يوحنا بن زكريا المعمدان أو الصابغ أو السابق

عن كتابنا : “عظّات أناجيل الآحاد والأعيّاد، الجزء الأول ، ط 2008 “

للدكتور انطوان يعقوب

ألقابه

لُقِبَ يوحنا بن زكريا والليصابات ، بعدد من الألقاب ، إشتهرَ بها في الـمسيحيّة ، فقد عُرِفَ بأنه

الـمعمدان: لأنه كان يُعّمد اليهود بـمعمودية التوبة ، ولأنه عمّدَ السيّد الـمسيح في نهر الأردن

الصابغ: لأنه كان يُعّمد بالتغطيس ، فكما أن الصابغ يضع الخيوط ويُغّطسها بالصبغة حتى تصطّبغ كلّها بلون واحد ، هكذا كان يوحنا يُعّمد أتباعه بالتغطيس

السابق: لأنه سبقَ السيّد الـمسيح جسديًا بدعوة الناس إلى التوبة لإقتراب ملكوت السماء ، وكان هو الشمعة التي ذابت لتُعلن ولتُمهد لظهور رسالة الـمسيح الخلاصية

نشأته

روى القديس لوقا في بشارته عن حياة نبيّ البرية يوحنا الصابغ ، مُتّخذاً العذراء مريم أهم مصادره التي أخذَ عنها معلوماته عن يوحنا باعتبارها إبن خالة الليصابات والدته – كان لحنّة بنت الكاهن متّان ، والدة العذراء مريم أُختان هُما: مريم التي أنجبت سالومي التي تزوجت من زبدى وأنجبت له يعقوب ويوحنا ، وصوفيا التي أنجبت الليصابات وتزوجت من زكريا وأصبح لهما بقدرة الـله ولداً رغم عقرها وأسموه يوحنا حسب بشارة ملاك الرب، بل ومُعظم معلومات بشارته، بالإضافة إلى البشائر الأُخرى التي توّفرت له وقتذاك

يوحنا هو إبن الكاهن زكريا ، ومعنى إسمه من يذكره الـله ، من زوجته الليصابات ، ومعنى إسمها قسّم اللـه

كان زكريا وزوجته يسكنان في الـمنطقة الـمُمتدة من سيناء إلى حدود فلسطين الجنوبية ، وهي أرض قاحلة في جُملّتها، شديدة الحرارة ، حتى لا يسكنها الآن إلاَّ العرب الرُحل ، في قرية تُدعى الآن جته

كان زكريا كاهناً من فرقة آبيا، – يقول الـمُؤرخ اليهودي يوسيفيوس بأنه كان هناك عشرون ألف كاهن في اليهودية وقتئذ ، وكانت أخلاق أغلبهم قد تدنّت بسبب فساد طبيعة جيلهم، وكان فلّة قليلة منهم متعمقين روحانيًا ، ومنهم من دخل الـمسيحية بعد ذلك (أع6: 7) وكان من بينهم زكريا – وكان عليه أن يُسافر إلى أورشليم مرتين في السنة للقيام بوظيفته مدة اسبوع من ستة أيام وسبتين، وكان زكريا وزوجته من بيت هرون كلاهما بارين أمام اللـه، فكانت حياتهما وتصرفاتهما اليومية تتمشى مع وصايا الناموس الأدبي ، وطقوس الناموس الطقسي

ورغم ذلك فقد عاشا في حزن شديد ، إذ لم يُرزقا بولد ،لأن الليصابات كانت عاقراً ، فانتظرا طويلاً لكنهما قطعا الأمل بسبب تقدمهما في العُمر واستحال عليها الإنجاب، فكان زكريا حزينًا لأن أسرته ستتلاشى لأنه ليس له من يحمل إسمه من بعده ويُواصل الطريق ويُثمر ، واعتبرا نفسيهما ، بسبب عدم إنجابهما ، تحت غضب الـله ، واعتبرت الليصابات أنه قد التصقَ بها عار العقر ، وقد عبرت عن فرحتها بعد أن حققَ لها الرب طلبها، فصرخت قائلة” هكذا قد فعلَ بيّ الرب في الأيام التي فيها نظر إليّ لينزع عاري بين الناس”(لو1: 25).

