في ذلك الزمان قال الرب ليشوع: اصنع لك سكاكين من صوان وعد الى ختن بني إسرائيل مرة أخرى. فصنع يشوع سكاكين من صوان وختن بني اسرائيل على تل القلف) يشوع 8/5 .
فالختان هو أولاً رتبة طقسية تفيد الانتماء إلى جماعة.
يصبح الختان فيما بعد رتبة دينية تصطبغ بصبغة طقسية مرتبطة في الأدب الكهنوتي بنوع خاص، ترمز إلى العلامة الجسدية للعهد، التي يجب على كل اسرائيلي ذكر أن يحملها في جسده منذ اليوم الثامن لولادته. والدم المهراق سيحمل غالباً اسم “دم العهد”.
الختان علامة العهد يرجع إلى ابراهيم جد اسرائيل الاول: (….وقال الله لإبراهيم: وأنت فاحفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك مدى أجيالكم. هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك: يُختن كل ذكرٍ منكم. فتختنون في لحم قلفتكم ويكون ذلك علامة عهدٍ بيني وبينكم. وابن ثمانية ايامٍ يُختن …..) تكوين 17 /1-15.
الختان الشرط الذي لا بد منه لإمكان الاحتفال بالفصح، حيث يعلن بنو اسرائيل أنهم شعب مختار، خلصه الله (خروج 12/ 43-48).
الختان في العهد الجديد:
نلاحظ في العهد الجديد منذ افتتاح اعلان رسالته الخلاصية، يُختن يوحنا المعمدان آخر انبياء العهد القديم في اليوم الثامن لمولده (لوقا 1/ 59).
ومن بعده الرب يسوع المسيح يُختن في اليوم الثامن لمولده ايضاً (لوقا 2/ 21).
هذا الختان هو دلالة واضحة على استمرار العهد الإلهي في جسد رب العهد الجديد. والرب يسوع هو بذاته يخدم المختونين ليثبت المواعد التي وعد بها الآباء (رومة 3/ 29-30). بعد توسع الرسالة المسيحانية إلى الأمم على يد القديس بولس الرسول، يصبح العماد المقدس هو علامة الانتماء إلى المسيحية والدخول في العهد الإلهي الجديد المرتبط بشخص الرب يسوع المسيح. حلت مشكلة الختان للأشخاص الجدد المهتدين الى المسيحية في مجمع أورشليم، ورؤية مار بطرس (أعمال 10 – 11).
حينها يتطور مفهوم الختان من الجسد إلى الختان الروحي الذي يشير إليه القديس بولس: “فلا قيمة للختان ولا للقلف في المسيح يسوع، وإنما القيمة الإيمان العامل بالمحبة”. (غلاطية 5/ 6).
والواقع، مع ان الرتبة الطقسية قد ألغيت، إلا أن اللفظ مايزال له معنى. فالمؤمنون يمكنهم ان يصرخوا: “إنما نحن ذوو الختان، لأن عبادتنا عبادة بروح الله “. (فيلبي 3/ 3). وبهذا المعنى تتم النداءات النبوية إن الختان الحقيقي، والخفي، والروحي، والباطني، لن يصنع بعد بيد البشر (كولسي 12/ 11). إن مثل هذا الختان الروحي يكون واحداً مع المعمودية التي تجعل المؤمن شبيهاً بختان المسيح، فتُحدث في المعمد “خلع الجسد البشري خلعاً كلياً”. (كولسي 2/ 11-12). لجعله يحيا مع المسيح إلى الأبد .
