الوضع السياسي

الاب كمال وردا بيداويد
إن الانسان المسيحي الواعي والمتتبع للحالة السياسية في مجتمعنا المسيحي، يقر ويعترف بأنه لم يطرأ أي تغيَّر إيجابي للمسيحيين سكان البلد الأصليين، سكان ما بين النهرين (العراق) لا في الماضي السحيق ولا في العصر الحاضر، إلا في فترات متقطعة، وهي ايضا كانت نتيجة علاقات شخصية بين رئاسة الكنيسة (البطريرك) أو من كان يمثله في السلطة. لم يكن للمسيحيين إعتراف دستوري فعلي (على أرض الواقع) يضمن حقوقهم الانسانية والوطنية كباقي القوميات كالعرب والاكراد والتركمان، وإن جاء في الدستور العراقي. المادة 3 (العراق بلد متعدد القوميات والمذاهب)!
المسيحيون كانوا في نظر المسؤولين المتعاقبين على السلطة في العراق. مواطنين مساكين موالين للحكم، لا يُخشى منهم أبدا، هم لا يتعاطون السياسة، ليس لهم أحزاب سياسية تدافع عنهم وعن حقوقهم المشروعة في المحافل الدولية، وإن إنخرط البعض في أحزاب هي أصلا تابعة أو موالية للحكم شاءت أم أبت، فإن ذلك لا يزيد ولا ينقص من فكرة الحكم على أن المسيحيين ليست لهم أطماع في السلطة ولا يشكلون تهديدا لسلطتهم، وإن إنخراط بعضهم في حزب ما، فهو عمل إنفرادي يتحمل صاحبه تبعاته ونتائجه هو شخصيا لا الجماعة التي ينتمي اليها.
ما السبب في ذلك؟ الجواب: لان المفهوم السياسي عند غالبية المسيحيين العلمانيين، هو مفهوم لا ديني بحت، يتمثل بقول: السياسة تعارض الدين، وأن الدين يعارض السياسة، والمؤمنون كانوا يسمعون دوما لارشادات كنيستهم ويعملون بما تقول.
الكنيسة والحق يقال، لم توفر التوعية اللازمة لابنائها في هذا الشأن، فالسياسة وحسب ما تعلمنا هي كذب ونفاق، هي مصلحة ذاتية أولا وأخيرا، ومن هذا المنطلق إبتعد المسيحيون بشكل عام عن تعاطيها.
فماذا تقول الكنيسة الام والمعلمة بخصوص العمل السياسي؟ خاصة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني:
“إن الكنيسة التي ليس بينها وبين الجماعة السياسية أي التباس بسبب مهمتها وصلاحيتها، هي في الوقت عينه، الدليل على الطابع السامي للشخص البشري وضمانه”.
الكنيسة
“تحترم وتشجع حرية المواطنين السياسية كما تحترم وتشجع مسؤوليتهم”
إنه من رسالة الكنيسة “أن تُصدر حكما أدبيا حتى في الامور التي تتعلق بالنظام السياسي، عندما تقتضي ذلك حقوق الانسان الاساسية أو خلاص النفوس، معتمدة جميع الوسائل التي لا تخرج عن نطاق الانجيل والتي تتماشى وخير الجميع وفاقا لاختلاف الاوضاع والازمنة؟
البشر هم أولاد اللـه ولهم كرامة فريدة، لذلك تجتهد الكنيسة في تعليمها الاجتماعي على تحقيق هذه الكرامة البشرية في النطاق الاجتماعي لجميع البشر. ليس مُرامها أن تتسلط على السياسة أو الاقتصاد، ولكن أينما تمس كرامة الانسان في السياسة والاقتصاد، فعلى الكنيسة أن تتدخل.
إن تأريخ الكنيسة حافل ومشرف من هذه الناحية، أي تدخلها الفعال، لقد أسمعت صوتها للعالم، وشجبت تصرفات حكاما ودولا أهانوا الكرامة البشرية عن تعمد، ولا زالت مستمرة في هذا النهج الصحيح والمبدئي، لانها أم يجب عليها ان تدافع عن اولادها بالوسائل التي لا تحمل أية صفة للعنف. ولكن هل إستجيب لها؟ الجواب: كلا في غالبية الاحيان، لان السلطة في اي بلد تعسفي، تجيز لنفسها إستعمال العنف مع من يعارض نهجها وسلطتها التي تعتبرها مقدسين، وخطاً احمر لا يمكن تجاوزه أبدا.
بالنسبة الى شعبنا المعذب والمهجر لا تكفي اللقاءات والزيارات وإستقبال الوفود والشخصيات اليومية التي نراها ونسمعها عبر وسائل الاتصالات المتنوعة مع غبطة البطريرك وحاشيته، لان على ارض الواقع لم يتحقق اي شئ الا اللهم القليل القليل.
لم أسمع ولم أقرأ يوما أن صدر بيان من المسؤولين الحكوميين العراقيين ولا من السفراء الدوليين المعتمدين ولا من المبعوثين الخاصين نتيجة اللقاء مع غبطته، أن اللقاء تمخَّض عن كذا وكذا قرارات ومواقف حتمية مصيرية وجب تنفيذها بالسرعة الممكنة لمصلحة الشعب والوطن.
في إعتقادي: لم تتعد البرتوكولات والمجاملات والمصافحات اليدوية وإلتقاط صور تذكارية وبثها عبر وسائل الاعلام لتخدير الناس البسطاء، في أن البطريرك ومنذ تسمنه المسؤولية الكبيرة (رئاسة كرسي بابل العظيمة) هو لا يهدأ، يصول ويجول، يتحرك كالمكوك في كل صوب وحدب من اجل شعبه ووطنه الجريح العراق. ولكن الحقيقة تبقى على أرض الواقع، لم يتحقق شئ يُذكر يعيد لشعبنا المظلوم بصيص أمل في بكرامة في أرضه ووطنه. وهذا ما أكده غبطته ذاته في روما بعد إطلاعه على مؤتمر الفاتيكان يوم 18/10/2018 حيث قال: هناك وعود ولكن الحقيقة لا يوجد شئ حتى الان؟.
إن السبب في كل هذا التلكؤ من قبل اصحاب القرار والامر هو حسب قناعتي الشخصية وكما ذكر أحد الكتاب” “..لانه ليس لنا اصدقاء حقيقيين وجادين وصادقين في الوطن وهم غير مقتنعين بوجودنا القومي والديني المختلف معهم”.
المطلوب الان هو: العمل الجاد من قبل الجميع كنيسة وشعبا في إيجاد أصدقاء حقيقيين جادين ومخلصين لشعبنا المظلوم، يعترفون ويقرون بقوميتنا وحضارتنا وأصليتنا الوطنية وحقنا في العيش الكريم الذي تقره حقوق الانسان، أصدقاء لهم السلطة والمقدرة على تنفيذ ما يوعدون، لان الصديق يبان جوهره ومعدنه عن الضيق. وفي أوقات الشدة والمحن يبعث اللـه بموسى جديد ليقود شعبه الى أرض ميعاد جديدة ليعيش فيها حرا كريما.

(من كتابه: لماذا لم أصبح اسقفاً؟ صفحة85- 89)