ظهور الـملاك جبرائل لزكريا في الـهيكل

بينما كان زكريا في طريقه إلى الـهيكل ليقوم بـمهامه الكهنوتية، وما أن وصل حتى دخل الـهيكل ، ولم يكن مسموحاً لأحد الدخول اليه إلاَّ الكهنة في ثيابهم الـمُقدسة، وكان عليه تقديم البخور صباحاً ومساءًا، كانت خدمة تقديم البخور خدمة مُكرمة حتى كانت تُعين بالقرعة ، ولم يكن يُسمّح لأحد القيام بها مرتين في حياته ، فكان على الكاهن الخادم أن يقوم بالتبخير على مذبح البخور أمام الحجاب ، بينما الشعب يقف خارجاً يُصلي. في الـمساء تصاعدَ دخان بخور الذبيحة، وبدأ الـمُصّلون يخرجون ليُقّدموا صلّواتهم في سكون وصمت، وكانت هذه هي الـمرة الأُولى والأخيرة للكاهن زكريا لكي يُقّدم بخور الذبيحة الـمسائية ، فيستجيب اللـه لصلاته ولصلوات الشعب معه

وبينما كان زكريا يُبّخر التمذبح، ظهرَ له ملاك الرب جبرائيل ووقف على يـمين الـمذبح ، وقال له لاتخف فإن طلبتك قد سُمِعت وأن زوجتك الليصابات ستلد لك إبنًا وستسميه يوحنا ، وأنه سيكون نذيراً منذ ولادته ، وسيمتلىء من الروح القدس من بطن أمه ، ويرث روح إيليّا وقوّته ، ويتقّدّم أمام الـمسيح ليعد له الطريق.
فارتبك زكريا وتلّعثم وشكّ في كلام الـملاك الـمُبّشِر ، بل ولم يُصدِّق البشارة ، لذلك وقفَ حائراً في الـهيكل يُفكر فيما سمعه ، فتأخرَ عن موعد خروجه ليمنح الشعب البركة ، وأخذَ الـمُصلون يتساءلون عن سبب تأخره ، وأخيراً وبعد برهة من الزمن ، خرج لهم زكريا ، ونور وجهه يشع لـمعاناً ، ولكنه كان عاجزاً عن تحيتهم الإعتيادية، لأن شفتاه أُمسِكت عن الكلام والحركة ، فأشار بيده لـمنحهم البركة الـمُعتادة ، وبقى زكريا صامتًا ليتعلّم ويفهم مقاصد اللـه ، لقد رُبِطَ لسانه حتى لا ينشُر الخبر قبل حدوثه بين الناس، ولما إنتهت أيام خدمته أسرعَ عائداً إلى بيته

وصلَ زكريا إلى بيته فأمسكَ بلوح وكتبَ عليه خبر بشارة الـملاك ، فآمنت الليصابات بالبشارة وانتظّرت تحقيقها، وظلّت في بيتها طوال خمسة شهور، تُصلّي وتشكر اللـه ، لأنه استجاب لطلبهما ، وكانت واثقة من وعد الله حتى قبل أن تظهر عليها أعراض الحمل

توالت الشهور وزكريا ينتظر فك ربط لسانه ، بعد أن عيّروه الأقارب بأن الـله ربطَ لسانه، لأنه أغضب اللـه في عملٍ من أعماله وقالوا له أن عدم الإيـمان يُغلق على الـمرء فلا يتمتع بـمباهج الحياة

