أطـفال غـيـورون يتآمـرون فـماذا يعـمل الناضجـون ؟

بقـلـم : مايكـل سـيـﭘـي / سـدني ــ    

طيلة فـتـرة طـفـولتي في كـركـوك لم أخـرج إلى الشارع للعـب ، ولمّا إنـتـقـلـنا إلى ألـقـوش / عام 1958 وأنا في الصف الرابع الإبتـدائي ، رأيتُ بـيئـتها مناسِـبة لـتربـيتـنا الـبـيتـية ومن كـل الـنـواحي الإجـتماعـية وفـيها تخـرّجـتُ من المرحـلة الإعـدادية عـلى ضوء اللـمـﭘـة والفانـوس مع المنـقـلة الفحـمية الشـتائية .  

كانت الحـياة بسيطة واللعـب مع الأطفال في الـدربونة ــ ألـولا ــ ممتعاً بالألعاب المتـيسّرة ( دعابل ، سيـفـونات ، كـعاب ، ﭼارِﮒِ ، مصراعة ، قـتّا وﭘـيـت ، قـفـز عـلى الظهـر مثل موانع ، ﭽَـهايِ أي إخـفاء الـذات في زوايا المحـلة ، كــْـيَـلّاثا ، ﭘُـرصونـْـﮒِ ….. ) وأنا مولع ومتمكـن من الـتهـديف بالـدعابل ــ ﭽـقة ، ﭽـقة وشـبـر ، ﭽـقة مع حـفـرة نسميها عُـنّ ــ وأربح الكـثير من ثـروة الأطفال والمتمثـلة في :  

(1) سـيـفـونات : غـطاء قـناني المشروبات الغازية (2) دعابل : كـرات زجاجـية صلـدة قـطـرها سنـتمتر ونـصف تـقـريـباً ــ خـلـينا نسميها قـذائـف للـرمي عـنـد اللعـب ــ (3) ﭼارِﮒِ : أوراق الـدفـتـر المـدرسي نظيفة ومطوية نعـتـبرها نـقـوداً .  

ولكـوني هـدّافاً ماهـراً بالـدعابل ، فـقـد ربحـتُ كـمية كـبـيـرة من السـيـفـونات وضعـتها في ــ ﮔـونية رز ذات 50 كـيـلـو ــ فإمتلأت إلى نـصفها ، مع عـدد كـبـيـر من الـدعابل .       

وبمرور الأيام بـرزتْ مهارتي بـين أطفال المحـلة في التهـديف بالـدعابل ( ﭽـقة ــ نـقاجا ) وخاصة طريقة مَسكـتي لـلـدُعـبُـلـّة عـنـد الرمي يُطـلـقـون عـليها ــ سـوري ــ مما أثار إنـتباهم في حـينها حـيث يكـون الكـفان متـقابلين تـقـريـباً بحـيث أن أصابع الكـف الأيسر تكاد تـلـف من أسفـل حـول مثيلاتها مع رسغ الكـف الأيمن ، والـدُعـبُـلـّة تُحـصر بـين ثلاثة أصابع (1) الإبهام الأيسر من يسار الـدُعـبُـلـّـة (2) الإبهام الأيمن خـلـفها وموازيا وملامساً للأيسر ومتراجـعاً عـنه قـليلاً (3) الوسطى من أصابع الكـف الأيمن تكـون من يمين الـقـذيفة وملامسة لإبهامها ، وإنّ هـذا الأصبع الأيمن الوسطى ) هـو رامي الـدُعـبُـلـّة بقـوة نحـو دُعـبُـلـّة الخـصم كي يصطدم بها فـيربح . وعـليه كان يلعـب معي فـقـط كـل مَن عـنـده روح المجابهة والتحـدّي . وتـتـم اللعـبة عادة بـين إثـنين أو أكـثر في آن واحـد حـيث يتم الإتـفاق مقـدّماً حـول تـسلسل اللاعـبـين : الـبادىء الأول ثم الثاني ثم الثالث وهـكـذا .     

وفي عـصر أحـد الأيام جاءني إثـنان من رفاق المدرسة / محـلة ( ألـقـوش ) أتـذكـرهما الآن ، طلـبا مني اللعـب ( ثلاثـتـنا سـوية ) وكـل منا لحـسابه الخاص ( لا شـراكة ) ، ووفـق عـقـلـيتـنا كأطفال فإن ثـروتـنا الـدعابُـل كانـت بمثابة آلاف الـدولارات الـيـوم . و تـقـتـضي اللعـبة من كلِ لاعـب أن يـركــّـز ويُـوجّه قـذيفـته ّنحـو دُعـبُـلـّة الخـصم الأقـرب إليه فـيرميها لـيصدمها ( يَـﭽُـقــّها ) فـيربح ، وعـنـدها يحـق له رمية أخـرى نحـو الخـصم التالي أي الثالث … وإن لم يصدمها ينـتـقـل دور اللعـب إلى اللاعـب الـذي بعـده  ……. والمهم إني وافـقـتُ عـلى اللعـب معـهما بحُـسن نية الأطفال .     

