البطريرك ساكو في ميزان المناصب

لقد علّمتني الحياة والخبرة الكهنوتيّة كيف أوزن الأساقفة وأقيمهم وفقًا لتعاملهم معَ المسؤوليات المُناطة بهم وتعاطيهم مع السُلطة التي تُمنح لهم، واقترابهم منها أو بعدهم عنها خلال الخدمة الأسقفية أو البطريركيّة، فإذا غابت السلطة عنهم وانسحبت المناصب من تحتهم وشحبت الأضواء عليهم وتوقف ظهورهم، وجدنا بشرًا آخرين يستعيدون ذاتهم الأصلية وقناعاتهم الشخصية وأخلاقياتهم الحقيقية، فيتحول بعضهم إلى حملان وديعة، يسلكون بلطفٍ وعفوية، يصافحون الكهنة بحرارة ويبتسمون في وجوه النّاس بسبب وبغير سبب ويعود التواضع إلى سلوكياتهم، مُبتعدين عن الإنفعال والصراخ والعناد وديكتاتورية التحكم، مُتناسين التعالي والعجرفة والتغطرس والغرور وخلق الأزمات مع الاكليروس والشّعب، وتكديس الأموال…. ولكن هذا لا يحدث إلّا إذ سقطوا من أبراجهم العاجية!.

فهل هذا ما سيحدث عندما يتنحى البطريرك لويس ساكو أو يُجبر على التنحي؟.

السؤال الذي يقضّ مضجعي أحيانًا، رؤساء الكنيسة الكلدانية (الأساقفة والبطريرك) الذين تغربوا عن اصالتهم وتاريخهم وتعلموا كُل شيء من اللاتين، بِمَا في ذلك الملبس، لماذا واحدهم لم ولن يفقه شيئًا مِنَ الغرب أنّ السُلطة خدمة وسلوك حياة يتسم بالبساطة والتواضع والتجرد، ولماذا عندهم السُلطة تسلطٌ ومظاهر فارهة وأموال…. لا يذمون الفساد الإداري والسلوكيات المُترهلة إلّا بعد أن أختفوا سريعًا وإنطفأت أضواؤهم وتاهوا بزحمة الأرقام في الحياة، مُستردين حجمهم الحقيقي. أوَلم يصدق الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر يوم قال: إنّ المسؤول الديني يفقد مبادئه وحقيقته عندما يتولى منصب ما، ويستردهما عندما يتم إعفاؤه منها!.

ولأ بُدَّ من القول صراحةً، إنَّ ظاهرة السعي والتنافس والتقاتل على المناصب والدفاع الشرس لغرض التمسك بها في مُحيطنا الشرقي والكنسيّ (البطريرك ساكو خير دليل) …..تختلف جذريًا عن نظيرتها في ثقافات الشعوب الغربيّة وأساليب التعامل معها والسلوك تجاهها. فلقد رأيت بأمّ عيني كم أنَّ الأسقف أو البطريرك الشرقي (ليس الجميع لأنني ضد مرض التعميم) ولَكِنّي أخصُ بالذكرِ (البطريرك لويس ساكو والكثير من أساقفته ) يسعى إلى المناصب وحجم تقديس المنصب كبير للغاية لديه وتهويل إلتزاماته ومسؤولياته مبالغ فيه.

إنَّ التنافسات غير الشريفة في السعي إلى المناصب التي عاصرتها وأدركتها في كنيستي الكلدانيّة، يكشف لنا بوضوح تام أنّ باحثي المناصب لا يرون قيمتهم في ذواتهم أو رسالتهم التي دُعي واحدهم من أجلها، بل في المناصب وما تجلبه لهم من شهرة وأضواء وإنتشار وأموال وعلاقات، لذلك قُلّما يُطالعك أسقفٌ أو بطريركٌ في كنيستي، بل في محيطنا العراقي والشرقي حَتّى داخل أروقة الكنيسة (البطريرك ساكو مثالاً) يتخلى عن منصبه بإرادته وكامل حريته، بل يتركه مُجبرًا إمّا بالأعفاء أو العزل- الطرد أو حين يزوره عزرائيل!، وحكامنا في العراق والبلاد العربية وكذلك المطارنة والبطاركة أفضل نموذج!. لهذا ترى المسؤول الغربي الكنسيّ أو الحكومي يترك منصبه، موقعه من أدنى تلكؤ أو كبوة تحصل في عمله، أما عندنا فرغم كلّ ما يقوم به أصحاب المناصب والسلطة والكراسي من أخطاء وأزمات وسوء إدارة وفضائح تراهم مُتشدقين بها، لأنهم يستمدون قيمتهم منها!. وشتان الفارق بين الإثنين.

فهل سيتشدق البطريرك ساكو بالكرسي، أم سيجسد وعوده المتكررة بالإستقالة إلى واقعٍ ملموسٍ؟ فقد عهد عن هذا البطريرك غير الصّادق العمل بخلاف ما يقول.

