Articles Arabic

هل ينقلب العراقيون على سلطة رجال الدين

لم يكن العراق منذ تأسيسه كدولة في عشرينات القرن الماضي دولة دينية بالأساس، على الرغم من أن أول مجلس تشريعي له (مجلس الأمة المكون من مجلسي النواب والأعيان) كان يضم رجال دين من الطوائف الإسلامية المختلفة أسهموا في وضع دستور الدولة وتشريع قوانينها.

ومنذ ذلك الحين وحتى أحداث التغيير في العام 2003، كان العراق يعتبر من الدول التي تحتفظ بدساتير ترتكز على الشريعة الإسلامية في بنودها، غير أن الدولة تسير على خطى الدول المتقدمة التي تفصل بين الدين والسياسة في الكثير من الأمور.

اللافت أن الحركات الدينية التي حاولت مجابهة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين طيلة فترة حكمه (1979-2003) لم تكن وقتها تهدف الى تغيير النظام إلى نظام إسلامي بحت، بل كانت تريد إصلاحات في نظام الحكم وسياسات الدولة الداخلية والخارجية.

غير أن الحال اختلف كثيرا بعد العام 2003 عندما أطاحت الولايات المتحدة الأميركية بنظام الرئيس صدام حسين، حيث فقدت واشنطن السيطرة على الأوضاع في العراق بعد أن كانت تخطط لأن يكون العراق دولة متقدمة يحكمها العلمانيون ممن يفصلون بين الدين والسياسة حتى وإن كان لأبرز معارضي صدام حسين من الإسلاميين بمختلف الطوائف دور لا يمكن إغفاله في حال أرادت الولايات المتحدة تهدئة الأوضاع في البلاد.

وسرعان ما تطورت الأحداث بعد سقوط نظام صدام ليأتي إلى الواجهة معارضون بارزون يتخذون من الفكر الديني واجهة لهم، ليصبح العراق دولة دينية بامتياز تحكمها تيارات إسلامية سيطرت على سدة الحكم بكل مفاصله.

توظيف الدين

خلق الساسة الجدد بدورهم هالة براقة حول دور رجال الدين ليتخذوا منهم مرتكزا لقاعدتهم الجديدة في أوساط الشعب العراقي الذي أصبح يميل بدوره الى عدم ممانعة رجال الدينن رغم معرفته أن الكثير منهم يتبع كتلا سياسية معينة بمقابل علمه أن رجال الدين الأصيلين بعيدون عن السياسة.

المتابع للشأن العراقي يرى أن الشعب بمختلف طوائفه وانتماءاته بات يدرك أن لا حل يمكن إيجاده لأي أزمة سياسية أو أمنية أو حتى اقتصادية في البلاد من دون أن تكون لرجال الدين يد فيه. هذه الرؤية بدت واضحة في الأزمات الأخيرة التي طرأت على البلاد حيث كان للمرجعية الشيعية في النجف الأشرف رأي حاسم فيها، غير أن هذا الرأي لم يكن ليفضي إلى نتيجة لكون الوقت قد فات على تأثير رجال الدين على الساسة الذين اتخذوا بالأساس من رجال الدين جسرا أوصلهم إلى ما وصلوا إليه اليوم في العراق.

ويقول الشيخ محمد الموسوي وهو طالب في حوزة النجف لصحيفة “العرب”، إن “الساسة العراقيين استغلوا تدين الكثير من أبناء الشعب العراقي في إيهامهم بأن المراجع الكبار مؤيدون لهؤلاء الساسة من خلال تفسير كلام المرجعيات وفقا لأهواء الساسة.. المرجعيات أخطأت عندما تركت التفسير لأهواء الساسة من دون أن توضح موقفها وهذا ما دفع السياسيين إلى أن يتخذوا من كلام المرجعية غطاء لما يريدونه هم”.

ويضيف الموسوي، أن “الوقت تأخر كثيرا في إصلاح هذا الأمر باعتبار أن الكتل السياسية الآن لم تعد تكترث في باطنها إلى آراء المرجعيات الشيعية كانت أم السنية، فهي باتت تمتلك مراكز القوة التي تجعلها في غنى عن دعم المرجعيات الدينية”.

يؤكد كلام الموسوي ما يذهب إليه رأي الباحث الإسلامي جعفر عطوان الذي يرى أن الكتل السياسية عمدت إلى خلق رجال دين في مراكز مصطنعة ومحاولتهم أيضا تغيير المرجعيات الدينية في البلاد بأخرى يكون لها انصياع مطلق لهذا الحزب السياسي أو ذاك.

ويستشهد عطوان بمحاولة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي خلال سنوات حكمه في العراق تغيير المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني بمحمود الشاهروردي للتخلص من ضغط مرجعيات النجف الرافضة لسياسات المالكي.

ويقول عطوان لـ”العرب” إن “المالكي حاول لفت الأنظار عن السيستاني باتجاه الشاهروردي الذي يعتبر مرجع حزب الدعوة على أمل التخلص من ممانعة السيستاني المستمرة لسياسات المالكي غير أنه لم يتمكن من ذلك”. ويضيف عطوان أن “هذا السيناريو بدأت تكرره الأحزاب السياسية لا سيما الشيعية منها”، مبينا أن “كل حزب سياسي بات له رجل دين يخطب باسمه ويدعمه بالفتاوى والمواقف المعلنة في محاولة لكسب ود الشارع وإبعاده عن المرجعية الشيعية العليا في حال رفضت موقف هذا الحزب أو ذاك”.

هو فخ سياسي بغطاء ديني إذن كما يرى عطوان الذي يدرك أن العراقيين وقعوا مكرهين في هذا الفخ، لكون أن الأحزاب السياسية التي انسلخت عن الدين في باطنها، ولا تزال تتمسك به أمام جمهورها باتت تمتلك مواقع قوة لا تستطيع المرجعيات إفقادها إياها.

بذرة نور

منذ العام الماضي والحركات الاحتجاجية في العراق تتميز بطبيعتها المدنية وتقودها شخصيات وجهات معروفة ببعدها عن التيارات الدينية، غير أنها أيضا باتت مؤمنة بأن أي تغيير لن يأتي من دون أن يكون للمرجعيات الدينية ورجال الدين دور فيها، للاعتقاد بأن الجهات الدينية لا تزال تمتلك زمام الأمور في المشهد العراقي وأنها قادرة على تغيير الواقع السياسي.

قاربت الحركات الاحتجاجية هذه من التلاشي لولا تدخل المرجعية الشيعية في النجف الأشرف بخطبها المنتقدة والرافضة لسياسات المسؤولين في الدولة العراقية، قبل أن يستلم رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر قيادة هذه التظاهرات ويمنحها زخما غير اعتيادي كاد يودي بالطبقة السياسية لأكثر من مرة. غير أن توجهات الصدر لا تزال غير واضحة المعالم لا سيما موقفه الأخير المتعلق بأمر أنصاره بتعليق التظاهرات شهرا كاملا، وهو موقف قرأه المدنيون على أنه محاولة من الصدر لتذكيرهم بأنهم لا يستطيعون فعل شيء دونه.

ووفقا للناشط المدني أحمد رؤوف، فإن كل المدنيين باتوا على قناعة بأن أي تغيير لن يتمكنوا من إحداثه في حال لم يتدخل طرف سياسي أو ديني قوي كالتيار الصدري أو المرجعية في النجف.

ويقول رؤوف لـ”العرب” إن “حصيلة 13 سنة من التعبئة الدينية التي مارستها الأحزاب السياسية على الشعب العراقي لن نتمكن اليوم من إلغائها فالقوة باتت للأحزاب التي تدعي الالتزام بالدين”.

ويضيف رؤوف أن “الحل يتمثل في وجود مرحلة انتقالية تخرج السياسة في العراق من واقعها الحالي إلى مرحلة جديدة تسمح للتيارات المدنية بأخذ دورها الحقيقي، وهذه المرحلة لا يمكن أن تكون من غير أن يكون هنالك وسيط انتقالي، يبدو أن التيار الصدري والمرجعية أيضا في النجف هما من يمثلان هذا الوسيط”.

وبعيدا عن الاحتجاجات الشعبية وقريبا من مشاهد العنف التي تضرب العراقيين بصورة شبه يومية، يتوجه أغلب العراقيين عقب كل حادثة إرهابية إلى المرجعيات الدينية لمطالبتها بالتدخل وتغيير الواقع السياسي والأمني في البلاد وكأنها هي التي تمتلك القدرة على ذلك.

سنوات من العمل

تقرأ هذه المطالبات على أنها تمسك غريق بقشة يؤمن أنها لن تنقذه غير أنه يحاول يائسا أن يجد فيها أملا له، والفضل يعود إلى الأحزاب نفسها التي صورت المراجع ورجال الدين على أنهم أمل العراقيين، بينما تعمل هي بالضد من ذلك.

هذه الصورة وصور أخرى كثيرة توضح أن العراقيين خسروا أمام ساستهم كل فرص التغيير المنشود بعد أن تمكن الساسة من إقناع الجميع بأنهم يسيرون وفق توجيهات المراجع الدينية في البلاد حتى وصلوا إلى المكان الذي يريدون لينقلبوا على نفس المراجع بعد أن أصبحوا مركز الثقل في المشهد.

المد السياسي الذي اتخذ من الدين غطاء له بات أكثر قوة من تطلعات الشعب العراقي الذي لا يجد في الوقت الحالي سوى رجال الدين الأصيلين، أملا في قول الكلمة الحق بوجه الساسة على أمل تغيير شيء. وفي كل الأحوال فإن المواطن العراقي بدأ يتحرر من قيود رجال الدين والساسة على حد سواء، بعد أن أدرك أن الطرفين لن يقدما له ما يريده من حياة كريمة، على أمل أن تؤدي خطواته وإن كانت بطيئة إلى تغيير الواقع في البلاد.

غير أن هذا الهدف يحتاج إلى سنوات من العمل المخطط له، وهو ما تركز عليه جهات عدة في المجتمع العراقي تحاول أن تثقف المواطنين بضرورة أن تكون الحياة السياسية في العراق بعيدة عن تسلط رجال الدين التابعين بدورهم لأحزاب سياسية، وهذا الهدف برأي الجهات ذاتها يحتاج أولا إلى مواجهة الطبقة السياسية الحالية وإزاحتها شيئا فشيئا عن المشهد بتقديم شخصيات وأحزاب أقرب الى المواطن.

ووفقا للقائمين على هذا الهدف، فإن خطواتهم قد تكون غير ذات جدوى في حال لم تتمكن من إيجاد الدعم الكافي لها من الشرائح الشعبية أولا من خلال اقتناعها بضرورة التغيير السياسي الذي سيؤدي بالنتيجة الى خروج العراق من دائرة سيطرة آراء رجال الدين التابعين للأحزاب السياسية، في حال كهذه لا يجد القائمون على هدف التغيير مشكلة في أن يكون لرجال الدين الأصيلين دور في تقويم العملية السياسية العراقية، لكون الكثير منهم أسهموا بشكل كبير في ثورة الشعب العراقي على الفساد والطغيان وإن جاء هذا الإسهام متأخرا.

حل آخر يضعه المراقبون للشأن العراقي على طاولة حل الأزمة في البلاد، يتمثل في تمييز الشعب العراقي لرجال الدين من أتباع الأحزاب السياسية عن رجال الدين الذين لا يبحثون عن مطامع سياسية، لكون هذا الأمر سيقلل من سطوة الأحزاب على المشهد السياسي تحت مسميات الدفاع عن الدين والعقيدة، فرجال الدين بكل الأحوال هم جزء من المجتمع العراقي الذي لا يجد نفسه مجتمعا دينيا برغم التزام أعداد كبيرة من أبنائه بالتقاليد الدينية التي تنسجم مع عادات مجتمعية أخرى.

الدور الذي يتطلع إليه العراقيون اليوم لرجال الدين هو الدور الرقابي على الدولة ومسؤوليها من ساسة الأحزاب المختلفة، شريطة ألا يتعدى هذا الدور إلى التدخل السلبي بما يجعل الساسة فوق الشعب ويجعل من الشعب مجرد وسيلة لإيصال ساسة الفساد إلى سدة الحكم في البلاد.

فصل الدين عن السياسة سيكون مطلبا ملحا لجميع أبناء الشعب العراقي حتى المتدينين منهم في حال استمرت قيادة الأحزاب السياسية لرجال دين يجدون لكلامهم صدى واسعا في الأوساط الشعبية العراقية، فالأوضاع المأساوية التي وصلت إليها البلاد سواء على الصعيد الأمني أو السياسي أوالاقتصادي وغيره، كانت كلها بسبب تداخل الوجهة الدينية المسيسة والسياسية الفاسدة وإنتاج ما لا يمكن اعتباره توجها دينيا أو توجها سياسيا على حد سواء.

 

 

صالح إبراهيم

صحيفة العرب اللندنية

 

 

 

 

Follow Us