الختان من الناحية اللاهوتية:
يعلن التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية في (وحي الله) البند الأول العدد 51:” لقد حُسن لدى الله ، أن يوحي بذاته ويعلن سر مشيئته من أن البشر يبلغون الآب، في الروح القدس، بالمسيح، الكلمة المتجسد، فيصبحون شركائه في الطبيعة الإلهية”. الله من محبته اللامتناهية للإنسان منذ البدء، يختار أن يرتبط معه بعهدٍ مقدس بعد سقوطه بالخطيئة الأولى، ليرجعه إلى الشراكة معه في الطبيعة الإلهية . نلاحظ من خلال النصوص الكتابية الله يختار علامات بشرية سواء كانت من الطبيعة في العهد الأول مع نوح في الطوفان (تكوين 9/ 12-14)، وبعده مع إبراهيم ونسله، ويختار الله علامة الختان في الجسد التي ترمز إلى الانتماء لعشير ابراهيم، يجعلها علامة لعهده المقدس (تكوين 17). هكذا تستمر علامة العهد في الختان الى جميع بني اسرائيل، ويتطور هذا المفهوم في العهد الإلهي مع شعب الله المختار إلى علامة شراكة وعهد مع الله من خلال طقوس دينية مرتبطة بالكهنوت . إن مصدر الوحي الإلهي يستمر في العالم البشري من خلال إسرائيل إلى أن يصل إلى يسوع المسيح . والرب يسوع المسيح أبن الله يولد في إسرائيل من مريم العذراء يُختن في اليوم الثامن لمولده ليكمل العهد والوعد . هذا التكامل والاستمرار هو علامة حية من قبل الله لخلاص الإنسان . لله بذاته لا يتخلى عن علامة عهده بإبنه الوحيد، ويفتح معه عهد جديد يختم بدمه على الصليب . والكنيسة الرسولية تنتقل بهذا العهد المقدس إلى علامة جديدة وهي العماد المقدس علامة الانتماء إلى الجسد المسيحاني المختون بالروح القدس لخلاص جميع البشر . هذا الانفتاح الخلاصي لا يمحى عهود الله لإسرائيل، لكنه يكمله ويعطيه روح جديدة، لان غاية الله هو شراكة الانسان في طبيعته الالهية .
الإنسان المسيحي في العهد الجديد يصبح صورة الله الفعالة في العمق البشري لتصحيح التشوه الذي أحدثه الإنسان في خطيئته الأولى، هذه رسالة الكنيسة .

الختان في الطقس الكلداني:
ينظر الطقس الكلداني لعيد الختان من خلال تراتيل العيد (عونياثي دعيذا دكزورتا)، الخلاص الإلهي يكتمل بالدخول في العهد الإلهي، وبالختان يكتمل العهد القديم ويبدأ العهد الجديد، وبختانه يحل الختان الذي يرمز لذبيحة الغفران، ويحرر بني آدم من عبودية الخطيئة (حوذرا ش ﭘـ ه). الآباء الكلدان لا يمكن أن يفصلوا جزء من تاريخ الخلاص المتمثل بالعهد الإلهي في العهد القديم، ويأخذ استمرارية الخلاص بشخص الرب يسوع . الطقس الكلداني متلاصق بشخص يسوع المسيح بكل مراحل حياته التي تغذي مسيرة الخلاص للتحرر من عبودية شر الخطيئة والانتقال الى حرية التنعم بالشراكة مع الله .
خاتمة مع مقترح:
الدراسة المبسطة أعلاه، تبين لنا أن رفع عيد الختان من الطقس الكلداني يعد فصل وقطع الانسان المسيحي من تاريخ الخلاص، وهذا بحد ذاته يذهب ضد إرادة الرب يسوع المسيح الذي يقول:” لم أأتي لأنقض الشريعة والناموس بل لأكمل “. رفع عيد الختان من تقويم الطقس الكلداني، عمل تخريبي لأصالة الآباء الكلدان الذين ينظرون للختان علامة العهد المقرون بشخص يسوع المسيح، وكمال استمرارية الخلاص لجميع البشر .
من هذا المنطلق أقترح لغبطة البطريرك الكلداني والسادة الأساقفة الأجلاء، بدل ان نرفع عيد الختان الأصيل من التقويم الكلداني، أن نعطيه مفهوم جديد وهو: (تجديد العهد مع إلهنا). هذا التجديد للعهد يكتمل مساره في تجديد مواعيد عمادنا في عيد الدنح المقدس .
السادة الاجلاء المغبوطين بوسم الروح القدس، من سلالة آباء لم يغفلوا يوماً ولم ينفصلوا عن الخط الإلهي في مسيرته الخلاصية .
الرجاء منكم أن تنظروا الى دراستنا المتواضعة هذه بعين الأصالة والغيرة الرسولية بعيداً عن الخلافات والاختلاف، بالتوجه حفاضاً على أصالة كنيستنا الكلدانية العريقة بتوجهها الرسولي المرتبط برب الخلاص يسوع المسيح .