على أية حال ، خلال الشهور التالية تأكدت الليصابات من حبلها ، فأبلغت أقاربها وأهلها ، حتى جاءت اليها العذراء مريم وكانت حبلى بالطفل الإلهي يسوع لتُهنىء إبنة خالتها الليصابات التي رحبّت بها وقالت لـها ” من أين لي أن تأتي أُم ربيّ إليّ ” وعلى الفور تحرك الجنين في بطنها ، ومن هُنا يعتقد بعض اللاهوتيين أن يوحنا ُعمدَ وهو في بطن أمه ، أثناء زيارة العذراء لـها

وعادت العذراء إلى الناصرة، ولا نسمع بعد ذلك أي شيء عن يوحنا حتى ظهرَ على نهر الأردن

ثُمَّ مالبثت أن ولدّت الليصابات طفلـها رغم تقدمها في السن ورغم عقرها ، فبادرت لتأدية الفرائض الطقسية اليهودية ، وجاءَ الأصحاب والأقارب لتهنئة زكريا والليصابات بـمولدهما الأول، رغم تقدم عمرهما

حملّت الليصابات رضيعها على ذراعيّها وأسمته يوحنا، هبة الـله ، أو الـله تحنن، فعارضها بعض الأقارب وطلبوا من زكريا ليقول كلمته ، فكتبَ زكريا بيده على اللوح إسم الـمولود يوحنا ، وعندئذ إنفكَ عنه الرباط وبدأ يتكلّم وبارك الـله، وأخذَ الناس يتناقلون الخبر في كل اليهودية (لو1: 64-66).

التأثيرات التي أثرّت في حياةِ يوحنا

تأثرَ يوحنا منذ طفولته بـمُؤثرات كثيرة ، أهمها البيئة الخشنة التي ترعرعَ فيها فأظهرته قويًا جريئاً ، والبيئة الـبيتية والإجتماعية والدينية التي نشأ فيها بفضل والدّيه. فقد كان والده زكريا كاهناً وكان بُحكم مهامه الدينية يتغيّب عن بيته وأُسرته كثيراً ، ولكنه كان يجلس مع إبنه يتحدّث معه ويُخبره عما رأه في الـمدينة ، وعن مهامه الهيكلّية ، وعن الـمشاكل التي كانت قائمة في الـمُجتمع ، كما اصطحبه معه لزيارة الـمدينة ومعبدها وأراه الـهيكل ، فرأى فخامة الـملابس الكهنوتية والطقوس اللاوية ، كما تعلّم على والده الكتب الـمُقدسة حتى حفظها في طفولته . فمؤثرات البيت الأبوي، ومركز والده الكهنوتي ، وحفظه للكتاب المُقدس ، وحياته التي اختلّفت كثيراً عن حياة أولاد ضيعته وعُمره ، بإعتبار أنه كان نذيراً للـه ، أبعدته عن حياة الطفولة ، بل وحرّمته من خبرة مرحلة النضوج والـمُراهقة العادية ، كل هذا أثرَ في شخصية يوحنا، ومع ذلك كلّه كان يتقّدم في الحكمة والنمو والتقوى ، فأطلقَ شعره ولـحيته لأنه كان نذيراً للـه

يعتقد مُعظم شُراح الكتاب أن زكريا والليصابات كانا قد توفيا ، وكان يوحنا مازال صبيًا صغيراً، فتركَ والدّيه وانطلّقَ إلى البراري وعاشَ سنين حياته قبل ظهوره لإسرائيل ، في البراري ، فجاز في وسط برية اليهودية الـمُخيفة التي لا يسكنها سوى الحيوانات البرية، وهي في مُعظمها صحراء رملية قاحلّة ، تكتسحها الرياح الشديدة، فعاشَ فيها وحيداً ، يأكل من الجراد والعسل البري ، وبلبس قميص من وبر الإبل ويضع منطقة من جلد على حقوّيه، وسكنَ في مغارة أو كهف مُظلم، وكان يشرب من مياه النهر، وكان طوال هذه الفترة قد تقوى وإمتلأ من الروح القدس.

