المسيح والمسيحية عند كتاب مسلمين-1

ابراهيم جرجس داوود

يهدف تفسير المؤرخين المسلمين للتعبير عن ادعاءات ضدّ الكتاب المقدس وبحسب الأدباء المسلمين تنبأ الكتاب المقدس عن مجيء النبي صلعم وظهور الإسلام  

أساس هذا الادعاء في إصحاحات التوراة ” الصحيحة ” وبأعجوبة سلم هذا النص من التحريف .

ذكر بعض من الباحثين هذا النمط الأدبي

[ א. שטראוס – אשתור – דרכי הפולמוס האסלאמי , ספר זיכרון לבית המדרש לרבנים בווינה , י”ם תש”ו עמ’182-179 ]

وهو متّصل بموضوع عويص ألا وهو قضية تاريخ الترجمة العربية للكتاب المقدس قبل الإسلام  

اقتباس إصحاحات من الكتاب المقدس وتفسيرها في الأدب العربي الإسلامي يبين معرفة الكتّاب لنصوص التوراة وهذه المعرفة كانت من نصيب المسيحيين واليهود الذين اعتنقوا الدين الإسلامي ومع مرور الزمن ، معرفة الأدباء المسلمين للكتاب المقدس والأدب اليهودي أصبحت في ازدياد إلا أن الحديث عن أدباء مسلمين ذوي معرفة وخبرة بخبايا الكتاب المقدس أمر محدود

يبدو انه حتى القرن الثالث عشر استخدم الأدباء المسلمون نصّاً محدوداً محدّداً لإصحاحات من التوراة التي ترمز أو تدل إلى النبي صلعم بحسب المؤرخين المسلمين ويمكن الجزم بأن المفسرين المسلمين لم يحاولوا التفسير بشكل نمطي مبني حاوٍ للنص التوراتي الكامل وعلى ما يبدو ناتج عن عدم وجود النص الكامل بالعربية وهذه القضية – أي تفسير المؤرخين المسلمين للتوراة لم يتطور البتة لنمط أدبي مستقل وهذا بسبب نظرة المؤرخين المسلمين للكتاب المقدس وبالتالي للديانتين اليهودية والمسيحية هذا مقارنة مع التفسير المسيحي للعهد القديم فالبون شاسع ولا يمكن أن نقارنه واختلاف النظرة هو بالتالي نتيجة حتمية للأسلوب ومعاملة النص حيث هدف الكتاب المسلمين كان الطعن بالكتاب المقدس والتركيز على بعثة النبي صلعم

الإصحاح التوراتي الوحيد المقتبس بشكل واضح في القرآن الكريم 21:105 ” ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون

قارن مع سفر المزامير 37:29 “والصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد

يفسره الكتاب المسلمون بأنّ القصد هو المؤمنون المسلمون الذين سيرثون جنة عدن ، الكاتب المعتزلي المشهور عبد الجبار [ توفي 1025 ] يرى بنص المزمور حقيقة نبوءة النبي صلعم ونشأة الدين الإسلامي وفتوحات الخلفاء الراشدين . يحاور عبد الجبار مطولاً ضد من يعارض تفسيره بأنه كانت فتوحات من قبل وأقل ورعاً مثل القرامطة [ عماد الدين عبد الجبار بن احمد الأسد أبادي الهمذاني تثبيت دلائل النبوة ببيروت 1966 252-253 : 2 ] . وفي هذا السياق يذكر عبد الجبار أن الكتب المقدسة ذكرت النبي صلعم كما يبين ذلك أجيال من الذين اعتنقوا الإسلام ذاكراً عبدا لـله بن سلام وأربعة آخرون مسلمون من بينهم ابن قتيبة وعلى مل يبدو فقدت هذه المؤلفات دون ذكر لأسمائها . خصص ابن هشام في مؤلفه ” السيرة النبوية ” فصلاً خاصاً عن الكهنة والأحبار والرهبان المسيحيين الذين يتنبأون ببعثة النبي صلعم ويقتبسون في هذا السياق إصحاحا من بشارة يوحنا 15:26 حول ” البراقليط ” المعزّي الذي يفسرونه كأنه تنبأ ببعثة النبي صلعم وعلى ما يبدو أنهم ترجموا هذه العبارة للعربية عن السريانية – מנחמנא  

