هل الرسول محمد .. مقدس !! قراءة نقدية

يوسف تيلجي

النص :
التقديس هو التعظيم ، والمتعارف عليه لدى الجمهور، أن “العظمة لله وحده” ، وليس من فرد وضعت له هالة من العظمة والرفعة والمكانة والعلو، كمثل ما وضع لرسول الأسلام محمد بن عبد الـله ، وذلك من قبل شيوخ ورجال وأتباع الأسلام، الأمر الذي جعل المس به أو التعرض لسيرته أو لزوجاته أو تناول حياته أو شرح بعضا من أفعاله أو غزواته أو أحاديثه أو سننه، أمرا في غاية الحساسية والخطورة بمكان، الأمر الذي وصل الى أن التعرض للذات الألهية من الممكن التغاضي عنه، أما محمد فأن المس به بات يعتبر من أعظم المحرمات .. حتى أمسى أن يقول أتباعه : ” ألا رسول الـله ” !! .

القراءة :
أولا – بداية .. الرسول نفسه كان يقول عن نفسه أنه أنسان عادي لا غير، فقد جاء في الحديث، عن إسماعيل ابن أبي الحارث قال: حدثنا جعفر بن عون قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، قال: أتى النبي رجل، فكلمه، فجعل ترعد فرائصه، فقال له الرسول: “هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد “.
ثانيا – والرسول بذاته كان يوجه أصحابه بالأبتعاد عن توجيه عبارات التبجيل والتضخيم له، فقد جاء في/موقع أسلام ويب، التالي / نقل بتصرف : (حديث مرفوع) أَخْبَرَنَا الصَّالِحُ الْمُعَمَّرُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ السُّلَمِيُّ ابْنُ الْمَوَازِينِيِّ .. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ : ” لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّـهِ وَرَسُولُهُ “، مُتَفَقٌّ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَوَقَعَ لَنَا بَدَلًا عَالِيًا، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ السَّقِيفَةِ، مما سبق يؤكد على أن الرسول بشر لا غير.
ثالثا – وبنفس النهج يقول الشيخ عبد الـله بن عبد الرحمن الجبرين – عضو الإفتاء المتقاعد / حول عدم تقديس الرسول ، فيقول (أما محبتهم، والذود عنهم، والأدب معهم، والدعاء لهم، وكفُّ الأذى عنهم، وذكر محامدهم في تقواهم وطاعتهم لربهم للإقتداء بهم، فمن علامة الإيمان ومن طاعة الرحمن .. أما المجاوزة في الحد عن ذلك بدعائهم، والاستغاثة بهم، والذبح لهم، واعتقاد قدرتهم على تصريف الكون فمن الغلو فيهم، ومن رفع منزلتهم فوق المنزلة التي أنزلهم الله تعالى إيَّاها.. كان ذلك غلوا) ويبين قول الرسول (لمن رآهم يغالون في محبَّته ويخرجونه عن عبوديته ” لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ” ، إنما أنا عبد ، فقولوا: عبد الله ورسوله ).
رابعا – هل كانت القدسية والمكانة للرسول بذات وتيرتها في حقبة الدعوة المحمدية مقارنة بما هو الحال الأن، وهل الرسول كان مطاعا أطاعة كاملة، وهل كان لأوامره أنصياع تام، وهل كان صحابته يعترضون أو يحتجون عليه .. هذا تساؤل!! ، ففي مقال للدكتور محمد حبش / موقع الحل – نقل بتصرف ” هناك أجابات شافية وافية لهذا التساؤل المثير ” ، وسأسرد ما حصل في واقعتين هما صلح الحديبية ويوم الجعرانة / من فحوى المقال :
1 . صلح الحديبية / هو صلح عقد في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة (مارس627م) بين المسلمين وبين قريش بمقتضاه عقدت هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنوات. (وفي يوم الحديبية شارك مئات الصحابة في موقف احتجاجي صريح على إبرام صلح الحديبية ورفضوا تنفيذ الأوامر، وحين أمرهم الرسول بالحلق والتحلل والقفول إلى المدينة لم يطعه أحد!! وفتحت حوارات متوالية لرفض قرار النبوة في الصلح، ودخل الرسول حزيناً على أم سلمة يشتكي أن الناس لم يستجيبوا لأمره، ولكن أم سلمة ذكرته بأن عليه أن يتوقع مثل ذلك من الناس فهم لم يعودوا قطيعاً يمضي في تنفيذ الأمر بلا بصيرة، لقد أصبحوا أحراراً ومن مسؤولية القائد أن يقدم لهم تفسيراً يقنعهم عند اتخاذ أي قرار .. ).
