الجزء الثاني – ألأنكليز والبحث عن وطن قومي آشوري للأثوريين

بقلم: حسيب عم بولص

فشل الانكليز في ايجاد منطقة لتأسيس امبراطورية اشور او وطن قومي للأثوريين النساطرة في الشمال العراقي، ومن ناحية اخرى ادعوا بأنهم لم يكن بأستطاعتهم ارجاعهم الى بلدهم تركيا، لأن الرئيس التركي مصطفى كمال اتاتورك كان قد حكم عليهم بالاعدام لتعاونهم مع الروس والانكليز ضد العثمانيين وخيانتهم لبلدهم تركيا ابان الحرب العالمية الاولى، فأضطروا وبموافقة بطريرك الاثوريين ايشاي شمعون الى دفع هؤلاء الاثوريين باتجاه سوريا بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، لغرض أقامة دولة اشور العظمى فيها، الا ان سوريا كانت حينها تحت الاحتلال الفرنسي، حيث رفض الفرنسيون دخول هؤلاء الاثوريين النساطرة الى سوريا وقصفوهم بالمدفعية وقتلوا وجرحوا الكثير منهم على الحدود العراقية السورية، مما حدا بهم الى العودة الى العراق وهم يجرون ذيول الخيبة والفشل وبعد ان خابت كل آمالهم ومساعيهم في تحقيق هدفهِم المزيف.

ثم مرت الايام والسنين الى ان جاء سقوط العراق عام 2003 م ودخول قوات التحالف الى العراق، حيث وقف الاكراد المقيمين في الشمال العراقي بجانبهم وتعاونوا معهم في حربهم ضد نظام الحكم، ومن المؤكد كان هناك اتفاق سري فيما بينهم بحيث يحصل الاكراد بالمقابل على دعمهم ومساعدتهم عندما تحين ساعة اعلانهم الاستقلال والأنفصال عن العراق في المستقبل، وعلى ضوء هذا التعاون القائم على اساس المنفعة المتبادلة ما بين قوات التحالف والاكراد، بدأ الانكليز بالتبشير بفكرة الاشورية مع أصدقائهم الاكراد تكريماً لموقفهم هذا من الحرب الدائرة في العراق، واقترحوا عليهم اقامة دولة تحمل اسم آشور لهم وللأثوريين النساطرة في مناطق تواجدهم في الشمال العراقي اذا اعترفوا بأنتمائهم الى السلالة الاشورية او اذا قاموا بتغيير اسمهم من اكراد الى اشوريين. رفض الاكراد هذا المقترح ولم يقبلوا بالتخلي عن هويتهم الكردية وتبني الهوية الاشورية المزيفة، الا انهم مع ذلك اعلنوا تضامنهم مع ألاثوريين ووقوفهم الى جانبهم في نضالهم وسعيهم لاقامة دولة لهم في ارض آشور القديمة (هذا الخبر رواه احد الكلدان المتأشورين نقلاً عن زميل له ينتمي الى حزب زوعا الأثوري بعد بضعة اشهر من سقوط العراق، وهو لا يزال حياً ويقيم في سان دييغو في امريكا).

فلم يبقى للاثوريين النساطرة اي أمل أو مكان يلجأوون اليه لكي يقيموا به امبراطوريتهم الأشورية سوى العودة الى المناطق التي يسكن ويعيش فيها الكلدان والسريان المغلوبين على امرهم في منطقة سهل نينوى المتاخمة للمناطق التي يسكنها الاكراد، وربما كان هذا اقتراح قدمه الأنكليز للأثوريين النساطرة، لكي يحصلوا على الدعم الكامل والمساعدة اللازمة بشكل مباشر من الاكراد لأقامة دولة لهم في هذه المناطق وذلك لكون مناطق الاكراد على تماس مع مناطق الكلدان والسريان، وبالمقابل يحصل الاكراد كما ذكرنا على دعم قوات التحالف والمجتمع الدولي في اقامة دولة كردية وانفصالهم عن العراق، وبطبيعة الحال، كان هذا هو سبب لجوء الاثوريين وبتوجيه من الانكليز الى الدخول في حرب اعلامية مزيفة مع الكلدان والسريان، بعد ان قدم لهم الانكليز او قوات التحالف الدعم المادي والمعنوي، لكي يتمكنوا من اصطيادهم ورميهم في احضان الاشورية المزيفة وتحقيق هدفهم المزيف بهم.