يشمل أدب الحديث العديد من أوصاف النبي التي ترتكز على حد أقوالهم على التوراة وبعض هذه النصوص من سفر اشعيا ، إلا انه لا أساس علمي لهذه الادعاءات والمثال الأكثر تداولاً عن وصف النبي صلعم في التوراة هو ما ورد في اشعيا ” عبد اللـه ” [ مسند احمد بن حبل بيروت 1944 ، 2:174 ، محمد بن إسماعيل البخاري الجامع الصحيح ليدن 1862 ، 1908 كتاب 34 البيوع 50 كتاب 65 كتاب التفسير ، آية 48 باب 3 ، عبد الرحمن الدارمي ، المدينة 1966 ، سنة 1:2 ] أحاديث عديدة ومختلفة وكتابات بيوغرافية تأتي لتكملة النصّ وكأنّ النص الأصلي هو من التوراة “الصحيحة”، ومن اللافت للنظر أن هذه الاقتباسات التوراتية

غير الموثقة والترجمة شبه الحرفية من ميزات الأدب العربي في العصور الوسطى، أضف إلى الإضافات التي زيدت وعلى الخصوص الأصل :ח.מ.ד حيث رأوا في مشتقات هذا الأصل رمزا للنبي صلعم {علي بن ربن الطبري، الدين والدولة 1923 فصول:18,19و26 }

وقسم كبير من هذه الاقتباسات يرتكز إلى مصادر يهودية متأخرة ورأى بها المؤرخون المسلمين كجزء لا يتجزأ من التوراة

تطور في الأدب العربي نمط أدبي خاص المسمّى “الدلائل أو أعلام النبوة”، هؤلاء الكتاب حاولوا جاهدين عبثا إظهار شخصية النبي صلعم، عجائبه ومعجزاته ونجاحه في بعثته وكل هذا يثبت حقيقة نبوته، أن أغلبية هذه المؤلفات تشمل فصلا يتمحور حول نصوص من التوراة والإنجيل التي تنبئ بمجيء النبي صلعم وظهور الإسلام ، هذه المؤلفات اغلبها إن لم تكن كلها من القرن التاسع، وربما كانت مؤلفات قبل ذلك ولم تصل إلينا أو لم تبحث

{ש.סטרומזה :אינטלקטואלים יהודים מומרים בימי הביניים המוקדמים תחת שלטון אסלאם,פעמים,תש”ן עמ75-61 }.

وصلت إلينا ثلاث مؤلفات من القرن التاسع إما كاملة أو قسما كبيرا منها، هذه المؤلفات هي

اولا– حجج النبوة-عمرو بن بحر الجاحظ، رسائل الجاحظ جمع حسن الصندوبي-القاهرة1933

ثانيا- كتاب الدين والدولة-علي بن ربن الطبري-1923، وهو اعتنق الإسلام واقتبس بالعربية العديد من إصحاحات الكتاب المقدس وعلى ما يبدو من السريانية بالنص النسطوري أو السرياني الشرقي

ثالثا- دلائل النبوة –عبد اللـه بن قتيبة الدينوري القاهرة 1944

انضم في القرن العاشر مؤلفون كتبوا بمواضيع أخرى عدا عن “الدلائل، أعلام النبوة” مثل الجغرافية والتاريخ الجغرافي، تأويل القرآن وكتب الملل والنحل وهذا الأسلوب الأدبي –شؤون الديانات الأخرى والفِرق الإسلامية هو نمط أدبي مهم في الأدب الإسلامي بالعصور الوسطى، وفي هذه المؤلفات نجد إصحاحات من الكتاب المقدس وتفاسير ترمز إلى النبي صلعم وظهور الإسلام والجدير ذكره والتنويه إليه إن هذا النمط التفسيري كان معروفًا عند البعض من المؤرخين اليهود والمسيحيين على حدّ سواء وحتى في أوروبا.{الكركساني –كتاب الأنوار والمراقب نيويورك 1943 -1939 296 :3 و ב.ז.קדר מסעי הצלב 1948 עמ 85 .}

نظرة المؤرخين المسلمين هذه لم تكن غريبة للمسيحيين وذلك لسببين

اولا-استخدموا ذات النصّ التأويلي المسيحي لإصحاحات التوراة

ثانيا- استخدموا ذات الإصحاحات التي استخدمها المسيحيون بتفسيرها كنبؤات عن السيد المسيح وهم قاموا بتبديلها كأنها ترمز للنبي صلعم، وأحيانا رأوا في ذات الإصحاح كرمز للسيّد المسيح والنبي صلعم.{السموأل المغربي-إفحام اليهود 1964 ص 24-27 }