ما أسعى إلى الإفصاح عنه هو استلهام تجارب شخصية مررتُ بها وحصدتها عبر رحلة العمر، إذ رأيت خلالها وتعلمت منها أنَّ بورصة البطريرك والأسقف مُتذبذبة قبل وبعد تولي المناصب، مثل بورصة الأسهم والعقارات، تتذبذب وتتأرجح وقد تتغير فجأة، فترى إنعكساتها على النفس البشرية التي تسعى إلى المنصب وتطرب به، وتحزن لرحيله، وقد تنهار لغيابه، لأنها فقدت الأضواء المُستمدة منه بعد أنْ أضاف المنصب لهم الكثير والكثير.

لقد تيقنت إنّ نسبة كبيرة من الراكضين خلف المناصب والساعين إليها في كنيستي الكلدانية بشخص رئيسها البطريرك لويس ساكو ومصافه الأسقفي يفتقدون إلى ثقافة وكاريزما المنصب وروحانيته، فغالبًا ما تمنح المسؤوليات لغير أصحاب الكفاءات، بل لأشخاص يفتقدون إلى نضج مهني وإنساني وروحي وربّما أخلاقي، تغيب عنهم المصلحة العامة ووعي التّأريخُ وحكمة العمر، بل تتحكم فيهم الأنا المُتورمة والشخصنة، دون أن يدركوا أنَّ المنصبَ يجعل صاحبه خادمًا وليس مخدومًا.

مِنَ المؤسف حقًّا أنْ أقول غالبًا ما يحدث العكس في كنيسة البطريرك ساكو ومن سبقه، فاللوم الكبير لا يقع على هؤلاء الذين فسدت ضمائرهم، إنّما على الذين يأتون بهم إلى المناصب، واللوم الآخر يقع عليهم لانهم قبلوا تولي مناصب ومسؤوليات وهم يعرفون حق المعرفة ويدركون جيدًا بقرارة أنفسهم أنّهم لا يصلحون لها. لهذا تراني أخشى ما أخشاه أن تُمنح المناصب الكنيسيّة لكلّ من هبّ ودبّ وخصوصًا أصحاب الحظوة والموالاة، بعيدًا عن الكفاءة والمهنية والثقافة الإنسانيّة والرحمةِ الإنجيلية، لأن المحسوبيات والإنتماءات لها سطوتها على مانحي المناصب وخياراتهم في كنيستي، والكثير ينظرون إلى المناصب كمكافأة طاعة، دون أن يخالجهم شعور لبرهة أنّها رسالة وخدمة ووزنة ربانيّة حسب تعبير الإنجِيلِ.

لكنّني لا أنكر أو أتنكر لفئة ونوعية نادرة من الذين ألتقيتهم وتعاملت معهم، إذ وجدتهم أضافوا الكثير إلى الكرسي والمنصب ولم يضف المنصب لهم، ورأيت فيهم نموذجًا حقيقيًا في الزهد والرقي الإنساني والثقة بقيمة الذات، وهم يتعاملون بمهنية وحرفية، ويخدمون بشفافية المسيح وموضوعية وتجرد بعيدًا عن نرجسية الأنا، والتسامي فوق هذه الظاهرة المريضة المُستفحلة بين صفوف البطريرك وأساقفته. ولا أعلم لماذا اعتاد رؤساؤنا في الكنيسة على استقطاب أهل الحظوة مُبعدين عنهم أهل الخبرة والكفاءة؟ ولماذا يحاربون الكهنة متى ما علا صوت كلمة الحق مِن حناجرهم؟ ولعلّ في هذا ينجلي سبب تأخرنا في ميادين شتى. وإلا ماذا؟.

في الختام أهمس لكم سرًا لئلا يتحسس القارئ أكان أسقفًا أو بطريركًا:

هُنَاكَ غضة في صدري وَاللَظى يكوي احشائي على بطريركٍ شوه تاريخ كنيسته عن وعيٍّ وسبق إصرارًا…. وشنَّ الحروب الخاسرة على معظم أساقفته وكهنته دون وجه حقٍّ وموضوعيّة، لأنّهُ يريد ادمغة حمير تؤدي له الطّاعة العمياء. فماذا سيتبقى له بعد ترك المنصب إن كان صادقًا في تركه؟ وكيف سيقوى على العيش دونما سلطة وإعلام وحب الظهور واختلاق الازمات؟!!

وهل زوال الكرسي منه سيدفعه لتقديم اعتذارٍ عِنَ الجرائم التي اقترفها بحق كنيسته وأمته واكليروسه؟ وهل سيغسل خطاياه بنهر التّوبةِ؟ أم يبلِّلُ شاربه المحلوق بِنَصلِ المزيد مِنَ الخطايا؟.

الأب يوسف جزراوي

أحد كهنة كنيسة مار أديّ الكلدانيّة الرسوليّة

أمريكا