الحلقة الثانية: قـراءة معـمقة للمشروع الخلاصي بناءاً عـلى نـصوص الكـتاب المقـدس

سفر التكـوين وقصة الخلقة ــ 2

مقـدمة :

عـندما نـفـتح الكتاب المقـدس في صفحـته الاولى وعلى الأخص سفـر التكـوين / الكتاب الاول من كـتب التوراه الخمسة ونقرأ الفصل الاول منه ، يوحى لنا بأنه يتحـدث عن خلق اللـه للعالم والإنسان ، ويذهب فكـرنا إلى أنّ الكاتب واسم كتابه يتحـدث عن كـيفـية تكـوين العالم والانسان كحـقـيقة فعلية حـدثت حول نشأة الكون بقـوة إلهية . في الحـقـيقة ان اللـه هو الخالق ، لكن ليس كما ورد في سفر التكـوين ولا في محتوى كتابه بأكمله ولا التوراة بمجملها . من هذا المنطلق يُـثار تساؤل مهم : ما هو سفر التكـوين ، وعن ماذا يتحـدث ؟

منطق فكـري :

قـبل أن نخـوض معركة فكـرية لاهـوتية كـتابية بخصوص سفر التكـوين ، يجب عـلينا ان نفهم أولاً سبب وجود إسرائيل الديني والإيماني في العالم البشري . لأن من هذا السبب سوف نكـتـشف المعنى الفلسفي والمنطقي لكـتب التوراة بالعموم ، وسفر التكـوين ومحـتواه حـصراً .

إن الفكـر الديني في العالم البشري منذ القـديم وقـبل تدخل الله وكشف ذاته لإبراهيم ، أوجـده الانسان بسبب وجوده ونقصه وإحتياجه وخوفه مما يدور حوله لطمأنة نفسيته التي دوماً فـيها خلل تحتاج الى تعـديل في المسار ، أو هي وليدة تساؤلات تدور في فلك العالم البشري تحتاج الى جواب منطقي . فعـبّـر الانسان الاول عن هذه الاحـتياجات والتساؤولات وعن افكاره من خلال صور وكتابات تكشف لنا عـما كان يعـتـقـد وكيف يعطي لها تـفسيرات تعـبّر عن خبرته وتـنظم أسلوب حياته . ان فلسفة الفكـر الديني نجـدها في حضارة ما بين النهرين والنيل في الشرق ، والحضارة اليونانية والرومانية في الغرب ، حيث التطور الفكري والعـلمي في تلك الحضارات . هذا يعطي معنى كلما تـقـدم الإنسان في اكـتـشافاته وتطور فكـره ويبحـث عـن اجـوبة لتساؤولاته عن الطبيعة التي تحيط به والانسان الذي يعيش معه ، يبقى هناك سر في هذا الكـون اللـه تعالى خلفه . هذا ما اكـتـشفه ابراهيم النبي من ارض أور الكلدان ، حينها كشف اللـه ذاته لابراهيم ، ودعاه ان يخرج من ارضه ويؤسس شعب اسرائيل في ارض الفلسطينيين من ذريته كما وعـده الرب الاله.

نلاحظ من خلال نصوص سفر التكـوين انه يتحـدث عن تكـوين اسرائيل وليس خلق العالم ، مدعـو مِن قِـبَـل اللـه ليكـون شعـباً وصاحب رسالة إلهية في العالم يعـلن من خلاله ان اللـه هو مبدع الكـون وعلى رأسه الانسان ، واللـه بدوره يضع صورته وروحه بالانسان حتى يجعله حسن بالرغم من خطيئة الانسان بالعموم ، وخـطيئة اسرائيل خـصوصاً.

خاتمة:

كما ان اسرائيل بواسطة إبراهيم وإسحق ويعـقـوب وعى على مسؤوليته ورسالته تجاه اللـه ، وسطروها لنا بكـتب مقـدسة يشرحون من خلالها خبرتهم ويجـيـبون على تساؤولات شعبهم من واقع ثـقافـتهم وتطور فكـرهم في ذلك الزمان مستخـدمين كلمات بشرية وقـصص ثـقافـية صاغـوها بروح إلهية ، هكـذا اليوم الكـنيسة يجب عـليها أن تـتحمل مسؤوليتها في ان تـشرح وتجيب على تساؤولات مؤمنيها التي تواكب عـصر التطور الفكـري والعلمي في ان تستخدم لغة عـلمية صحيحة تـتوافق مع العـقـل والمنطق ، من خلالها يكـشف اللـه ذاته وبصورة جـلية كما كـشفها لآبائنا من قـبل.

الاب بيتر لورنس