إصحاحات الكتاب المقدس المقتبسة هي بترجمات عربية مختلفة، وأحيانا بنقل مخطوء من الأصل العبري وهذا الاقتباس نقرأه عند الأغلبية الساحقة للكتاب مثل البيروني، ابن ظفر والمقدسي، سموال المغربي ، القرافي ، ابن قيّم الجوزية، ابن خلدون وأبو الفداء

يستشف من قراءة النصوص إن أغلبية الكتاب المسلمين نسخوا عن بعضهم البعض ناسخين ذات الإصحاحات تماما إلا انه ليس من اليسير تحديد مصدرو احد للترجمة أو تفسير مشترك لجميع المؤلفين إلا أن القلّة القليلة من الكتاب يقتبسون ترجمات مختلفة لذات الإصحاح أو ذاكرين المصدر العبري أو السرياني لنص مثل علي بن ربن الطبري

المؤلفون المسلمون يعلمون قصة الترجمة السبعينية ويذكرون ترجمة قبطية للتوراة {أبو حامد محمد بن الغزالي:الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل، 1939 ص 47 }

نصيب الأسد في هذا النمط الأدبي للمسيحيين واليهود الذين اعتنقوا الإسلام وان اقتباساتهم طورا مصداقية وأحيانا عاطفية مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهم حيث اقتبس المؤلفون المسلمون الكثير من كتاباتهم مضيفين تفسيرات واقتباسات غريبة. {سعيد بن حسن الاسكندراني: مسالك النظر في نبوّة سيد البشر 1923 ص 322-359 }

الأسفار المقتبسة في الأدب العربي وبشكل نمطي هي:سفر التكوين، اشعياء { الذي تنبأ بشكل واضح عن مجيء السيد المسيح} وسفر المزامير إلا أن عدد الإصحاحات محدود ومتكرر مرات عديدة. {محمد بن جرير الطبري: تاريخ الرسل والملوك ، ليدن 1964 638 :2 }

الصحراء وأقوال اشعياء

فهم المفسرون المسلمون بشكل عام إصحاحات التوراة التي تذكر “الصحراء” على أنها ترمز للحجاز ومكّة وخصوصًا عند اقتران هذا بأسماء عربية مثل: هاجر وإسماعيل {سفر تك } أو مدين وقيدار {سفر اشعياء}

{ש.קמין:פירוש רש”י על שיר השירים והויכוח יהודי נוצרי .שנתון למקרא ולחקר המזרח הקדום ז-ח תשמ”ז-תשמ”ד עמ 218-248 }

إلا أن هذه الأسماء تستخدم في الأدب اليهودي-في العصور الوسطى وأدب المدراش كدلالة للعرب والإسلام لذا سهل الأمر وسهّلت هذه النصوص فهْم المؤرخين المسلمين على أنها تدل على ظهور الإسلام والبعثة وعلي بن ربن الطبري كان على ما يبدو الأول الذي دعم هذا التفسير في أعقاب التفاسير الخلاصية ، فمثلا نصّ اشعياء 3-5 :40 يفسّر بن ربن الطبري أن المقصود هي الأمة العربية ودجلة الطريق المستقيم .{علي بن ربن الطبري وكتاب الدين والدولة، اشعياء فصل 19 ص 85} ذاكرًا أن هذا مقتبس من اشعياء وبشكل مشابه يفسر اشعياء 11-13 :42 ص 79 يذكر أن النصّ هو مزمور 152 المنسوب إلى اشعياء ويترجم : “بحمد الربّ”، ل ، לה כבוד”، ذاكرًا أن المقصود هو النبي صلعم وليس الـله حيث “الرب ” يمكن أن تفسر “الإنسان”و “רבון “، “صاحب الملك

يقتبس الجاحظ ذات النصوص من سفر اشعياء 42 بينما الماوردي {أعلام النبوّة} ناسبا نفس الإصحاحات لاشعياء 20 وعلى حد قوله أن هذا ذُكر في سفر المزامير 153 مدّعيا أن ارض قيدار هي ارض العرب. {عمرو بن بحر الجاحظ : الرد على النصارى 1927 ص 27 ، علي بن محمد الماوردي : أعلام النبوة القاهرة 1935 ص 103-104 }

عدد من المفسرين يضيفون للتفسير الحرفي “للصحراء”، تفسير رمزي إضافة لتفسير اشعياء ذاته، هكذا يُظهِر ظهور الإسلام كالمياه المنفجرة من الصحراء، اشعياء 1 :35 كالنور البازغ في الظلمة، ابن ظفر يقتبس مطولا من اشعياء 1-7 :60 إلا انه غير دقيق باقتباسه مفسرا أن هذه الإصحاحات تدل على مكة المكرمة والظلمة التي سادت قبل ظهور النبي صلعم هي ظُلمة أهل الشرك. {محمد بن محمد بن ظفر الصقلي : خير البشر بخير البشر، القاهرة 1863 ص 16 ، عبد الرحمن ابن الجوزي : الوفاء بأحوال المصطفى ، القاهرة 1966 تحقيق مصطفى عبد الواحد ص 70-71 ومحمد بن عمر فخر الرازي : مفاتيح الغيب والقاهرة 1308 ه و321 :1 }

يفسر نص اشعياء 54 بتفاسير رمزية تشبيهيه وحيث يُشبّه ما ورد في النص ظهور النبي صلعم، بيت المقدس ومكة المكرمة، يقتبس ابن قتيبة نهاية الإصحاح الأول: “כי רבים בני שוממה מבני בעולה” ويفسر أهله هم سكان بيت المقدس من بني إسرائيل والمقصود هنا أهل مكة ومن يحج إليها أكثر من بيت المقدس وابن الجوزي حذا حذو ابن قتيبة وابن ظفر والقرافي مضيفًا أن إيمان المسيحيين أساسه بالخطأ الفاحش وعدد المؤمنين اليهود الذين يؤمنون بالتوراة ضئيل جدا {عبد الرحمن ابن الجوزي :الوفاء بأحوال المصطفى تحقيق مصطفى عبد الحق ، القاهرة 1066 ص 69-70 محمد بن محمد بن ظفر الصقلي: خير البشر بخير البشر والقاهرة 1963 ص 20، احمد بن إدريس شهاب الدين القرافي: الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة وتحقيق بكر زكي عوض والقاهرة 1987 وبشارة 34 }. وعلى نفس المنوال تم تفسير مثل الكرمة في سفر حزقيال 10-14 :19 وكان الرمز مكة المكرمة وخصوصا إصحاح 13 :”ועתה שתילה במדבר בארץ צייה וצמא”. وعلى ما يبدو جهل المفسرون المسلمون مثل الكرمة في سفر اشعياء فصل 5 ومع هذا يستخدمون أمثال الكرمة في العهد الجديد. {מ.גרינברג:תפיסות יהודיות של הגורם האנושי הנבואה המקראית، ספר היובל לרב מרדכי ברויאר، י، ם תשנ”ב עמ 63-76 }

يفسر ابن قتيبة باختصار مقارنة مع علي بن ربن الطبري الدين والدولة ص 110-109 ْلنص حزقيال 13 :19 بينما الماوردي مضيفًا قائلا أن اليهود سيموتون عندما يظهرون في الصحراء وابن ظفر الذي يفسر ذات المثل {الكرمة} في سفر حزقيال قائلا انه ما من شك أن الصحراء المهجورة هي بلاد العرب والزرع هو النبي صلعم وبذلك أباد اليهود. {ابن الجوزي، الوفاء ص 71 وأعلام النبوة للمواردي ص 105 وابن ظفر خير البشر ص 18 وانظر شمس الدين محمد بن أبي بكر الدمشقي ابن قيم الجوزية: هداية الحيارى في الرد على اليهود والنصارى بيروت 1944 ص 122 }