ظهور نبيّ البرية

عاشَ يوحنا 30 سنة في البرية ولم يظهر إلاَّ وهو يُنادي قائلاً : ” توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات”، وكان ذلك في السنة الخامسة عشرة من حكم طيباريوس قيصر، كما كان بيلاطس البنطي واليًا على اليهودية، وهيرودس رئيس ربع على الجليل ، وفي عهد رئيس الكهنة حنان وقيافا. فإنتشرَ خبر دعوته في اليهودية والكورة الـمُحيطة بالأردن، وكان يوحنا قد إستقر في منطقة بالقرب من أريحا على شاطىء نهر الأردن ، فالتفّ كل الـمُتعطشين إلى معرفة كلمة اللـه حول رجل اللـه النحيف الذي بدت عليه خشونة الحياة.

ففي خلال اليوم كان يوحنا يكرز على شاطىء النهر ، وفي الليل كان ينام في كوخ صغير بسيط مُظلم. كانت تعاليم يوحنا بسيطة ولكنها جوهرية ونارية ، فكان يُنادي قائلاً

لقد إقترب ملكوت اللـه . اي أن إقتراب موعد مجيىء المسيح وتقديمه نفسه فداءًا عن خطايا الشعب لخلاصهم أوشك الوقوع

وجوب الإعتراف بالخطايا والتوبة والندم . فتقدم الناس اليه مُعترفين بخطاياهم ونادمين عليها. فغسيل الجسد تُطّهره الـمياه، والإعتراف والتوبة تُنّقي وتُطّهر القلب

وجوب الـمعمودية للتوبة . لذلك تقدموا بعد إعلان توبتهم وندمهم على خطاياهم لنوال المعمودية بالتغطيس لتطهير أجسادهم. فلم تكن معمودية يوحنا للولادة الثانية ، مثل معمودية الـمسيح، إنما كانت معمودية للتوبة فقط ، وكانت من ثمَّ تمهيداً لمعمودية الولادة الثانية التي يمنحها الرب يسوع

إصنعوا أثـماراً تليق بالتوبة . فالمعمودية ليست مُجرد مظاهر وطقوس، بل مبادىء، فالصادق من توبته عليه أن يُقدم أعمالاً تُثمر أثماراً تليق بالتائب الحقيقي

ظهور الـمسيّا الـمُنتظّر يسوع الـمسيح

علمَ يوحنا بواسطة الروح القدس الذي كان يملأه ، بإقتراب موعد ظهور الـمسيّا ، لذلك اعتبرَ أن خدمته وقتية وعابرة ، لأنها كانت تُمّهد الآذان لرسالة الـمسيح الخلاصية ، فكان يتكلّم عن الذي سيأتي بعده (الـمسيح بالجسد ) وكان قبله (الـله)، وهو أعظم منه، لأنه خالق السماء والأرض (أع19: 4)

ومن هُنا عرفَ يوحنا أيضًا أن نهاية خدمته قد إقتربت وأن الـمسيّا سيظهر قريبًا ، لذلك كان عليه أن يتناقص دوره وأن يتلاشى ، بينما يزداد عمل ومكانة الـمسيّا الـمُنتظّر

كان يسوع الـمسيح قد أمضى ثلاثين عاماً يتعلّم ويخضع لوالدّيه فتعلّم مهنة النجارة في محل القدّيس يوسف ، فنشأ وتعلّم في ضيعته الصغيرة في الناصرة

جاءت الساعة التي كان على يسوع أن يسير فيها نحو طريق الجلجلة ، ليفدي البشرية من فعل خطيئتها الأبوية ، فجاءَ إلى نهر الأردن ، في مكان على مقربة من أريحا ، وكان في ساعة مُتأخرة من بعد الظهر ، وطلبَ من يوحنا ، قريبه ، أن يُعّمده (متى3: 13)

