الجـزء العـشرون: قــراءة معـمقة للمشروع الخـلاصي بناءاً عـلى نصوص الكـتاب المقـدس

يعـقـوب بن إسحـق

الاب پـيتر لورنس

مقـدمة:

إنّ الصراعات والخلافات هي علامة صحة أحـياناً ، لأجل إبراز معالم الحـقـيقة في القضية المتـنازع عـليها ، فـما حـدث من صراع وخلاف بين الأخـوَين التـوأمَين عـيسو ويعـقـوب ، كان علامة صحة متجـذرة في ما أسّسه الجـد الأكـبر لهـذه العشيرة أبراهام ، في أرضٍ جـديدة أعـطته المجال في ان يُهيّء فـيها موطىء قـدم لا يزول الى الأبد ، من أصالة وموروث وإيمان ، وإنّ الـقـضية تعـتمد على الورثة فـيما بعـد ، فـيما إذا كانـوا يستطيعـون المحافـظة عـلى أسس ومقـومات هذه العشيرة أو المؤسسة ويطوّروها بما يتـناسب مع وضعهم الحالي ، أو يجعـلونها تضمحل وتـنصهـر في مكـوّنات غـريبة عـنهم . لـقـد كان صراع الأخـوَين ، صراعاً فكـرياً وعـقائـدياً حـول مبدأ المؤسس أبراهيم جـدهم الأول.

عـيسو يـبـيع بكـوريته الى أخيه يعـقـوب:

إنّ للخلاف توجّهات ، فإما ان تكـون مبدئية أو من أجل مصلحة . فـحَـدَثُ بـيع البكـورية ( تك 25/29-34 ) يكـشف لنا توجهات الأخ الأكـبر عيسو داخل عـشيرة الـله . عيسو كان رجلاً صياداً ، أغـلب وقـته يقضيه خارج الحـدود الجـغـرافـية للعشيرة ، فمن المحـتمل أنْ كان هناك إتفاق عشائري حول موضوع تـنظيم عملية الصيد بـينهم ، مما جعـلت عيسو يحـتك بالعشائر الأخـرى من أرض كـنعان كي يحـقـق مبتغاه في الوصول الى ديمومة وجـوده ووجـود عشيرته بين العشائر الاخـرى في هذه الارض ، فـتـزوج من بناتهم ، وأثبت ذلك داخل عشائرهم لكي يتـنعّـم من خيراتهم ، ولكـن عـمله هـذا سـبّـب شرخاً كـبـيراً في أسس مقـومات ( الأصالة ، الميراث ، الإيمان ) من عشيرة أبراهيم ــ عشيرة الـله ــ .

إنّ خـيـبة الامل لدى إسحق ورفـقة بإبنهم الاكـبر جعـلتهم يوجهـون أنظارهم نحـو يعـقـوب الإبن الاصغـر ، كما أنّ قـصة بيع البكـورية ليعـقـوب تبين إستعـداد عيسو التخـلـّي عـن الأولوية في عشيرته مقابل رغـباته وشهـوته من أجل مصلحـته التي يراها من وجهة نظره أنها تعـطيه ديمومة الحياة والوجود في هذه الارض .

فالكاتب يـبـيّن منذ البداية توجّهات عيسو المخالفة لمسيرة عشيرته قـبل أن يتزوج من بنات الحـثـيّـين. إنّ إخـتياره لطريقه حَـرَمه من أن يكـون الاول في العشيرة والقائد لها بعـد موت أبيه إسحق (( تـوجهات عيسو من جهة ، وحيلة يعـقـوب من جهة أخرى )) أفـقـده توازنه بين رجال العشيرة ، مما جعـله في صراع وخلاف مستمر مع أخيه يعـقـوب دام سنيناً . وهـذا الصراع يتحمل وزره يعـقـوب الاخ الاصغـر ، في ان يحمل على أكـتافه عـناء هـروب وخـدمة شقاء عـنـد خاله لابان . فخلاف يعـقـوب مع أخيه عيسو هو خلاف مبدئي ، وليس مصلحـياً لأنه مبني على أساس مقـومات العشيرة ( الأصالة ، الميراث ، الإيمان ) فكانت البكـورية هي نصيب الأمانة أولاً لـدى يعـقـوب ، والـقـيادة فـيما بعـد.

خاتمة:

إنّ غايات الانسان ورغـباته ليس لها حـدود ، تجعله يسير في الحياة محـقـقاً ما يصبوا إليه بين نجاحات وإخـفاقات ، دون النظر الى الاخـرين من حـوله بما ينـفعهم أو يضرهم ، كما أنّ شخـصه ــ الأنا العـلـيا ــ في نفسه يحـيطه بهالة من الوهم تجعله يفـقـد توازنه ويتخبط في قـراراته ، وقـد يُـدمّر ما عمله الذين من قـبله لأجل بناء وإستمرار وفائدة الآخرين لخـدمة مجـتمع أفـضل ينعم بخـيراتها ، فـقـصة الاخـوَين عيسو ويعـقـوب هي مثال الإنسان بـين الرغـبة والشهـوة ، والأمانة.

وكـنيستـنا الكلدانية اليوم برئاستها وشعـبها ، هم ورثة الآباء الاوائل أبراهيم وإسحق ويعـقـوب ، فإلى أين يتوجهـون بين الرغـبة والشهـوة ، والأمانة ؟ الله ذهب مع يعـقـوب الاخ الاصغـر ليكـون منبراً بـين الأمم لأمانته ، ليخـرج من نسلهم الرب يسوع المسيح ليكـون خلاصاً للعالم . فأنـتم مع من تذهبون؟ مع عيسو الاكـبر أم يعـقـوب الاصغـر ؟