الجيش المحارب

أوصاف نبوية، مثل ما ورد في سفري اشعياء وارمياء حول جند الـله الأقوياء الذين اتو كي يعاقبوا بني إسرائيل ، يستخدمها المفسرون المسلمين على أنها جند الإسلام الذين سيغزون المعمورة. يقتبس علي بن ربن الطبري من سفر اشعياء 26-30 :5 وهو يذكر الفصل الثالث ويضيف هذا كلام الـله وهؤلاء أولاد إسماعيل وأمة النبي صلعم سيوفهم مستلة وحرابهم مسننة وحذوة خيولهم كالصخر وزئيرهم كزئير اللبؤة كذلك الأمر بالنسبة لارمياء 15-17 :5 حين يقول أبو الفضل السعودي لأبي صالح الجعفري إن هذه الإصحاحات : ” הנני מביא עליכם גוי ממרחק בית ישראל “، والقصد هنا هو انتصار العرب على المسيحيين واليهود حيث عزّز اللـه الموحدين العرب في حربهم ضدّ الكفار والذين يعبدون العجول والآلهة مع عبادتهم لـله. { أبو الفضل السعودي: المنتخب الجليل في تخجيل من حرف الإنجيل ، القاهرة 1322 ه ص 145 بشرى 25 وعلي بن ربن الطبري كالدين والدولة ص 80 }

مزمور 149 ومن أحب المزامير والنصوص لدى المؤلفين المسلمين، بحيث يقترح علي بن ربن الطبري وابن ربن الطبري وابن قتيبة ترجمتين شبه دقيقتين ، إلا أنهما مختلفتين تماما مضيفا ابن قتيبة أي امة عدا العربية تملك سيفًا “ذوات شفرتين”، بينما الطبري يضيف هداكم اللـه الصراط المستقيم إن له سيفًا “ذات شفرتين”، {علي بن ربن الطبري كتاب الدين والدولة ص 78 واصحاحت 9-4 والمواردي أعلام النبوة ص 108 وابن ظفر خير البشر ص 22-21 والقرافي الأجوبة الفاخرة وبشارة 19 وتقي الدين احمد بن عبد الحليم بن تيمية كالجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح 296 :2 }. استعان ابن قيم الجوزية بآيات قرآنية وأحاديث بهدف إثبات أن المقصود من نص المزمور هم المسلمون الذين يسبحون اللـه دون انقطاع منادين بحناجرهم للصلاة خمس مرات في اليوم مكررين التكبير كل يوم، فقط هم المسلمون الذين يهللون اللـه ويذكرون اللـه بوقوفهم وجلوسهم كما ورد في السورة 191 :3 وهم الذين يستخدمون السيوف ذوات الشفرتين والمسماة “السيوف العربية “، ويضيف أن المسيحيين يذمّون هؤلاء الذين يطاردون الكفار كما يفعل المسلمون إلا أنهم يجب أن يتذكروا أن موسى ويهوشع وداود وسليمان أنبياء آخرين يحاربون عديمي الإيمان {شمس الدين محمد بن أبي بكر الدمشقي ابن قيم الجوزية: هداية الحيارى في الرد على اليهود والنصارى ، بيروت 1944 ص 101-102 }

تفسير رمزي فريد لنص التكوين 9-10 :15 ، يربط الفتوحات الإسلامية في أرجاء المعمورة، من بين هؤلاء كسعيد بن حسن يهودي اعتنق الإسلام يقص في مؤلفه “مسالك النظر”، أن حكماء بني إسرائيل يفسرون هذه الإصحاحات المقتبسة من “صحف إبراهيم” على أنها دليل الشعوب قبل إبراهيم وانقرضت بِيد أن الباقي المتبقي يرمز إلى إسماعيل ونسله {سعيد بن حسن الاسكندراني كمسالك النظر في نبوة سيد البشر،192،  ص 322-359 }

إن التفسير الرمزي واتّباع الرموز في التفسير ليس لهما حدّ، حتى وصل الأمر بابن الجوزي أن يربط نص اشعياء 15 :41 وكان المقصود “غزوة بدر وكذلك بالإصحاحات الأخرى، المقصود “غزوة حنين”وانتصارات أخرى للنبي صلعم. { عبد الرحمن ابن الجوزي، الوفاء بأحوال المصطفى ، القاهرة 1966 ص 72 ، تقي الدين احمد بن عبد الحليم بن تيمية : الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح القاهرة 1944 6-5 :4 }

فهم بعض المفسرين المسلمين نص تك 12 :16 : ” והוא יהיה פרא אדם ידו בכל ויד כל בו” على أن هذه تحيات لإسماعيل والنبي صلعم وفتوحات الإسلام { عبد الرحمن بن الجوزي الوفاء ص 61-62 ، علي بن ربن الطبري-كتاب الدين والدولة ص72-67 ، محمد بن عمر فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب القاهرة 1308 ه ، 319 :1 } وابن قيم الجوزية مضيفا أن اليهود يعترفون بهذا التفسير إلا أنهم ينكرون وجوده في التوراة كما ينكرون النبؤات التوراتية عن مجيء النبي صلعم

الصلاة والحج

اصطلاحات وتعابير مثل تسبيح، تهليل وتكبير، آذان وحمد وغير ذلك يستخدمها الكتاب وكأنها دلالة على مجيء الإسلام وحتى الأصل العبري צ.ו.ח اش 42:11 “ירנו ישבי סלע מראש הרים יצווחו ” يقتبس سعيد بن حسن {في نهاية القرن الثالث عشر مسالك النظر ص 33} ومن الجدير ذكره أن الشاعر موسى بن عزرا –משה בן עזרא –المتوفى سنة 1139 يفسّر اش 11 :42 وكان المقصود العرب “واشتهارهم بالقول وقدرتهم عليه”{משה אבן עזרא כתאב אלמחאצרה ואלמדאכרה ,ספר העיונים והדיונים על השירה הערבית ,ההדיר ותרגם א”ש הלקין י”ם תשל”ח עמ 38-39 }

قضية اللغة العربية أيضا ذكرت بتفاسير المؤرخين المسلمين وعلى الأخص إصحاحات صفانيا 8-10 :3 “כי אז אהפוך אל עמים שפה ברורה” وعلى سبيل المثال وعلي بن ربن الطبري يفسر أن اللغة المختارة هي اللغة العربية الفصيحة التي لا لغو فيها وهي لغة الخليقة حيث نزل القرآن الكريم بهذه اللغة وذاكرا اللغة العبرية كلغة الأنبياء أو السريانية واليونانية والفارسية. {علي بن ربن الطبري ، كتاب الدين والدولة ص 105 } . بينما الماوردي يفسر هذا الإصحاح على أن العربية انتشرت في أنحاء المعمورة وسيطرت على لغات أخرى حتى أصبحت باقي اللغات نادرة الوجود. {الماوردي-أعلام النبوة ص 106 }

يذكر ابن قتيبة أن نص اش 26 :5 “ונשא נס לגויים מרחוק ושרק לו מקצה הארץ….”. على أن هذا النص يتعلق “بالحج” عند المسلمين بينما علي بن ربن الطبري يفسر عبارة “נס”الأعجوبة ، على أن المقصود “النبي صلعم”و “שריקה”ما هي إلا النداء”الحج لمكة المكرمة”مستندا بذلك على نص القرآن 27 :22 {ابن الجوزي ، الوفاء ص 68-69,ابن قيم الجوزية هداية الحيارى ص 107 وابن تيمية ، الجواب الصحيح 309-303 :3 } بينما ابن ظفر {خير البشر ص 21 } لا يقارن بين النص التوراتي والقرآن ولكن يدعي أن أقوال اشعياء النبي ما هي إلا ذكر لمكة المكرمة والحج، حيث بيت المقدس {القدس} كان مكان للحج إضافة إلى أن اشعياء يذكر مرارا الصحراء وينبئ بمجيء النبي صلعم من قريش. وذات الصيغة التفسيرية لاشعياء 16 :28 “אבן בחן ” ، على أن المقصود “الحجر الأسود” وابن قتيبة يضيف مفسرا لاسم “ציון”، “صهيون”{وهي بيت الـله}، {ابن الجوزي الوفاء ص 69 ، ابن ظفر خير البشر ص 19 ورأت الكنيسة الأولى أنها صهيون ، غلاطية 25-24 :4 }. ومبدلا نهاية الإصحاح كان النص : ” אבן בפינה יקרה “. “زاوية مكرمة”، وأبو البقاء صالح بن الحسين الجعفري : الرد على النصارى ، تحقيق محمد حسنين ، القاهرة 1988 ص 120 ، والجعفري يحذو حذو علي بن الطبري الذي ينسب أقوال ميخا 1-2 :4 :”והיה באחרית הימים יהיה בית ה בנוי בראש ההרים ובצמרת ראשי הגבעות ונהרו אליו כל העמים ובאו אליו עמים רבים ואמרו לכו נעלו אל הר ה “. وان المقصود “مكة المكرمة” وليس القدس ويضيف أبو البقاء الجعفري أن ميخا يذكر في الإصحاحات “الكعبة والحج إليها”{ علي بن ربن الطبري ، كتاب الدين والدولة 109-108 ، وأبو البقاء الجعفري، الرد على النصارى ص 120 } أما ابن قيم الجوزية مفسرا اشعيا 16-17 :28 وحصرا عبارة ” משקלת” أنها “شاقول”والعبارة ” פינה יקרה” ما هي إلا تعبير إسلامي واضح، الذي يدل على “زاوية الكعبة، ركن الكعبة “وان “ציון” حسب أهل الكتاب ما هي إلا مكة والحجر الأسود أعطاه الـله للنبي صلعم فقط. {ابن قيم الجوزية ، هداية الحيارى ص 106-107 }

فسّر المؤرخون المسلمون نص اشعيا 11-12 :54 وخصوصا”ספירים כדכד “، يقتبس كل من ابن قتيبة وابن ظفر رابطين ذلك مع اشعيا 2 :62 “שם חדוש” يكون ” المسجد الحرام”، بدلا من “الكعبة”{ ابن الجوزي-الوفاء ص 70 وابن ظفر خير البشر ص 14 }

يقتبس القرافي على ما يبدو ترجمة أخرى لهذه الإصحاحات رابطا إياها بتجديد بنا ء الكعبة على أيدي الخليفة العباسي المهدي وآخرون {القرافي ، الأجوبة الفاخرة وبشارة 27 }

ووصل الأمر عند الكتاب المسلمين بفهم نصوص رؤية نبوية خلاصية وكأن الحديث عن “الحرم الشريف” فمثلا ابن قتيبة يفهم أن نص اشعيا 25 :65 واصفا تصرف وسلوك الحيوانات المسالم على أنهم في مكان مقدس ، وبعد خروجهم من المكان يعودون إلى طبيعتهم المفترسة {ابن الجوزي ، الوفاء بأحوال المصطفى ص 70 } بينما ابن قيم الجوزية يربط هذا الإصحاح مع صفة مكة بحسب القرآن الكريم “البلد الأمين” سورة 3 :95 وآيات أخرى 57 :28 حيث مكة “الحرم الأمين ” {ابن قيم الجوزية وهداية الحيارى ص 106 }

فصل 60 من سفر اشعياء من أحب الإصحاحات على قلوب الكتبة المسلمين ويفسرون الإصحاح كرمز ودلالة لمكة، الحج، سدنة الكعبة والهدايا المقدمة للحرم وهذا بسبب ذكر قيدار ومدين ، نبوت وغيرها من الأسماء {ابن الجوزي والوفاء بأحوال المصطفى ص 70 وابن ظفر وخير البشر ص 15-16 } أما ابن قتيبة مضيفا بترجمته لإصحاح 11 أن المقصود مكة القِبلة ومن ثم تسمى “مدينة الرب” وذلك متأثرا بنهاية الإصحاح 14 “וקראו לך עיר ה

الإصحاحات المسيحية

احتار المؤرخون المسلمون بتفسير الإصحاحات ذات الطابع المسيحي أو نبؤات حول السيد المسيح وذلك لان الخلاص ذات أهمية في الديانتين المسيحية واليهودية وليس ذات أهمية في نظر المؤرخين المسلمين

مثال دامغ لهذه التفاسير سفر التكوين 10 :49 :” לא יסור שבט מיהודה “احتل الإصحاح مكانة مرموقة في أدب الحوار اليهودي – المسيحي وفي حقبة زمنية متأخرة في الحوار الإسلامي بأسلوب مختلف، على حد معرفتنا يبدو أن ابن حزم المتوفى سنة 1064 م أول من اقتبس هذا الإصحاح ولربما بهذا دليل لاستخدام ابن حزم لمصادر مسيحية هرطوقية يفهم {ابن حزم } الإصحاح كنبؤة تاريخية لم تتحقق بعد وهذا على ما يظهر بتأثير الحوار المسيحي اليهودي قائلا: “إن هذا الإصحاح لافتراء هو والمرسل المنتظر لم يصل بعد ومملكة يهوذا انتهت على يد نبوخذنصر {بختنصر} قبل أكثر من ألف وخمس مئة عام عدا عن فترة قصيرة تحت حكم زربائيل بن شتلتياتل {זרובבל בן שאלתיאל} ورويت هذا الإصحاح لأحد المثقفين ورجال الحوار هو شموئيل بن يوسف اللاوي الأديب المشهور والمعروف كابن النغرال {على ما يبدو ينوي شموئيل هنا جيد والذي كتب ابن حزم مؤلفه : الرد على ابن النغريلة} سنة 404 للهجرة { 1013 م} وقال لي أن رؤوس الجوالية بقوا من سلالة داود وبني يهودا ولهم الملك والسلطة إلى أيامنا هذه {من اللافت للنظر أن هذه القضية وردت في التلمود ، סנהדרין ה-ע”א}{علي بن ابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل 1321 ه ص 152-153 }

السموال المغربي يهودي اعتنق الإسلام وتوفي في العام 1175م لم يحذ حذو ابن حزم بالترجمة أو بالتفسير إلا انه يؤيد تفسيرا ذا طابع مسيحي خلاصي بارز لهذه الإصحاحات ويقول: “الم نروِ لهم ، الم يكتب في التوراة التي بين أيديكم” “לא יסור שבט מיהודה ומחקק מבין רגליו” الذي معناه، أن الملكوت لم تنته في بيت يهودا حتى مجيء المسيح وهم لا يستطيعون إنكار ذلك، ونحن نجيبهم الم تكونوا ذوي سلطة وملك حتى مجيء المسيح {السموال المغربي، إفحام اليهود 1964 ص 23 } بهذا يعبّر السموال عن المؤرخين المسلمين والذي أساسه في القرآن الكريم أن اليهود رفضوا ولم يقبلوا مجيء ، رسالة السيد المسيح كما رفضوا من بعده النبي صلعم

فهم كتاب مسلمون في فترة متأخرة هذا الإصحاح على انه رمز للنبي صلعم، والقرافي الذي يقتبس ترجمة وعلى ما يبدو مستند على تفسير يهودي مسيحي “עד כי יבוא האחד אשר הכול הם שלו، قائلا انه لم يرسل احد إلى الخليقة كلها عدا النبي صلعم {القرافي، الأجوبة الفاخرة وبشارة -2 } تفسير السموال المغربي لبعض من أسفار أش 9-6 :11 ” וגר זאב עם כבש” يدعى أن اليهود يفهمون النص بالمعنى الحرفي وليس بالمعاني العقلية ولم يؤمنوا بالمسيح وهم يؤمنون أن عند مجيء المسيح المنتظر سوف يجمعهم في القدس وسيحكمون العالم {السموال المغربي وإفحام اليهود ص 41-42 ، وجدير قراءة شرح רמב”ם משנה תורה، הלכות מלכים יב-א الذي يرى سكنى شعب إسرائيل بسكينة بين الأمم في المستقبل} ونص أش 6 :21 يفسر كأن المقصود النبي صلعم ، ابن قتيبة وعلي بن ربن الطبري يترجمان الإصحاح بأسلوب مختلف إلا أن التفسير قريب جدا ويقتبس ابن قتيبة بشكل مقتضب ذاكرا أن أش يذكر صاحب حمارا وجملا ويضيف نحن والمسيحيون نفهم أن صاحب الحمار هو المسيح وإذا يكون راكب هو النبي صلعم {أبو ريحان البيروني الآثار الباقية عن القرون الخالية 1878 ص 19 ، احمد بن علي القلقشندى ، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء والقاهرة 1918ص 266، عبد الرحمن ابن الجوزي الوفاء بأحوال المصطفى تحقيق مصطفى الواحد القاهرة 1966 ص 66-67 ، رسالة أبي ربيع محمد بن الليث التي كتبها للرشيد إلى قسطنطين ملك الروم، رسائل العرب تحقيق احمد زكي صفوت القاهرة 1937 ص 309 ، 252-423 الرسالة} أما عن الاسم “محمد” ومشتقاته وتفسير المؤرخين المسلمين وحساب الأحرف يمكن أن نوجز المصادر لمن راغب بازدياد : سعيد بن حسن الاسكندراني مسالك النظر في نبوة سيد البشر 1923 ص 322 -359 ، علي بن ربن الطبري كتاب الدين والدولة ص 85-67 ، الماوردي أعلام النبوة ص 102 -103 ، القرافي الأجوبة الفاخرة بشارة 31، ابن قيم الجوزية ، هداية الحيارى ص 106-114 ، البيروني ، الآثار الباقية ص 19 بن طاهر المقدسي كتاب البدء والتاريخ 1916 ص 30-31 وغير ذلك من المصادر