لنوسّع المشهد التهكّمي أكثر، ونرفع الستار عن مسرح (التوحيد الساسوكي) .
حيث الكلمات تُقال على المنابر بصوت رخو، لكنّ الأفعال تنزل على الأرض مثل مطارق الحديد.
أوّل تصريح رسمي بعد الانتخاب كان:
“لا تخافوا، ما عندي تصفية حسابات… جئتُ لأوحد”. جملة ظاهرها حنان، وباطنها سيف مسموم !!!
في الحقيقة لم يكن هذا تصريح، بل برنامج انتخاب مكتوب بالمداد الأسود: “تصفية حسابات”. الكلمة نفسها كانت تلمع بين الحروف مثل خنجر يطلّ من تحت العباءة.
بدأت المسرحية على الفور:-
– مشهد طرد البطريرك دلي من اجتماع الكهنة في بغداد لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل كان إعلان درامي: “ها أنا ذا، السلطان الجديد وجاك الموت يا تارك الصلاة … آه على أيامك يا دلّي إلا أشعل أبوك وأطيح حظّك”.
– ثم تأتي الحلقة الثانية: إهانة البطريرك في دير القديسة حنّة، واتصال بأبو يوسف ليدبّر عملية نفي قسري وباشراف ومتابعة المعاون الحالي المهزوم إلى أمريكا. كأنّنا أمام مشهد من أفلام العصابات، لكنّ الديكور هذه المرة مذابح وجرس كنيسة.
– ثم نفتح فصل جديد من الرواية: الآباء (دوك… س و نض… ر ) يُقدَّمان قربان في محراب التصفية. الإعلام البطريركي تحوّل إلى محكمة تفتيش، يُصدر الاتهامات بالفساد المالي والأخلاقي بوقاحة عجيبة، وكأنّ المسيح نفسه أوصى بالـ ” السوشيال شيمينغ” (Social shaming) ” كأحد أسرار الكنيسة السبعة.
– ثم تأتي مواجهة (شليم…ن ) أمام الكهنة والعلمانيين: إهانة علنيّة، كسر الهيبة، وتشهير بلا رادع. المسرح ممتلئ، الجمهور مصدوم، والبطولة كلها من نصيب “الموحّد”.
– وإهانة المطران (يو …ف… تو …ا) رزله امام الجميع حتى البكاء .
– أما عن المطران (س…س) فجعله يعيش سباتاً نفسياً، ثم نُفي بعيداً بحجة منصب اعلى وكما يقول المثل (شمّا رابا وماثا خرابا) لايحل ولا يربط مجرد اسم!
– ثم تأتي ملحمة المطران (سر…د) الذي لم يسلم لا هو ولا كهنته، فكانت كنيسة الأبرشية تُهدم حجر حجر، كي لا يبقى ذكر ولا رائحة لما أسسه. إنها سياسة الأرض المحروقة باسم الوحدة الكنسية.
– أما القس (زي… ) فقد ذاق مرارة الحسد في السمنير، والباب أُغلق خلفه بقسوة.
– ثم القس (فيل… ن..م)، تحوّل إلى مطارد بين روما ومصر. تخيّلوا قاضٍ في الفاتيكان يُصدر حكمًا لصالح الكاهن ضد “الموحّد”، فيسقط القناع أمام الجميع: لم تكن القضية دفاعًا عن حق، بل عن نزوة.
– وعن حقده لمطران (ب، و) لايمكن وصفه بالكلمات، لكن!!! التصفية لم تتوقف عند الأحياء، بل طالت الأموات:
– إذ حوّل مراسيم عزاء سيادة المطران المرحوم ثابت إلى عرض ومقارنة واهانة وتصغير وووو .
– لم يشفى غليله فأخذ ينبش قبر سيادة الباطريرك بيداويد ويحاول بابخس الطرق تشويه مسيرته !!
أيها المؤمنون: قبور المطارنة فُتحت بالكلمات، لا بالمعاول والمطارَق! ووقعها كان أشد قساوة . تاريخ كامل جرى فرمه تحت مطحنة الحقد الشخصي.
أما عن (التوحيد) فحدّث ولا حرج. بدلاً من أن تُصاغ الوحدة مثل عقد لؤلؤ على عنق الكنيسة، صارت سياسة “فرّق تسد” هي النغمة الطاغية.
– مجلس رؤساء الكنائس انقسم،
– الأساقفة والبطاركة تحوّلوا إلى خصوم،
– والسياسيون دخلوا في حلبة الصراع. شعار “جئتُ لأوحد” تحوّل عمليًا إلى “جئتُ لأقسّم وأهيمن”.
النهاية؟ وحدة ساسوكي تشبه تلك المزهرية التي تكسر عمداً ثم يُقولون لك: “لا تخافوا، أنا سأجمعها”. وحين تراها مُرقّعة ومشوّهة تُعرِف أنّ ما جُمع ليس وحدة، بل جثة زجاج مهشّم مُلطّخ بالحقد والانتقام.
هذا هو برنامجه الحقيقي: (التوحيد بالتهديم، الإصلاح بالشتيمة، وتاريخ يُكتب بالحقد لا بالحبر).
والسؤال: من سيبقى في مسرح الكنيسة بعد أن يصفّق الموحّد لنفسه وتخلو المقاعد من الكهنة والمؤمنين؟
هذا هو البرنامج الحقيقي: توحيد بالتفليش، تعديل بالغضب، وتاريخ يُكتب بالحقد والضغينة والانتقام. والوحدة التي بُشرنا بها لم تكن إلا سياسة فرّق تسد بواجهة جديدة.
والمضحك المبكي أن الرجل ظلّ يرفع الشعارات في المحراب ويتظاهر بالقداسة، بينما في الواقع كان يبيع ويشتري في الدربونة، في مكايدات صغيرة لا تليق حتى بسوق شعبي. مثل ما يقول المثل: “يحچي بالمحراب ويبيع بالدربونه”
ثم يختمها بشعار الوحدة وكأنه الخزّاف الأعظم، وهو في الحقيقة مجرد لاعب بالطين، يتلذذ بتوسيخ الكل ولا يعرف حتى صنع وعاءً واحدًا صالحًا. كما يقول المثل: “مو كلمن يلعب بالطين يصير خزّاف”.
وبعد كل هذه الفصول، يبقى السؤال معلّق كجرس في عنق التاريخ: هل ما زالت الكلدانية بحاجة إلى “موحِّد” آخر، أم إلى مَن يجمع الشظايا المتطايرة بصدق ويمسح الغبار لا ان يزيده؟