المؤسسة الكنسية كما أسسها ربها

الاب پـيتر لورنس
أسّـس الرب يسوع المسيح كـنيسته وسـلـّـمها إلى الـرسل في الإنـطلاقة الأولى، وأعـطاهم سلطاناً متـكاملاً دون نـقـصٍ أو تميـيز فـيما بـينهم : ” فـدنا يسوع إلى تلاميذه وكـلمهم قائلاً : إني أولـيت كـل سلطان في السماء والأرض ، فإذهـبوا وتـلمذوا جميع الأمم ، وعـمّـدوهم بإسم الآب والإبن والروح الـقـدس ، وعـلّـموهم أن يحـفـظوا كل ما أوصيتكم به ، وها أنا ذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم “… (متى28/18-20) .
إنّ السلطان الذي أعـطاه الرب يسوع هـو سلطان رسولي من أجـل البشارة بالإنجـيل والـتـقـديس . هـذا السلطان هـو مباشر وخـصوصي للرسل ومن ضمنهم الـقـديس ﭘـولس رسول الأمم ، وخـلفائهم من بعـدهم ( أي الأساقـفة ) . هـؤلاء الرسل حـملوا بشرى الخلاص إلى العالم أجمع مؤسسين كـنائسهم بموجـب وصية الرب يسوع لهم ، ووضع أيديهم عـلى أشخاص إخـتاروهم حـتى يكـملوا رسالة الخلاص في الكـنائس التي بشروها بالإنجـيل من خلال الـدرجات الكهـنوتية الثلاث ( الأسقـفـية ، والكهـنوت ، والشماسية الإنجـيلية ) وبسبب توسّع رقـعة البشارة الجغـرافـية في أرجاء المعـمورة . ولكـلٍ من هـذه الدرجات الثلاث وظيفة رسولية تصب في خـدمة رسالة الخلاص . فهي متكاملة وخصوصية ومتميزة لأنها تأتي من الينبوع الرسولي المأخـوذ سلطانه مِن الرب يسوع المسيح .
الكـنائس الرسولية :
إنّ جميع الكـنائس المؤسسة في الشرق والغـرب مِن قِـبَل الرسل هي كـنائس رسولية ، ومن خلالها تـسري درجاتها الكهـنوتية لخـدمة شعـبها المؤمن ، وهي تحـمل السلطان نـفـسه الـذي أعـطاه الرب يسوع للرسل دون نـقـص أو تميـيز طالما يصب في بودقة الإيمان الرسولي .
أما الإنقسامات التي حـدثـت بـين الكـنائس الرسولية في القـرن الرابع والخامس الميلادي ، هي إنقسامات عـقائـدية أوجَـدها أشخاص منـفـردون بتعـليمهم خارج السرب الرسولي ، مما أدى فـيما بعـد ــ وبسبب الرقعة الجغـرافـية والسلطة السياسية لـدولهم ــ إلى الإنقسام الذي توارثـناه عـن أجـيالنا والتي تـبرز معالمه اليوم في الكـنائس الثلاث الرئيسة (الكاثوليكـية ، النسطورية ، الأورثوذكـسية ) ، لكـنها تبقى رسولية بسبب تبعـيّـتها وتسلسلها الكهـنوتي الذي يمتـد إلى الرسل .
الكـنيسة الكاثوليكـية :
الكـنيسة الكاثوليكـية هي كـنيسة رسولية عـلى مثال الكـنائس الأخـرى ، تضم تحـت جـناحـيها إدارياً كل مَن يحـمل ميراثها الرسولي ، ملـتـئـمة حـول هامة الرسل كـرسي الـقـديس ﭘـطرس وخـلـفائه . هـذا الـتميّـز الرسولي الذي يأخـذ سلطانه من الرب يسوع ( أنت صخـرة ، وعـلى هذه الصخـرة أبني كـنيستي ) ، الذي يـبنى في الدرجة الأولى عـلى الإعـتراف الإيماني الذي أقـر به مار ﭘـطرس ( أنت هـو المسيح إبن الله الحي ) وجميع الرسل الذين يشهـدون الإيمان نـفـسه ، فإنهم يمتـلكـون قـدر السلطان الذي أعـطاه الرب يسوع للرسل قـبل صعـوده إلى السماء .
إن سلطة الكـنيسة الكاثوليكـية إدارياً نابعة أيضاً كـمثيلاتها من الكـنائس الأخـرى بسبب جغـرافـيتها وحـدودها السياسية ليس إلّا . هـذه الكـنيسة برزت سلطـتها في القـرن الرابع الميلادي بعـد إهـتـداء قسطنطين الملك ، وأخـذت معالمها الإدارية تـتميز بعـد إضطهاد الكـنيسة الـذي دام سنيناً طويلة حـتى أخـذت شكـلها السلطوي عـلى غـرار الإمبراطورية الرومانية .
إذن ، للكـنيسة الكاثوليكـية محـوران أساسيان : (1) السلطة الكهـنوتية لأنها رسولية (2) السلطة الإدارية المتمثـلة بالقانون .
السلطة الكهـنوتية:
هي سلطة منحـدرة من الرسل الأوائل ، والمُـسـتـلـَـمة أصلاً من الرب يسوع المسيح ، تـتـمـثـل مسؤوليتها في نـشر بشرى الخلاص ، والـتـقـديس .
السلطة الإدارية :
بـرزتْ ملامحها مـنـذ أسس الرب يسوع مجـموعة التلاميذ الأولين وسماهم رسلاً ، وأعـطى لكـل واحـد منهم مسؤولية لـتـنـظيم شؤون رسالة الـتـبشير ، وتـبـلـوَر شـكـلها في الكـنيسة الأولى للرسل بعـد قـيامة الرب يسوع وصعـوده إلى السماء . نلاحـظ من هـذا الـتـنـظيم الإداري أنه يصب في خـدمة بشرى الخلاص، وليس لـفـرض السيطرة عـلى بقـية الرسل ، ولا عـلى مَن كان يخـدم هذه الرسالة الخلاصية ، سواءاً كانوا عـلى إتفاق أو عـلى خلاف فـيما بـينهم .
إذن ، لكل كـنيسة وضع إداري وتـنظيم قانوني يخـتـلف عـن الأخـرى ، وُضِع لخـدمة مؤمنيها ، ولأجل نمو رسالـتها الخلاصية والـتبشير بالإنجـيل ، مع الحـفاظ عـلى الـتـقـليـد الرسولي ، والأمانة عـلى ذخـيرة الإيمان الرباني الذي تـلمذهم عـليه الرب يسوع المسيح .

دولة الـﭬاتيكان وسلطة روما:


فالـقـديس بطرس هامة الرسل هـو مَن أسس كـنيسة روما ، وتوافـد خـلـفاؤه إلى هـذه الكـنيسة التي قـدمت شهـداء عـلى مدى أكـثر من 300 سنة من أجـل بشرى الخلاص . وبحـلول عام 303 م كان إضطهاد المسيحـيـين قـد بلغ ذروته ، إلى أن جاء الإمبراطور قسطـنطين في عام 312 م وفي زمنه ربح الحـرب عـلى ملك الـفـرس ، وحـين رأى الصـلـيـب (رؤيا) في السماء ، أمرَ بوضعه عـلى أسـنّة رماح جـنوده .
لـقـد أصدر قسطنطين عام 313 ما عُـرف بمرسوم ميلانو ، والذي منح للمسيحـيـين حـريتهم وأعاد إليهم ممتـلكاتهم المغـتصَبة منهم ، وأكـرمهم أيّما إكـرام ، وأهـدى الـﭘاﭘا قـصر لاتـيرانو ، وخـصص له منحة سنوية سخـية . وكان عام 1929 هـو موعـد توقـيع إتـفاقـية اللاتـيران بـين المؤسسة الكاثوليكـية الرومانية وبـين جـمهورية إيطاليا لإنبثاق دولة الـﭬاتيكان، الأصغـر من حـيث المساحة والأضخـم والأكـبر من حـيث الـنـفـوذ العالمي ، وتـقـع في قـلب مدينة روما من الضفة اليمنى لنهـر التـيـبـر عـلى موقع ملاعـب وحـدائق الإمبراطور الطاغـية نيرون .
وبعـد حـصول كـنيسة روما عـلى دولة الـﭬاتيكان ــ المستـقـلة ــ داخل دولة إيطاليا ، أخـذت منحىً آخـراً : ديني من جهة ، وسياسي من جهة أخـرى … وصارت ذات نـفـوذ واسع الـنضير أيضاً بـين دول العالم غـرباً وشرقاً .