الجـزء الثالـث – قـراءة معـمقة للمشروع الخلاصي بناءاً عـلى نصوص الكـتاب المقـدس

سـفـر التكـوين وقصة الخـلقة

مقـدمة :

لاحـظنا في الجـزء الثاني من هـذا المقال أن سـفـر التكـوين يتحـدث عـن نـشأة إسرائيل بـين شعـوب العالم ليكـون صاحب رسالة إلهـية ومسؤولية في أن يحـرر نفسه بواسطة إلهه ومن حوله حـتى تكـشف صورة الـله للإنسان ويتحـرر هـو أيضاً من عـبودياته التي أسَــر بها نفسه عـلى مَر العـصور من خلال واقع حـياتي وإنساني وثـقافي، أطـّـر به ذاته ولا يستطيع الخـروج منه.

سـفـر التكـوين:

إنّ سـفـر التكـوين (الكـتاب الأول من كـتب التوراة الخمسة) رائع في طروحاته ، يجعل القارىء يستمتع من خلال قـصصه وأحـداثه في أن يكـتـشف سبب وجـوده في العالم البشري مع إله يجعـله منذ البدء حُـراً من خلال عـهـدٍ مقـدس، به يكـبر وينضج ويكون مسؤولاً عـن إنـتـشاره في العالم ليعـلن حـقـيقة الـله الخالق الذي يواكـبه في تـقـدمه الفكـري والعـلمي، لكي يُغـني ذاته من خيراتها ويشبع من ثمارها.

وهـو مجموعة كـتابات يعـود تأريخها ما بين 1000 إلى 400 سنة قـبل الميلاد جمعها شخص يهـودي من إسرائيل، وربطها فـيما بـينها بشكل محـترف لكي تعـطي معـنىً صحـيحاً ومتكاملاً لسبب وجـوده في العالم البشري ضمن حضارة وثـقافة شعـب بين الشعوب، يتأثر ويؤثـر في خـبرته مما تجعله يسقط تارة، وينهـض تارةً أخـرى حـتى يصل إلى ذروته. هـذا هو واقع سفر التكـوين من خلال تأريخ شعـب إسرائيل منذ بداية تكوينه.

قـصة التكـوين :

إنّ جامع كـتابات سفر التكوين يرى أن الـله يضع إسرائيل منذ البدء في مخططه لأجل رسالة الخلاص لإسرائيل خاصة وللعالم عامة، بموجـب مسيرة تأسيس تبدأ منذ بداية البشرية. إنّ هـذا الشخـص الجامع يأخـذ كـتابات إسرائيلية تعود الى كاتب كهـنوتي من الجـيل السادس قـبل الميلاد، تبدأ بقـصة الخـلق المأخوذة من الحضارة البابلية في فـترة سبي إسرائيل الثاني إلى أرض بابل 587-535 ق. م، تـشرح كـيف أن إلههم ينظم حياة الإنسان اليهـودي وهـيكله المقـدس بعـد الخراب الذي لحـق به بسبب الجلاء. لـذا يـبدأ الكاتب كلماته: (في البدء خلق الـله السماء والأرض وكانت الأرض خاوية خالية) تـكـوين 1/1 “توهـو وهـو” باللغة العـبرية، أي غـير مُـبعـثـرة، واللـه سوف ينظمها ويرتبها. إن هـذه القصة لا تعَـبر عـن الواقع العلمي لنـشأة الكون والأرض والإنسان منذ ملايين السنين، لكـنها تعَـبر عـن محـتواها اللاهوتي والإيماني لوضع شعـب إسرائيل بـين شعـوب الأرض وإعلان سبب وجـوده ضمن مخـطط اللـه الخلاصي. الكاتب الإسرائيلي يرى من خلال هذه (القـصة بالأخص) وسفـر التكـوين عـموماً ومن خـبرته الإيمانية أن وجـوده هو رسالة إلهـية، وليس وجـوداً إعـتـيادياً مثل بقـية الشعـوب من خلال قـراءة تأريخه المقـدس على مر العصور. الكاتب هنا يستخـدم لغـته وثـقافـته البشرية في ذاك الزمان والمكان، حتى يعَـبر عـن إيمانه بقـوة إلهـية.

خاتمة:

الإنسان الإسرائيلي اليوم عـنـدما يقـرأ هـذا الكـتاب، يعي سبب وجوده ومسؤولية رسالته في عالمه. والكـنيسة المسيحـية اليوم وشعـبها المؤمن التي تبنت هذه الـتب المقـدسة التي تعَـبر عـن إكـتمال هذه المسيرة الخلاصية بربها يسوع المسيح، هي أيضاً واجـب عـليها أن تعي مسؤوليتها الإيمانية من خلال شعب يخـرج منه مخـلص العالم ليتمم الخلاص ويوصله إلى ذروته وكماله. إذا لم تـشرح الكـنيسة برجال دينها حـقـيقة هذه الكـتب وبأسلوب علمي ولاهوتي صحـيح، قـد تـفـقـد مسيرة الخلاص كما أوجـدها الـله تعالى منذ البدء.

 

 الاب بيتر لورنس