كتابات ومعاني: حلم غريب

بقلم: حسيب عم بولص

في أحد أيام صيف عام 1983، قررنا انا وزوجتي وابني البكر الذي كان حينها يبلغ من العمر ما يقارب السنة الواحدة، القيام بسفرة بالسيارة من بغداد العاصمة التي كنا نسكن فيها الى مدينة الموصل في شمال العراق، لزيارة الأهل والاقرباء وقضاء بضعة ايام جميلة معهم. بدأنا رحلتنا في تمام الساعة العاشرة ليلاً ووصلنا في وقت متأخر الى بيت ألأهل في حي الدواسة ( في مركز المدينة ) في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وحينها بدت علامات التعب والارهاق واضحة على وجهي، وعلى أثرها بدأت اشعر بالنعاس الشديد والرغبة بالخلود الى النوم، وفعلاً بعد ان التقيت بوالدي ووالدتي واخوتي وأخواتي وسلمت عليهم وقبلتهم جميعاً، ذهبت الى الفراش مباشرةً واستغرقت في نوم عميق. وفي الصباح خرجت من البيت الذي كان يقع في نهاية زقاق قصير ومغلق، حيث كان هناك في جانبه الايمن معمل كبير للنجارة وبيت ثم يتبعه محل للخياطة الذي يواجه الشارع العام ، ومن الجانب الايسر كان هناك بيتان ثم تتبعهما بناية كبيرة من الشقق السكنية تواجه الشارع العام، وتجولت قليلاً بالقرب من البيت وفي حي الدواسة، ثم رجعت ووقفت اسفل البناية القريبة من بيت أهلي، وما هي الا لحظات معدودة حتى سمعت اصواتاً عالية لطيور تحلق في السماء تشبه أصوات طيور ألوز، فحسبتها في البداية طيور مهاجرة، ولكنني عندما رفعت رأسي الى ألأعلى ونظرت الى السماء، شاهدت وزتين ضخمتين بلون أبيض تحلقان بالقرب من سطح البناية السكنية، تعادل كل واحدة منهما حجم طير البجع ان لم تكن اكبر، وتدور بينهما حرب طاحنة، حيث تتقاتلان فيما بينهما قتالاً عنيفاً لا رحمة فيه، وبطبيعة الحال ان هذا المشهد جعلني اقف ثابتاً بدون ان ابرح مكاني، لكي اشاهد واعرف جيداً ماذا سيحدث لهاتين الوزتين في نهاية قتالهما الشرس، ثم فجأة توارت كلتاهما عن الانظار واختفتا ما وراء العمارة ولم أعد استطيع ان اراهما، ولكنني مع ذلك كنت لا أزال اسمع صراخ الوزتين قريباً من وراء أعلى نقطة في العمارة، الا ان اختفائهما لم يدم طويلاً لأنهما بعد عدة ثوان ظهرتا ثانية بنفس الارتفاع فوق رأسي مباشرة وكلتاهما في صراع مرير ومستمر، الى ان تمكنت احدى الوزتين من التغلب على الاخرى والحاق الهزيمة بها، حيث سقطت الوزة البيضاء التي انهارت قواها، وهوت باتجاهي بشكل لولبي وبسرعة كبيرةً جداً، وبدت لي وكأن صاروخاً يسقط نحوي بسرعة ومصحوب بصوت مخيف، ولكنني في هذه اللحظة شعرت بالألم والحزن تجاهها، وقررت ان افعل شيئاً لمساعدتها، الا انني لم اعد املك الوقت الكافي الذي يسمح لي حتى بالتفكير لايجاد طريقة لمساعدتها وانقاذها سوى أن أمد كلا ذراعّي الى الامام لكي احاول أن أمسك بها بيدّي وامنعها من السقوط على الارض او اخفف من شدة ارتطامها بالارض، علما أن الصوت الذي كنت اسمعه اثناء سقوطها السريع وهي بهذا الحجم الكبير جعلني اشعر بالخوف من أنني لن اتمكن من الامساك بها وانقاذ حياتها. وأخيراً سقطت الوزة على يدّي ومن ثم على الارض، حيث استطاعت يدّي نوعاً ما ان تقلل من سرعة سقوطها وشدة ارتطامها بالارض، فانحنيت في الحال نحوها وهي ساقطة على الارض، ورفعت رأسها  بكلتا يدي الى الاعلى ونظرت في وجهها، فوجدتها تتنفس ولا تزال على قيد الحياة، فحملتها بين ذراعّي وذهبت بها مسرعاً الى بيت أهلي، فدخلت البيت وتوجهت الى احدى غرف النوم  ودخلت فيها، فوجدت المرحوم والدي ( الذي وافاه الأجل سنة 1986 ) جالساً على الأرض لوحده ويحتسي الخمر، فدعاني للجلوس معه ومشاركته، الا انني لم أرد عليه في تلك اللحظة وذلك لكوني شارد الذهن ومشغول البال ومهموم بأمر هذه الوزة، فتقدمت الى احدى زوايا الغرفة وانزلتها على الارض، وأخذت وعاءاَ كبيراَ وملأته بالماء ووضعته امامها بعد أن سكبت بضعة قطرات منه على رأسها، وبدأت الوزة عندئذ تشرب الماء، وحالما انتهت من شرب الماء، قمت بفرك رأسها لما يقارب الدقيقتان، ثم تركتها لوحدها لكي تنام وترتاح لبعض الوقت، ورجعت الى والدي وجلست معه كي اشاركه واشرب معه الخمر. وبعد فترة وجيزة لاحظت بان الوزة اصبحت بصحة جيدة ورجعت الى حالتها الطبيعية، وغادرت مكانها وتوجهت الى الزاوية الاخرى من الغرفة حيث كان يوجد كيس كبير مملوء بالقش وممدود افقياً على الارض، فبدأت تلتقط القش بمنقارها وتفرشه على الارض الى ان اصبح بشكل وحجم الفراش، ثم توجهت نحوي وطلبت مني من خلال حركة رأسها ان أجلس على هذا الفراش، فابتسمت وقلت لها من خلال الاشارات أيضاً، ومشيراً بحركة اصابع يدي، بما يعني ان هذا السرير هو لها ويجب ان تنام عليه لوحدها، ثم وضعت’ يدي على رأسها لكي اتأكد من انها اصبحت بحالة جيدة، الا انها في هذه الاثناء وبشكل لا يصدق تحولت الى امرأة، فرفعت رأسي فوراً الى الاعلى كي انظر الى وجهها فوجدتها خارقة الجمال، لا يمكنني وصف جمالها ابداً ( سبحان رب الخالق والخالق احسن )، وفي هذه ألأثناء وجدت أحد اخوتي واقفاً بالقرب من رأسي ويحاول أن يوقظني ويقول لي ” هل اتيت الى الموصل لكي تنام؟ اننا حتى لم نراك جيداً عند وصولك بعد منتصف الليل، انهض فالفطور جاهز “، فنهضت من النوم بعد ان علمت بأنني كنت أحلم حلماً غريباً، وذهبت الى الحمام وغسلت وجهي، ومن ثم شاركت أهلي فطورهم.

التعليق

Click here to post a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

  • شكرا الأخ حسيب على كتاباتك المؤثرة، وعلى موضوعك الذي أخذتنا به اليوم في جولة استراحة قصيرة تبعدنا عن واقعنا الأليم الذي هو الآخر غريب

    حلم ام واقع …
    كل له نصيب بما هو غريب
    وإن تصورناه بعيد
    فهو منا قريب