2 . يوم الجعرانة/الجعرانة مدينة وكانت قرية صغيرة قريبة من المسجد الحرام، تقع في وادي الجعرانة، على بعد 20 كلم شمال شرق مكة المكرمة، اكتسبت شهرة تاريخية بنزول الرسول فيها وتوزيع الغنائم بها بعد عودته من غزوة حنين (وفي يوم الجعرانة اختار الأنصار موقفاً نقدياً شديداً من أسلوب الرسول في توزيع الغنائم الجعرانة ورفضوا قراره في تحرير 4500 سبية وقعت في يديه وردهم إلى ثقيف بلا مقابل، فقد كانت هذه السبايا أكبر مغنم مادي في تاريخ الرسالة على الإطلاق ولم يكن العقل الجمعي ليستنكر السبي آنذاك، ورأوا في موقفه هذا تفريطاً لمغانم هائلة، ثم اعترضوا أشد الاعتراض على قيام الرسول بتوزيع الغنائم في سراة الأعراب والطلقاء وزعماء القبائل، وأرسلوا وافدهم إلى الرسول “سعد بن عبادة” يناقشه في أمر قسمة الغنائم ويؤكد رفض الأنصار لهذه الطريقة في قسمة الغنائم ..).. هنا كان الأعتراض مقبولا من قبل صحابة محمد، لأنه فضل توزيع الغنائم على مراكز القوة من توزيعها على قومه!، وذلك حتى يكسب تأييد الاخرين ويضمن جانبهم.
خامسا – والبعض يقول أن الرسول كان مباركا/هذا حسب رأي بعض الشيوخ!، ولكنه لم يكن مقدسا، فقد قال “الشيخ سعيد بن وهف القحطاني” الرسول مبارك، جعل اللـه فيه البركة، وهذه البركة نوعان :
أ. بركة معنوية: وهي ما يحصل من بركات رسالته في الدنيا والآخرة ، لأن الـله أرسله رحمة للعالمين.
ب. بركة حسّيّة، وهي على نوعين :النوع الأول: بركة في أفعاله أما النوع الثاني: بركة في ذاته وآثاره الحسية.
نقل بتصرف من “نور السنة وظلمات البدعة ” (ص 49 ، 50) – ترقيم الشاملة / موقع الأسلام سؤال وجواب .
سادسا – وأخرين يقولون أنه كان مطهرا، فقد قال أبو القاسم السهيلي: والقول عندي في الرسول: أنه متطهِّر ومُطهَّر، أما متطهِّر: فلأنه بشرٌ آدميٌّ يغتسل من الجنابة ويتوضأ من الحدث، وأما مطهَّر: فلأنه قد غُسل باطنُه وشُقَّ عن قلبه ومُلئ حكمة وإيماناً فهو مطهَّر ومتطهِّر. نقل من / ” الروض الأُنف ” ( 2 / 119 ) – نفس المصدر السابق .
سابعا – في كثير من المواقف، رأينا أن صحابة الرسول لم تطعه/ كما لاحظنا في النقطة 4 أعلاه ، ولكن هناك حادثة أراها الأهم، وهي عندما رغب الرسول كتابة وصية له قبل وفاته، ومنعه عمر بن الخطاب. ((عنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ قَالَ: وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: (هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّـهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللّـَهِ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ قَالَ: قُومُوا عَنِّي .قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللّـَهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ. / نقل بتصرف من موقع – مركز الفتوى )) ، فلو كان الرسول مقدسا مهابا، وهو حيا وفي زمن دعوته بالتخصيص، لكان أمره ناهيا حازما قاطعا في كل ما يقول!! .

أضاءات :
1 . من الضروري بمكان نزع القداسة عن الرسول، لأنه هو أصلا غير مقدس، بأعتراف القران، وبذاته الرسول يشدد على صحابته بعدم أكثار الأطراء عليه، وهو القائل “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم” / كما أسلفت، وأرى أن نزع القداسة بها أشكالية لأنها سوف تضع شخصية الرسول، سيرة وحديثا وسننا، تحت المجهر، وفي هذا سيتعرض شيوخ الأسلام، خاصة الذين يقتادون من الترويج لهذا الدين ولرسوله، في الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية، لأزمة ليس من بعدها أزمة!!، لأن هذه المادة وسيلة للثراء لهم!، وغير ذلك سيضعهم في أحراج حساس، لهذا نرى أن الشيوخ دائما يهيلون عليه هالة من القداسة لتغييب المتلقي .