وأخيراً نود ان نقول بأن هذا الجهد الكبير الذي بذله الانكليز في دعمهم واسنادهم للأثوريين، وسعيهم المتواصل لأقامة كيان اشوري مستقل لهم في شمال العراق، لم يكن لوجه اللـه ولا لحب الخير ولا من اجل سواد عيون هؤلاء الاثوريين ولا لحماية المسيحيين الأتراك، وانما لتحقيق اهدافهم ومصالحهم ومن اجل سلب ونهب ثروات وخيرات المنطقة التي سوف يخلقون الفوضى ويحاولون زعزعة الامن والاستقرار فيها، وسوف يثيرون الفتنة الطائفية والعنصرية ويشجعون الأقتتال بين ابنائها، لكي يتمكنوا في النهاية من تغيير خريطتها وأعادة رسمها من جديد، وربما تغيير سكانها او اسكان غرباء فيها، وسوف يحاولون فرض وجودهم وهيمنتهم عليها بحيث يكون لهم موطىء قدم ثابت فيها وبالتحديد في نينوى وكركوك الغنيتان بالنفط، اي احتلال المدينتين واتخاذها مستعمرات لهم بحجة اقامة دولة اشورية للأثوريين او ربما كردية للأكراد. اذن يتضح على ضوء ما تم ذكره اعلاه بأن هدف بريطانيا لم يكن حماية المسيحيين كما يدعون، فلو كان الامر كذلك، لماذا أعلنت بريطانيا وحليفتها فرنسا عام 1854 م الحرب ضد روسيا التي ارسلت وحدات عسكرية لحماية المسيحيين المضطهدين في تركيا عام 1853 م؟ ولماذا لم ترسل بريطانيا وحدات عسكرية لحماية المسيحيين بعد انسحاب روسيا من تركيا بسبب قيام الثورة البلشفية فيها، ولماذا لم تطالب بريطانيا بعودة الاثوريين والأرمن الى اراضيهم ومناطقهم في جنوب تركيا، وبأعادة ممتلكاتهم وتوفير الحماية لهم بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى وهزيمة الدولة العثمانية؟ أو لماذا لم تستقطع بريطانيا المناطق التي كان يعيش فيها الاثوريين في جنوب تركيا وتقيم عليها دولة اشورية، مثلما فعلت مع معظم اراضي الدولة العثمانية التي تم توزيعها بين بريطانيا وفرنسا وروسيا؟ ولماذا لم تدافع بريطانيا عن الارمن الذين كانت محنتهم اكبر من الاثوريين وتقوم باستقطاع الاراضي التي كانوا يسكنون فيها او انشاء محافظة لهم فيها مع توفير الحماية لهم؟ علماً بأن تركيا كانت سترضخ لطلباتهم هذه وتقبل بكل الشروط التي كانت ستعرضها بريطانيا عليها بعد هزيمتها في الحرب.

المصادر والمراجع:

1-           عبد المنعم رؤوف الغلامي: ثورتنا في شمال العراق، ص66-1

2- د. عبد المسيح بويا يلدا: من أين جاء الاثوريين الى العراق، الجزء الثالث

3- يوسف إبراهيم يزبك في كتابه ( النفط مُستعبد الشعوب ص . 233 – 234 )

4 – كوركيس مردو: الانشقاقات والنكبات التي عصفت بالامة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حلت بها عبر الزمن

5- كوركيس مردو: الانشقاقات والنكبات التي عصفت بالامة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حلت بها عبر الزمن الجزء 41