وأعـرف مقـدماً ورفاقيّ يعـرفان أنّ كـل واحـد منهما عـلى إنـفـراد لا يمكـنه مقارعـتي في هـذه اللعـبة وليس في الأمر تباهـياً من جانبي ، ولا هـو عـيـبٌ في الخـصم لأن القابليات متـباينة والكـفاءات مخـتـلـفة فلا غـرابة من فـوز لاعـب وخـسارة آخـر في أية مباريات محـلية أو عالمية .  

بـدأنا نلعـب بالتسلسل المتـفـق عـليه ، الأول يرمي عـلى الهـدف الـقـريب ، ثم الآخـر يخـتار الهـدف الأقـرب والثالث بـدَوره يـركــّـز لكي يربح أيضاً وهـكـذا ، إنه فـن اللعـب فلا غـرابة إذا واجَـهـنا الصعـب .  

إلاّ أنّه لـفـتَ إنـتباهي أمر غـريـب ينافي أصول وفـنـون اللعـبة ، مما أثار شكـوكي في طريقة لعـب صديقيّ وغايتهما ! ……  فـما هي ؟ :  

(1) حـين يكـون دور أحـدهما ليرمي قـذيفـته ، فالمتـوقع منه ــ وهـكـذا يجـب أن يكـون ــ أن يُهـدّف نحـو الخـصم الأقـرب إليه ( صاحـبه أو أنا ) فإذا صدمه ــ يَـﭽُـقه ــ سيربحه ثم يُـهـدّف مباشرة نحـو الآخـر ، وإنْ لم يصدمه ينـتـقـل دَور اللعـب إلى اللاعـب التالي ، ولكـني لاحـظـتُ أنّ كـليهما ( كل عـلى إنـفـراد ) لم يكـن يُـوجّه قـذيـفـته إلى صاحـبه الأقـرب ! وإنما نحـو دُعـبُـلـّـتي الأبعـد وكأنهما متـفـقان سـراً ضدي ، فأكـون الخـصم المشـترك لكـليهما !  

(2) في تسلسل اللعـب المتـفـق عـليه ، هـناك اللاعـب الأول وبعـده الثاني ثم أنا الثالث ، فلاحـظـتُ عـنـدهما فـناً شـيطانياً ! اللاعـب الأول يريـد مساعـدة صاحـبه الثاني ( خـفـية ) كي يربحـني وهـما شـريكان . فـيـبـدأ اللعـب ويرمي دُعـبُـلـّـتـه ” لا لـتـصيـب الثاني صاحـبه ” وإنما لـتـقـف بـين قـذيفـتي وقـذيفـته ! ويصبح محـطة وسطية كـجـسر لصاحـبه الثاني الـذي سـيرميه كأول مرحـلة من أجـل الإقـتـراب مني وتسهـل أمامه إصابة دٌعـبُـلـّـتي أنا الثالث فـيربح . والخلاصة : من بعـد الرامي الأول ، تكـون الضربات النهائية لصالح اللاعـب التالي الـذي هـو ( صاحـبه الثاني ) فـيقـلل من فـرصتي أنا الثالث … ويـمكـن تـصوّر المشهـد الأخـير للـدعابل عـلى خـط وكما يلي : قـذيفة الثاني هـو الرامي النهائي ــ قـذيفة الأول صارت في الوسط ــ أنا الثالث الأخـير الخاسر.    

إذن ، جـماعـتي رفاق المدرسة ــ الأطـفال الأبـرياء ــ كـل منهما يعـرف نـفـسه في اللعـب لـوحـده معي ولا يمكـنه مقارعـتي ، لـذلك وضعا كـليهما خـطة تآمر سـرية قـبل مجـيئهما عـندي ( يتعاونان كـليهما ضدي ) بهـدف ربح دعابلي بطريقة لا أخلاقـية فـيتـقاسمانها بـينهما . والآن نـقـول : إذا كان بإمكان الأطفال التخـطيط للإيقاع بصديقهم الطفـل ، فـما بالهما بعـد نـضوجـهما ؟ .  

المهم في لعـبتـنا ، رغـم أني إكـتـشـفـتُ تلك المعادلة الماكـرة منـذ الـبـداية ( خـطة سـرية / تآمـر وتعاون إثـنين ضد واحـد ) ولكـني لم أهـتم ، فإستمريتُ اللعـبَ معـهـما مستـنـداً إلى ثـقـتي بمهارتي ، فكانت الـنـتـيجة أني ربحـتُ كـل دعابلهم ، ولم يلعـبا معي بعـد ذلك الـيـوم .     

التعليق

Click here to post a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

    • ليس أمرا غـريـباً أخي حـنا يـوسـف

      الغاية من المقال ( كما تلاحـظ ) هي ، كـيف أن أطفالاً بعـمر الزهـور عـنـدهم قابلية عـلى الغـدر والتخـطيط للقـيام بمؤامرة
      طبعا عـلى مستـوى الأطفال
      فـكـيـف بهم حـين يكـبـرون ؟