إختلّف الرواة حول الـمكان ، فالبعض يقول أنه كان بالقرب من أريحا ، حيث كانت الـمياه قليلة العُمق ، بينما البعض الآخر يقول ، أنه كان بالقرب من الناصرة على الطرف الجنوبي لبحر الجليل

تلعثم يوحنا وانخفضَ صوته الذي كان يُسمّع على مسافات طويلة

قد يخطأ من يقول أنهما ( يوحنا ويسوع) لم يلتقيا أبداً ، وفقاً لـما جاء في بشارة القديس يوحنا “أنا لم أكن أعرفه” (يو1: 31) لأن صلّة القرابة بينهما صلّة قوية ، فالأقرب إلى الـمعقول أنهما التقيّا مراراً خلال طفولتهما أو قبل خروج يوحنا إلى البرية ، لكن قد نقول ونقبل أن يوحنا، لم يكن يعرف أن يسوع قريبه ، إبن الضيعة، هو الـمسيّا الـمُنتظر ، الذي كان يُمّهد له الطريق ، ولهذا حقَّ له أن يقول “أنا لم أكن أعرفه” أي لم أكن أعرف صحة رسالته وإرساليته! ولكنه كان يعرف تـماماً محبة الجميع له لتواضعه ولوفائه لوالدّيه، ولذياع صيته بين تلاميذ مدرسته ، خصوصاً بعد أن إشتكى عليه بعض رفقاء الدراسة ، بأنه كسرَ وصية حفظ السبت وصنعَ من الطين طيوراً ، ونفخَ فيها فحوّلـها إلى طيورٍ حقيقية طارت أمام الجميع في الفضاء (عن إنجيل يعقوب الـمُزّيف)

كما اشتهرَ بـمعرفته بالكتب الـمُقدسة، لـهذا كان يحبه ويحترمه

على أية حال ، عندما إقتربَ يسوع من يوحنا وطلبَ منه أن يُعّمده ، نظرَ حوله فوجدَ الخطاة والعشارون يطلبون معمودية التوبة، أما يسوع فلم يكن في حاجة إلى هذه الـمعمودية أو هذا الإعتراف والتوبة، لأنه كان” قدوسًا وبلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة” (عبر7: 26) ، ولـهذا أجابه قائلاً: ” أنا مُحتاج أن أعتمد منك وأنتَ تأتي إليّ”(متى3: 14)، لكن الرب يسوع قال له، ليقطع عليه هذا الخجل والتردد” إسمح الآن لأن هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر” . فنفذَ يوحنا كلامه وطلبه ، وما أن اعتمد يسوع حتى رأي يوحنا السماء وقد إنفتحت ، وظهرَ الروح القدس على شكل حمامة ، وسمعَ صوت من السماء يقول “هذا هو إبني الحبيب الذي به سُررت فله اسمعوا”.

الصدّام بين الـمعمدان وهيرودس أنتيباس

إشتهرَ يوحنا بكلماته النارية التي كان يدعو الناس بها إلى حياة التوبة ، لإقتراب ملكوت السماء ، وكانت كلماته تخترق قلب هيرودس وتُزيده غيظاً يوماً بعد يوم ، فطلبَ مُراقبة تحركاته وكلماته ، فأخبروه بأن يوحنا رجل صادق وأمين وبار (مر6: 20) يدعو الناس إلى الإعتراف والتوبة ، حتى أنه كان يُريد أن يذهب اليه ، لكن منصبه الرئاسي منعه عن ذلك

وفي يوم من الأيام وبعد أن أنهى يوحنا كلامه طلبَ منه أحد سُفراء هيرودس الذهاب معه إلى قصر الـملك ليعظ أمامه. فوافق الـمعمدان وذهبَ إلى قصر الـملك هيرودس وألقى بعظته التي عالج فيها بعض قضايا الـمُجتمع ، ولفتَ نظر الـملك إلى الأخطاء السائدة والفساد الـمُنتّشر، فنالت عظته إعجاب كل الحضور . وقد إستفاد هيرودس من كلام يوحنا وعملَ على إصلاح الأخطاء التي لفتَ نظره اليها . هذا ويعتقد البعض أن هذه العظة تلتها عظات أُخرى عديدة

