سـفـر التكـوين وقـصة الخـطيئة

قـراءة معـمقة للمشروع الخـلاصي بناءاً عـلى نصوص الكتاب المقـدس

سـفـر التكـوين وقـصة الخـطيئة

الجـزء السادس

مقـدمة :

من خلال قـصة الخـطيئة التي تـناولناها في الحلقة السابقة ، نستطيع ان نـفهم ان واقع الانسان الاسرائيلي يُـدَوّن بطريقة محـترفة ضمن ثـقافة وحضارة شعـب تجعله يصنع دستوراً لحـياته من كتابات قـد تكون غـير مفهـومة في عالمنا اليوم. هذه الكتابات تـتحـدث عن عالم يؤمن بإلهه، ويكـشف خبرته معه، ويعـيش في العالم على أسس مجتمعه الذي يرى ان اللـه قـد اسسها له بطريقة قانون وشريعة يحيا بها، فإذا زاغ عنها بخـطيئـته، يـفـقـد تـوازنه ويخرج من النعيم الذي انعم به اللـه عليه.

دستور عالم اللـه:

لكل دولة ومجتمع قـوانين وشرائع يسير عليها انسان تلك الدولة، إذا خالفها يسقط تحت حكم القانون ويعاقب، وهذا ما نلاحظه منذ الـقـديم من شريعة حمورابي والى يومنا هذا. كاتب سفر التكـوين يشرح تأسيس عالم الـله في اسرائيل، ويضع فيه نظامه ودستوره.

نقرأ في (تك 2/8-9)” :وغـرس الرب الاله جنة في عـدن شرقاً، وجعل هناك الانسان الذي جبله، وأنبت الرب الاله من الارض كل شجرة حسنة المنظر وطيبة المأكل وشجرة الحياة، في وسط الجنة وشجرة معـرفة الخير والشر”. وفي (تك 2/16-17)” وأمر الرب الإلهُ الانسانَ قائلاً:

من جميع أشجار الجنة تأكل، وأما شجرة معـرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً. “نـفهم من هذين النصين، ان الـله يؤسس (يخلق) عالمه، ويضع له قانون (نظام)، على الانسان وبالخصوص الانسان الاسرائيلي المرتبط بالـله، ويريد ان يخلصه ويجعله انساناً ذا قـيمة عليا بين الامم وله هـدف ورسالة، ان يسعى بكامل حـريته وارادته …. فإما ان يتمتع في الحياة بكل إنعاماتها الالهية، أو يخسرها ويـبتعـد عن طيـباتها وهناك يكون الشقاء والموت.

ان دستور عالم الـله في اسرائيل متمثل بكلمات (وصايا) الـله العشر، هي اساس حياة اسرائيل، فـيها الانسان يرتـقي الى صورة الـله، ومنها يصبح مرتـفعاً في قـيمته العـليا بين الشعـوب. هكـذا يقرأ الانسان الاسرائيلي تأريخه مع إلهه، عـندما يعيش كلمات الـله ودستوره في حياته يغـتـني من نعم الحياة وتـفيض عليه، عندما يبتعـ د عنها يصبح هناك خلل في حياته، من جلاء ودمار وعـدم استـقـرار اجتماعي. لذا فالاسرائيلي يمجد الـله ويشكره على هذا النظام والدستور الذي هـو نعمة مجانية من اللـه الخالق لأجل التـنعم بخيرات الارض والحياة.

خاتمة:

نستـنـتج من هـذا الدرس ان مملكة اسرائيل الدينية والمدنية، ملكها هـو الـله، ودستورها إلهي مؤسس على كلمات (وصايا) اللـه العشر المتمثلة بقسميها الرئيسيين اللـه والانسان المرتبطين واحـدهما بالآخر بعهـدٍ مقـدس لا يحل إلا بالموت. ان اللـه أمين مع هذا العهـد على مدى العصور (أنا أكـون لكم إلهاً، وانتم تكونون لي شعباً)، أما من جانب الإنسان إسرائيل، نلاحظ انه ينـقض عهـده مع إلهه بسبب نـقـصه وخـطيئـته، ويخرج من نطاق هذا العهـد والدستور الالهي مما يجلب عليه الويلات.

الانسان اليهودي أو المسيحي المؤمن، إذا اختار ان يكـون ضمن مملكة (ملكـوت) اللـه أينما وُجـد، عـليه ان يحـترم ويلتـزم بدستور وقـوانين هذه المملكة التي تجعله يحـيا فـيها ويستـثمر خيراتها، ويصبح إبناً فعالاً يعكس صورة أمانة وعـدل ملكها الذي يوفـر إنعاماته دون حـدود.

إنّ رسالة كاتب سفر التكـوين من خلال قـصة الخلقة والخـطيئة، موجهة الى كل مؤمن بالـله وملكـوته، ان يحيا بها بحُـرية وإرادة كاملة، أما بأمانة وصدق وعـدل، أو يـبتعـد عـنها فـيلاقي الألم.

 

الاب پـيتر لورنس