2 . القداسة فرضها الشيوخ على الرسول لغايات معينة، غايات في نفس الشيوخ/وهي نشر الدين ومحاربة غير المسلمين، وأهم وسيلة لترجمة هذين الأمرين هو الجهاد، كقوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ – 73 / سورة التوبة)، فالجهاد منسوب للرسول، ولولا الرسول لما طبق القرأن، فالقرأن يمر عن طريق الرسول!، لهذا نرى في الأية السابقة بأن رب محمد يحدثه بأن يجاهد الكفار .. .
3 . كما أنه ليس من المنطق والعقلانية أن نقارن الرسول بالقداسة ، لأن القداسة تحتاج بشكل أو بأخر الى العفة والطهارة والنقاوة، فالرسول رجل مزواج، كما أنه كان شهوانيا، فبصحيح البخاري / باب النكاح : (4917 حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم أن نبي الـله كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة) وهذه الأفعال ليس من القداسة بصلة.
4 . كذلك القداسة من الضروري أن تتصف بالمروءة والعفو والعفة والترفع عن ملذات الدنيا، والأتجاه نحو حب الأخرة، حيث أن الدنيا زُينت للكفار بخلاف الآخرة: كما في قوله {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَـّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} البقرة: 212، أما الدنيا فهي لعب ولهو: كقوله {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} الأنعام: 32، ولكن الرسول فكان يفعل كل شي في سبيل دنياه، ومثالنا على هذا زواجه من اليهودية، صفية بنت حيي، بعد قتل ذويها، حيث دخل بها بذات يوم تصفية أهلها وعشيرتها (صفية بنت حيي – هي أسيرة يهودية من سبايا خيبر أغتنمها محمد في العام السادس من الهجرة؛ قتل محمد زوجها كنانة بن الربيع صاحب حصن خيبر؛ وقتل أباها حيّ ابن احطب؛ وقتل أخاها وتلك قصتهم مع نبي الرحمة .. / نقل بتصرف من موقع نور العقل).
5 . أذن الرسول ليس مقدسا، وحتى ليس مباركا ولا طهورا، ولكنه قائد عسكري، أمسى منظرا وزعيما قبليا، لعرب الجاهلية، وحد العرب في فترة غاب بها العقل تحت حكمه وسلطته، بدعوى أنه رسول ونبي ولديه كتاب توحى أياته له!.
خاتمة:
على المفكرين، خاصة العرب منهم، العمل على “تشكيل العقل العربي” ، وهذا الأمر لا يتم ألا عن “طريق المعرفة” ، والمعرفة في القرن الحالي، مأزومة، لكثرة التشويهات الفكرية التي ألصقت بها من قبل رجال وشيوخ الدين، الذين شوهوا العقل، وجمدوا الأبداع، وأوقفوا الحقيقة والتاريخ عند القرن 6 – 7 الميلادي/ زمن الدعوة المحمدية، لذا أستوجب الأمر أن يكون هناك “صراعا من أجل المعرفة”، كما يجب “أعادة بناء المفاهيم”، من أجل البحث والتدقيق في كل ما أعتبر حقيقة مطلقة، بعد نزع أي هالة عنها، وذلك من أجل الوصول للحقيقة/ قدر الأمكان، كما يجب أتباع المبدأ الديكارتي “الشك من أجل الوصول للحقيقة” (إعتمد ديكارت على الشك منهجًا لبلوغ اليقين، فأخضع كل شيء لحكم العقل. إن شك ديكارت هو طريقة بحث لا غير، وهو بداية البحث عن الحقيقة، فهو إيمان بالعقل، وعزم محقق على الوصول الى اليقين / نقل من الموقع التالي https://socrazein.wordpress.com ).
فأذا أتبعنا ما سبق بكل عقلانية وتجرد، نكون قد حررنا العقل، وتحرير العقل يجب أن لا يكون أنتقائيا بالنسبة للمواضيع، بل يجب أن يكون عاما وتاما، بمن ما فيهم من حسبوا على منطقة القداسة، والرسول أحدهم!!.