وفي إحدى العظات واجه يوحنا هيرودس بجريـمته الشنيعة التي كان الناس يتناقلها في سهراتهم وأحاديثهم

تخيّل معي الـمنظر رجال القصر وحاشية الـملك والنبلاء وأشراف الـمُجتمع مُجتمعون كلهم والـملك وعشيقته في وسطهم ، بـملابسهم الفخمة ، حول موائد فاخرة وقد وقفَ أمامهم يوحنا بثيابه البسيطة ، وبنيته النحيفة ، ولكنه وقفَ بشجاعة وبدون تردد أو خوف ، وبدأ في الهجوم على الخطايا ومفاتن الحياة ومفاخرها ، وأعلنَ عن إقتراب مجيء الـملكوت ، ودعاهم بإسم الـله إلى التوبة ، ثُمَّ وجّهَ كلامه مُباشرة لحاشية الـملك ودعاهم إلى التوبة ، وهاجم فساد القصر وخلاعته . فخيّمَ على الجالسين في الغرفة السكون والرهبة ، ثُمَّ أشارَ يوحنا إلى الـمرأة هيروديا الجالسة بجوار الـملك هيرودس ، وصرخ في وجّه الـملك قائلاً: “لايحق لك أن تكون لك إمرأة أخيك”.

كانت هيروديا ، عشيقة هيرودس أنتيباس ، زوجة شقيقه فيلبس، وكان لا يزال حيًا ، كما كانت زوجة هيرودس ، إبنة أريتاس ، ملك بلاد العرب حيّة أيضًا

وبينما كان هيرودس مُقيماً في روما ، نزلَ ضيفاً في بيت شقيقه فيلبس ، وكان فيلبس بعيداً عن بيته يُؤدي مُهمة دينية ، تتعلّق بـمصالح الأمة اليهودية، فوقعت هيروديا في شباك هيرودس وتركت بيتها الزوجي وذهبت مع هيرودس

إندهشّت الجموع الحاضرة من جُرأةِ يوحنا وكلّماته النارية ومُهاجمته لـهيرودس ولـهيروديا ، بهذه الجُرأة ، وإنفضت الجلسة ، وخرجَ يوحنا بعد أن ألقى قنبلته القاتلة في القصر الـملكي

إستشهاد يوحنا الـمعمدان

بدأت هيروديا في تدبير أمر الإنتقام من يوحنا ، وحرضت عشيقها هيرودس للقبض عليه ومُعاقبته بالسجن أو بالـموت للتخلُص من كلامه الـجارح لـهما

وأخيراً أرسلّت الجنود فأحضروا يوحنا ووضعوه في سجن قلعة ماكيرا الـمُظلمة الحصينة التي تقع على الشاطىء الشرقي للبحر الـميت ، التي لا يمكن الـهرب منها أو الوصول أليها ، لأن هيرودس أقام سوراً حصيناً حول القلعة ووضع على زوايا السور أبراجاً للـمُراقبة ، فعومل يوحنا في السجن بقسوة ووحشية مُتناهية

وأخيراً سمحَ هيرودس بزيارة تلاميذه لعلهم يُقنعوه بتغير كلامه وموقفه، وكان هيرودس نفسه يستدعيه للتحدث معه ، لأنه كان يهابه ، عالـماً أنه رجل بار وقديس، كما كان يخاف من صوت الشعب لأنهم كانوا يُحبونه ويستمعون لكلامه . ويبدو أن هيرودس حاول إقناع يوحنا لسحب كلامه وتقديم الإعتذار ، ووعده بفك أسره والإفراج عنه ، وتكرّرت لقاءات هيرودس ويوحنا لمدة 12 شهراً ، وفي كل مرة كان هيرودس يزداد قسوة أمام عناد يوحنا

وفي إحدى الليالي الحمراء ، وقد احتشد القصر الـملكي بالأصحاب والنبلاء ، وبوجود هيروديا وإبنتها الخليعة سالومي ، إحتفالاً بعيد ميلاد الـملك هيروس وكان الـملك قد لعبت في رأسه الخمر ، وأمام خلاعة ورقص سالومي إبنة هيروديا ، وبعد أن أبهجت قلب هيرودس ، وأشعلّت نار شهوته ، فوعدَ سالومي بتحقيق أي طلب تطلبه حتى نصف مملكته ، فإستغلّت هيروديا الفرصة ، وطلّبت من إبنتها أن تطلب رأس يوحنا الـمعمدان “أريد أن تعطيني حالاً رأس يوحنا الـمعمدان على طبق”(مر6: 25)

سمعَ هيرودس طلبها فدبّ الحزن في قلبه ، ولكنه لم يستطع أن يتراجع عن وعده لـها ، لذلك أمرَ رئيس حراسه بقطع رأس الـمعمدان وإحضارها على طبق فوراً. وبالفعلَ جاءَ السيّاف وهو يحمل رأس المعمدان على طبقٍ وقدمه لهيروديا ولإبنتها سالومي

يقول الـمُؤرخ يوسيفيوس”أن الجسد طُرِحَ من سور القلعة وظل مُلقى دون أن يُدفن مُعرضاً للجوارح” لكن تلاميذ يوحنا أسرعوا وأخذوا الجسد ودفنوه في جبال موآب في رأي، لكن الغالب أنه دُفِنَ في قرية والدّيه في جبال اليهودية.

وهكذا استشهد يوحنا الـمعمدان آخر أنبياء العهد القديم من أجل كلمة الحق ودعوة الناس إلى التوبة عن خطاياهم . فلتكن شفاعته معنا أجمعين

هذا وتحتفل الكنيسة بذكرى مولد النبيّ يوحنا في اليوم الرابع والعشرون من شهر حزيران / يونيو، كما تتّذكر قطع رأسه في يوم 29 آب/ أُغسطس

طروباوية السابق (اللحن الثاني)

” نذكارُ الصدِّيق بالـمديح . أما أنت أيُها السابق فجسبُك شهادةُ الرب. فقد ظهرتَ حقًا أشرفَ من الأنبياءِ أنفسهم ، إذ أُهِّلتَ أن تُعمِّدَ في الـمجاري من بشَّرزا به ، لذلك ناضلتَ عن الحقّ ، وبشَّرتَ مسروراً الذين في الجحيم أيضًا بالإله الذي ظهرَ بالجسد، ورفعَ خطيئة العالم، ومنحنا عظيمَ الرحمة”.

القنداق (اللحن السادس)

ان الأردنُ تهِّبَ حضوركَ بالجسد فتراجعَ خوفًا ، ويوحنا ارتدَ مُرتجفًا عند إتـمامه الخدمة النبويَّة ، وصفوف الـملائكة دهشتَ لـما شاهدتكَ مُعتمداً في الـمجاري، وجميع الذين في الظلام استناروا ، مُسبِّحينَ إيَاكَ يامَن ظهرَ وأنارَ البرايا كلّها.

قطع رأس المعمدان طروباوية

ان قطع رأس السابق صار بتدبير إلهي ، لكي يكرز للذين في الجحيم بورود المُخلص ، فلتنتحب إذاً هيروديا الطالبة القتل الـمُضاد للشريعة، لأنها ما آثرت شريعة اللـه ولا أحبت الحياة الآبدية، لكنها بالحري أحبّت الحياة الوقنيّة”.
كل عيد وانتم بخير

Add Comment أضف تعليق

Click here to post a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *